38/04/29


تحمیل

الأستاذ الشيخ هادي آل راضي

بحث الأصول

38/04/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: الأصول العمليّة / الأصول العملية/ الاستصحاب

 

كان الكلام في أنّ البحث عن الاستصحاب هل هو بحث عن مسألة أصولية، أو هو بحث عن مسألة فقهية ؟ وذكرنا في الدرس السابق أنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) يرى أنّه بحث عن مسألة أصولية، وهكذا كثير غيره، إمّا بناءً ـــــــ كما قال ـــــــ على أنه من الأحكام العقلية، أو غير العقلية، أو من الأحكام العقلائية، بأن كان الدليل عليه هو العقل أو كان الدليل عليه هو بناء العقلاء، فكون المسألة مسألة أصولية واضح؛ لأنّ البحث يقع عن حجّية هذا الظن الذي يُدعى أنّ العقل يدركه، أي يدرك بقاء الحالة السابقة ولو ظناً، فيقع البحث عن حجّيته، وهكذا في بناء العقلاء، والبحث عن الحجّية بحث أصولي كما هو واضح؛ بل هكذا الحال إذا قلنا بأنّ الاستصحاب هو عبارة عن حكم ببقاء ما كان، حتى إذا قلنا أنّه هو عبارة عن الحكم ببقاء ما كان هو أيضاً مسألة أصولية، وإن كان يقول: نحن ننتهي في الاستصحاب بناءً على ذلك إلى إثبات الحكم الشرعي الجزئي الفرعي، لكن ننتهي إليه بالواسطة لا بلا واسطة كما هو الحال في القواعد الفقهية، قاعدة الطهارة نُطبّقها على هذا المورد الذي نشك في طهارته ونجاسته، فنقول هو طاهر استناداً إلى قاعدة الطهارة، قاعدة الطهارة قاعدة فقهية تُطبق على هذا المورد، فننتهي إلى حكم هذا الشيء المشكوك الطهارة والنجاسة من باب التطبيق وبلا واسطة، بينما في المسألة أصولية يُنتهى إلى الحكم الشرعي الجزئي الفرعي، لكن بتوسّط شيء، نثبت حجّية خبر الثقة وبتوسط حجية خبر الثقة نثبت الحكم الشرعي الجزئي الثابت بخبر الثقة.....وهكذا في سائر الموارد، فيقول: حتى إذا قلنا بأنّ الاستصحاب عبارة عن الحكم ببقاء ما كان هو أيضاً يكون مسألة أصولية.

ثمّ استدل على عدم كونه مسألة فقهية بأنّه كيف تكون مسألة فقهية والحال أن مجرى قاعدة الاستصحاب قد يكون حكماً أصولياً،[1] يعني أنّ الاستصحاب قد يجري في مسألة أصولية، فكيف يكون هو مسألة فقهية ويجري في مسألة أصولية من قبيل الحجّية ؟! لا مشكلة في أن نستصحب الحجية إذا كنّا على يقين منها وشككنا في بقائها أو ارتفاعها، فنستصحب الحجية، والحجّية مسألة أصولية، وكأنه يرى أنّ المسألة الفقهية لا تجري في المسائل الأصولية، فإذا جرى الاستصحاب في مسألة أصولية نستكشف من ذلك أنه ليس مسألة فقهية، وإنّما هو مسألة أصولية.

هذا الكلام من صاحب الكفاية (قدّس سرّه) صار مورد تعجّب، فقيل: ليكن الاستصحاب مسألة فقهية، لكنّه يجري في مسألة أصولية كالحجّية، وهذا ليس غريباً، وله نظائر، قاعدة لا حرج مسألة فقهية بلا إشكال، لكنّها تجري في المسائل الأصولية حيث أجروها في دليل الانسداد، فيُنتهى إلى إثبات حجّية الظن في دليل الانسداد بنفي جملة من الأمور، باب العلم منسد، وباب الظنون المعتبرة منسد، والاحتياط أيضاً لا يكون لازماً؛ لأنّ لزومه يستلزم العسر والحرج، فأجروا قاعدة العسر والحرج وهي قاعدة فقهية بلا إشكال في مسألة أصولية. كذلك في بحث الفحص اللازم عن المعارض، إذا ورد لدينا دليل واحتملنا وجود معارض لا يجوز العمل بهذا الدليل إلا بعد الفحص عن معارضه، وقالوا بأنّ مقدار الفحص اللازم لا يُشترط فيه الفحص حتى يصل إلى حدّ القطع بالعدم؛ لأنّ فيه عسر وحرج، فيُكتفى بالفحص المتعارف الذي لا يورث القطع بالعدم؛ لأنّ إلزام المكلف بتحصيل القطع بعدم المعارض كشرطٍ للعمل بالدليل فيه عسر وحرج، وهو منفي بقاعدة العسر والحرج، فهنا أيضاً أجروا قاعدة فقهية في مسألة أصولية.

إذن: ليس من العجيب أن تجري قاعدة فقهية في مسألة أصولية، فجريان الاستصحاب في الحجّية هو من هذا القبيل ولا يكشف ذلك عن عدم كونه مسألة فقهية؛ لأنّه ليس من لوازم المسألة الفقهية أن لا تجري في المسائل الأصولية، والشيخ (قدّس سرّه) أشار في الرسائل إلى أنّ القاعدة الفقهية قد تجري في المسائل الأصولية.

الصحيح في محل الكلام هو أن يقال: إنّ تحديد أنّ الاستصحاب مسألة أصولية، أو فقهية، يرتبط بتحديد علم الأصول وتعريفه، فما هو تعريف علم الأصول؛ لأنّه إذا عرّفنا علم الأصول بتعريف خاص؛ حينئذٍ يمكن أن نرى هل أنّ التعريف ينطبق على الاستصحاب، أم لا ؟ فإذا انطبق التعريف على الاستصحاب؛ فحينئذٍ يدخل في علم الأصول ويكون مسألة أصولية، وإذا لم ينطبق عليه التعريف لا يكون مسألة أصولية، فإذن: هذا البحث يرتبط بتعريف علم الأصول. والظاهر أنه على كل التعاريف المعروفة والمشهورة لعلم الأصول يدخل الاستصحاب في مسائل علم الأصول ويكون مسألة أصولية، والمقصود بالاستصحاب هو الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية ولا نتكلّم عن الاستصحاب الجاري في الشبهات الموضوعية، هذا الاستصحاب الجاري في الشبهات الحكمية من قبيل ـــــــ مثلاً ـــــــ إذا شككنا في حرمة وطئ الحائض التي انقطع عنها الدم بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، يُستصحب الحكم السابق الذي هو حرمة الوطيء، هذا استصحاب جارٍ في الشبهة الحكمية. هذا الاستصحاب على التعاريف المعروفة والمشهورة لعلم الأصول هو مسألة أصولية، مثلاً: بناءً على تعريف المسألة الأصولية بأنها المسألة التي تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي، هذا هو المعيار والميزان في كون المسألة أصولية. إذا آمنا بهذا، الاستصحاب أيضاً يقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي، فيكون بذلك مسألة أصولية، فتقول ـــــــ مثلاً ـــــــ في غير الاستصحاب: هذا خبر ثقة، وكل خبر ثقة حجّة، فنثبت الحجّية. أو تقول: هذا ظاهر، وكل ظاهر حجّة، إذن: ظهور هذا في هذا الحكم الخاص يكون حجّة. فحجية الظواهر تقع كبرى في قياس الاستنباط، فتكون مسألة أصولية، وكذلك حجية خبر الثقة، أيضاً تقع كبرى في قياس الاستنباط، فتكون مسألة أصولية. الاستصحاب أيضاً هكذا يمكن جعله كبرى في قياس الاستنباط، فيقال ــــــ مثلاً ـــــــ في محل الكلام بأنّ: هذا متيقن الحكم ونشك في بقاء حكمه، وكل ما كان متيقن الحكم ويُشك في بقاء حكمه يبقى على حكمه السابق. هذا هو عبارة عن الاستصحاب. هذه المرأة كان يُعلم بحرمة وطئها عندما كانت حائضاً قبل الانقطاع، الآن بعد الانقطاع وقبل الاغتسال يُشك في بقاء الحرمة، الكبرى تقول كل ما كان كذلك يحكم ببقاء الحكم السابق الذي كنت على يقين منه، والحكم السابق هو حرمة الوطئ، النتيجة هي أنّ هذه المرأة يُحرم وطئها، فوقع الاستصحاب كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي، فينطبق عليه التعريف ويكون مسألة أصولية.

وهكذا الحال لو عرّفنا الاستصحاب وقلنا بأنّ الميزان في كون المسألة أصولية هو أن تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بلا حاجةٍ إلى مسألةٍ أخرى كما يقول السيد الخوئي (قدّس سرّه)[2] حيث أنه يُعرّف المسألة الأصولية بأنها المسألة التي تقع في طريق استنباط الحكم الشرعي بلا حاجةٍ إلى مسألة أخرى، ومقصوده هو أنّ المسألة الأصولية هي التي تقع نتيجتها كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي بلا حاجةٍ إلى شيءٍ آخر. بقطع النظر عن أنّ هذا التعريف صحيح، أم لا، وماذا يرِد عليه، هذا ليس محل كلامنا، بالنتيجة إذا آمنا بهذا التعريف يكون الاستصحاب أيضاً مسألة أصولية وينطبق عليه هذا التعريف؛ لأنّ الاستصحاب يقع أيضاً كبرى في قياس الاستنباط بلا حاجةٍ إلى مسألةٍ أخرى، فيقال في المثال السابق: أنّ المرأة إذا انقطع عنها الدم وقبل الاغتسال يُحكم عليها بحرمة الوطئ استناداً إلى ثبوت هذا الحكم سابقاً، فيقع كبرى في قياس الاستنباط بلا حاجة إلى شيءٍ آخر، فينطبق عليها هذا التعريف وتكون مسألة أصولية.

وهكذا الحال فيما إذا قلنا بما ذكره السيد الشهيد (قدّس سرّه) من أنه عبارة عن العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.[3] يشترط في المسألة الأصولية أن تكون عنصراً مشتركاً، بمعنى أنّها لا تختص ببابٍ معيّن من أبواب الفقه، وإنّما هي موجودة في معظم أبواب الفقه، وتشكّل عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، والاستصحاب بلا إشكال يُشكّل عنصراً مشتركاً في عملية الاستنباط، ولا يختص ببابٍ معيّن من أبواب الفقه دون الأبواب الأخرى من قبيل قاعدة الطهارة، فهي تختص ببابٍ معيّن ولا تجري في بقية الأبواب، بينما الاستصحاب ليس هكذا، وإنّما الاستصحاب من قبيل حجّية الظواهر وحجية خبر الثقة، هو يمتد إلى كل الأبواب الفقهية ويمكن الاستدلال به في جميع الأبواب الفقهية ولا يختص ببابٍ دون بابٍ آخر، هنا أيضاً يكون الاستصحاب بناءً على هذا التعريف من المسائل الأصولية.

نعم، هنا لابدّ من الانتباه إلى أنّ الاستصحاب الجاري في الشُبهات الموضوعية لا يكون مسألة أصولية، وغنّما بناءً على تعريف الاستصحاب بالتعريفات السابقة، أو غيرها، الاستصحاب الجاري ـــــــ إذا قلنا بجريانه ـــــــ في الشُبهات الموضوعية لا يكون مسألة اصولية؛ لأنه لا يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلّي؛ لأنه لا يجري ـــــــ بحسب الفرض ـــــــ في الأحكام الشرعية الكلّية، وإنّما يجري في الموضوعات، فهو لا يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي الكلّي. فرضاً إذا استصحبنا عدالة زيد التي كنّا على يقينٍ منها سابقاً، عندما نشك في بقاء العدالة، بناءً على جريان الاستصحاب؛ حينئذٍ لا يثبت بهذا الاستصحاب حكم شرعي كلّي، وإنما يثبت به عدالة زيد، هذا زيد الذي كنّا على يقين من عدالته سابقاً وشككنا في بقاء عدالته، ما يثبت بالاستصحاب هو عدالة زيد وما يترتب على عدالته من الأحكام الجزئية، هناك فرق بين أنّ المرأة التي انقطع عنها الدم وقبل الاغتسال يحرم وطؤها، هذا حكم شرعي كلّي نثبته بالاستصحاب، الماء المتغيّر بالنجاسة إذا زال عنه التغيّر نحكم عليه بالنجاسة استناداً إلى الاستصحاب، وهذا حكم شرعي كلّي، وبين أن نحكم على زيدٍ بأنه يجوز الصلاة خلفه استناداً إلى استصحاب عدالته، هذا الحكم الشرعي وإن كنّا نثبته بالاستصحاب الجاري في الشبهات الموضوعية، لكن هذا حكم شرعي جزئي، التعاريف كلّها ناظرة إلى الأحكام الشرعية الإلهية الكلّية، هذا هو المقصود بالشبهات الحكمية، فالاستصحاب الذي يجري في الشبهات الموضوعية لا يكون مسألة أصولية، وإنّما يكون حاله حال قاعدة الطهارة، حاله حال قاعدة الفراغ، حاله حال قاعدة التجاوز، هذه كلّها مسائل فقهية وقواعد فقهية تجري في الموضوعات، وتثبت الفراغ وتثبت التجاوز، وتثبت الطهارة، هذه كلها تعتبر من الموضوعات الشرعية وليست من الأحكام الشرعية الكلية. الاستصحاب الجاري في الشُبهات الموضوعية يكون من قبيل قاعدة الطهارة الجارية في الشبهات الموضوعية، وهي قاعدة فقهية وليست مسألة أصولية؛ ولأجل هذا السيد الخوئي(قدّس سرّه) ذكر بأنّه على رأينا الاستصحاب هو قاعدة فقهية لا غير ولا يكون قاعدة أصولية، ورأيه في باب الاستصحاب ــــــــ كما سيأتي إن شاء الله تعالى ـــــــ هو أنه يمنع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، ويقول أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام، وإنّما يجري فقط في الموضوعات والأحكام الجزئية وليس في الأحكام الشرعية الكلّية، يقول: بناءً على رأينا الاستصحاب لا يكون من مسائل علم الأصول، وإنّما يكون مسألة فقهية؛ لأنه لا يجري في الأحكام، فلا يكون كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي الكلي الإلهي، وإنّما يكون كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي الجزئي، الذي هو الموضوعات؛ فلذا لا يكون مسألة أصولية، وإنّما يكون مسألة فقهية، وبناءً على كلامه(قدّس سرّه) لابدّ أن يلتزم بأنّ ذكر الاستصحاب في علم الأصول يكون من باب الاستطراد ليس إلاّ، وإلا هو أجنبي عن علم الأصول. هذا إذا قلنا باختصاص الاستصحاب بالشبهات الموضوعية كما هو يقول، فيكون الاستصحاب مسألة فقهية لا علاقة لها بعلم الأصول . وأمّا إذا قلنا باختصاص الاستصحاب بالشبهات الحكمية، وجريانه في الأحكام، فأنه يكون مسألة أصولية، ينطبق عليه تعريف علم الأصول.

وهكذا الحال لو قلنا بأنّ الاستصحاب يجري في كلتا الشبهتين ولا داعي لتخصيصه بأحدهما دون الأخرى، هو كما يجري في الأحكام يجري في الموضوعات، كما يجري في الشبهات الحكمية يجري في الشبهات الموضوعية، يجري في كلٍ منهما؛ لأنّ دليله فيه إطلاق يمكن التمسك به لإثبات جريانه في كلٍ منهما، اليقين والشك في قوله(عليه السلام) في الرواية: (لا تنقض اليقين بالشك) كما يشمل اليقين والشك في باب الأحكام، كذلك يشمل اليقين والشك في باب الموضوعات؛ لأنه مطلق وليس هناك مخصص له في خصوص باب الأحكام، اليقين لا يُنقض بالشك، يمكن أن يقال بإطلاقه وشموله لكلتا الشبهتين كما هو الحال في حجّية خبر الثقة بناءً على شموله للأحكام وللموضوعات، بناءً على أنّ حجية خبر الثقة لا تختص بخصوص نقل الأحكام الشرعية الكلّية، وإنّما خبر الثقة إذا نقل لنا موضوع من الموضوعات أيضاً تشمله أدلة حجّية خبر الثقة، فيكون دليل حجّية خبر الثقة فيه إطلاق يشمل الأحكام والموضوعات، دليل الاستصحاب أيضاً فيه إطلاق يشمل الأحكام والموضوعات، الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية. هذا من حيث دليل الاستصحاب .

عملاً بالنتيجة لابدّ أن نلتزم بأنّ الاستصحاب من جهة أنه يشمل الأحكام ويجري في الشبهات الحكمية يكون مسألة أصولية. ومن جهة أنه يجري في الموضوعات وفي الأحكام الجزئية الفرعية يكون مسألة فقهية. صرّحوا بأنّ السيد الخوئي(قدّس سرّه) صرّح بأنّه لا مانع من الالتزام بذلك الشيء، أن يكون في الاستصحاب جهتان، بلحاظ إحدى الجهتين يكون البحث فيه بحثاً عن مسألة أصولية، وبلحاظ الجهة الأخرى لا يكون بحثاً عن مسألة أصولية. يقول لا مانع من أن تجتمع فيه الجهتان؛ وحينئذٍ يمكن أن يقال بذلك، وفي حجّية خبر الثقة ليس هناك مانع من أن يكون شاملاً للأحكام وللموضوعات. عندما نبحث عن حجّية خبر الثقة في الموضوعات هذا ليس بحثاً أصولياً؛ لأنّ حجّية خبر الثقة في الموضوعات لا تقع كبرى في قياس استنباط الحكم الشرعي الكلّي، وإنّما تخبرنا بأنّ هذا ثقة، وهذا عادل، وأنّ هذا لاقى النجاسة، هذه أحكام جزئية وليست أحكاماً شرعية كلّية، فالبحث عن حجّية خبر الثقة لإثبات الموضوعات لا يكون بحثاً عن مسألة أصولية، لكن البحث عن حجّية خبر الثقة لإثبات الأحكام الشرعية الكلية، عندما يخبرنا الثقة عن حكمٍ شرعيٍ كلّي، هذا البحث يكون بحثاً عن مسألة أصولية ولا مانع من ذلك. الاستصحاب هو من هذا القبيل.

يترتب على هذا الفرق الذي ذُكر بين الاستصحاب كمسألة أصولية، وبين الاستصحاب كمسألة فقهية جاري في الشبهات الموضوعية، يترتب على ذلك أنه على رأي السيد الخوئي(قدّس سرّه) الذي يقول أنّ الاستصحاب مسألة فقهية دائماً وليس مسألة أصولية، يعني لابدّ أن نسلم بأنّ ذكره في المقام من باب الاستطراد، هنا لابدّ أن يُلتزم بأنّ الاستصحاب إنّما يكون حجّة فيما إذا فُرض حصول اليقين والشك لنفس المقلِّد ولا يُكتفي بحصول اليقين والشك للمجتهد؛ بل لابدّ من افتراض حصول اليقين والشك لنفس المقلِّد، فإذا حصل للمقلِّد اليقين بنجاسة ثوبه ـــــــ مثلاً ـــــــ وحصل له الشك في بقاء هذه النجاسة، قهراً هو يرجع إلى المجتهد، المجتهد في هذه الحالة يفتيه بالقاعدة الأصولية، يُفتيه بالاستصحاب، أي ببقاء النجاسة عملاً، وقد يكون المجتهد قاطع بزوال الحالة السابقة، لكن ما دام المقلِد هو نفسه لديه يقين بالحالة السابقة، وشك في بقائها، يفتيه بالاستصحاب، أي ببقاء الحالة السابقة، ولا يفتيه بالحكم الشرعي الجزئي الفرعي؛ لأنّ المجتهد قد يكون عالماً بانتقاض الحالة السابقة، وإنّما يجب عليه أن يفتيه بالمسألة الأصولية لا بالحكم الشرعي الفرعي الجزئي، وإنّما يقول: أنت على يقين سابق من نجاسة ثوبك، وشك لاحق ببقاء النجاسة، حكمك أن تجري الاستصحاب، أي تستصحب الحالة السابقة. في الشبهات الموضوعية لابدّ أن تكون أركان الاستصحاب متوفرة بالنسبة إلى نفس المقلد، لا يكفي أن تتوفر أركان الاستصحاب عند المجتهد. نعم، هذا يكفي بالنسبة إلى تكاليف نفسه، يقين نفس المجتهد وشكّه يحقق الاستصحاب، فيجري في حقّه الاستصحاب كأي مكلّف آخر عندما يبتلي بشبهة موضوعية، لابدّ أن يحصل له هو في تكاليف نفسه، يعني هو عندما يتنجّس ثوبه ويكون على يقين من النجاسة ويشك في بقائها لابدّ أن يستصحب النجاسة ويُعتبَر وجود اليقين والشك عنده، لكن بالنسبة إلى أحكام المقلِد لابدّ من افتراض توفّر اليقين والشك عند المقلِد، فإذا توفرت يرجع إلى المجتهد، والمجتهد يُفتيه بالاستصحاب، أي يفتيه بإبقاء الحالة السابقة. هذا في الشبهات الموضوعية، وهكذا في سائر الشبهات الموضوعية. وأمّا في الشبهات الحكمية فالأمر يختلف، في الشبهات الحكمية اليقين والشك المعتبر في الاستصحاب لابدّ من توفره في حق المجتهد نفسه، لابدّ من حصولهما عند المجتهد، المجتهد لابدّ أن يكون على يقين من حرمة وطئ هذه المرأة قبل انقطاع الدم وشكٍ في بقاء هذه الحرمة بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال، لابدّ أن يكون هو على يقين وشك من هذا الشيء، وإلاّ المقلِد لا علاقة له بهذا الشيء، أصلاً المقلِد ليس في وادي أن يحصل له يقين بالحكم الشرعي والشك في بقاء الحكم الشرعي، ليس وظيفته ذلك، المجتهد هو الذي يحصل له اليقين بنجاسة الماء المتغيّر بالنجاسة، وهذا اليقين يحصل لديه من الأدلة، فمسألة أنّ الماء إذا تغيّر بالنجاسة تنجّس يأخذها من الأدلة، وهذه وظيفة المجتهد وليست وظيفة المقلِد، فإذن: هو الذي يحصل له اليقين، فإذا شك هذا المجتهد في بقاء ما تيقّن به على ضوء الأدلة؛ حينئذٍ هو يجري الاستصحاب، فيستصحب بقاء الحرمة السابقة، يستصحب بقاء النجاسة في الماء المتغيّر بالنجاسة إذا زال عنه التغيّر، ويُفتي المقلِد بالحكم الشرعي الفرعي، ويقول له في الرسالة يحرم وطئ المرأة الحائض بعد الانقطاع وقبل الاغتسال، ويحكم بنجاسة الماء إذا زال عنه التغيّر، فلا يفتيه بكبرى الاستصحاب، وإنّما يفتيه بالمسألة الفرعية، فيقول يحرم عليك وطئ هذه المرأة، هذا الماء الذي تغيّر بالنجاسة وزال عنه التغيّر هذا نجس؛ لأنّه أجرى الاستصحاب وانتهى إلى هذه النتيجة فيُفتي المكلف بهذه النتيجة.