38/04/29


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/04/29

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: تنبيهات هل النهي عن المعاملة يقتضي الفساد ؟

الاشكال الثالث: إنَّ المكلّف حينما يقرأ سورة العزيمة تبطل صلاته من ناحية الكلام ، فكل كلام في الصلاة مبطل لها خرج من ذلك قراءة القرآن الكريم لكن إذا كان بالنحو غير المنهي عنه ، وهكذا خرج الذكر والدعاء غير النهي عنه ، وأما ما عدى ذلك يعني القرآن المنهي عنه كما هو محلّ كلامنا لأنَّ قراءة العزيمة هو قرآن منهي عنه يكون مشولاً لما دلت عليه الرواية من أنه كلّ كلام يكون مبطلاً للصلاة فيكون باقياً تحت هذا العموم فتقع الصلاة باطلة .

ثم أضاف وقال: إنه بناءً على هذا يتضح أنه لو قرأ العزيمة حتى لو كان ذلك في مورد آخر من الصلاة ، كما لو قرأها أثناء الركوع أو السجود فعلى هذا الأساس الكلام هو الكلام ، يعني تبطل صلاته ، لأنَّ صلاته قد اشتملت على كلامٍ متعمّداً فتكون باطلة ، فإنَّ هذا الذي قرأه هو قرآن منهي عنه فيكون مشمولاً لعموم المبطل وهو أنَّ كلّ كلامٍ متعمداً في اثناء الصلاة تقع الصلاة به باطلة.

وفيه: إنه لو رجعنا إلى أدلة مبطلية الكلام أمكن أن نقول هي منصرفة إلى كلام الآدميين ، كما لو تكلّم شخص أثناء الصلاة فإذا كان متعمّداً فهذا يكون مبطلاً وأما إذ لم يكن متعمداً فالصلاة صحيحة ، وكان من المناسب له أن يأتي لنا برواية حتى نرى هل تدل على ما ذكره أو لا.

ونحن نذكر رواية في هذا المجال لنرى هل هي كما نقول أو كما يقول هو (قده) ، وهي صحيحة الفضيل عن أبي جعفر عليه السلام: ( ... وابنِ على ما مضى من صلاتك ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمداً وإن تكلمت ناسياً فلا شيء عليك )[1] .

إنَّ هذه الرواية حينما قالت: ( ما لم تنقض الصلاة بالكلام متعمداً ) لا يبعد انصرافها إلى الكلام العادي وهو كلام الآدميين لا أنه يشمل حتى القرآن والذكر وكلّ شيء فإن كلّ هذا كلام متعمّد.

إن قلت: إنَّ الانصراف لابدّ وأن ينشأ من أحد أمرين إما من كثرة الوجود أو كثرة الاستعمال ، وكثرة الوجود ليست منشأً صحيحاً للانصراف فإنها بنفسها لا توجب التقييد والتخصيص يعني لا توجب انصرافاً صحيحاً ، فمثلاً لو قلت لك أعِن الفقير وكان الطابع العام على الفقير هو أنه من أهل البلدة الفلانية فهل هذا يوجب الاختصاص بالفقير الذي يكون من هذ البلدة ؟ كلا ، بل حصل هذا اتفاقاً ، أو قلت له: جئني بماءٍ ، فكثير الوجود عندنا هو ماء دجلة والفرات فلو جاءني بماءٍ آخر فهل أقول له هذا لا أقصده ولا أريده ؟! كلا فإنَّ هذا ليس منشأً للانصراف ، وهذا صحيحٌ وهو واضح ، فالانصراف إما من كثرة الوجود أو من كثرة الاستعمال ، وكثرة الوجود ليست منشأ صحيحاً للانصراف وهذا بالاتفاق ، وكثرة الاستعمال هي منشأ صحيح لأنها توجب علاقة بين اللفظ وبين هذا المعنى الذي كثر الاستعمال فيه ، ولكن في المقام لا توجد كثرة استعمال لفظة ( كلام ) في خصوص كلام الآدميين ، فعلى هذا الأساس نحن ننكر هذا الانصراف.

قلت: لا ينبغي أن نقيّد أنفسنا بقيودٍ ما أنزل الله بها من سلطان وهذا قد ذكرناه مراراً ، لكن الصحيح هو أننا لابد وأن نحكّم وجداننا فإذا لاحظنا وجود انصراف كفى ذلك ولا يلزم أن يكون ناشئاً من كثرة الاستعمال بل من أيّ منشأ كان ، فمادام الانصراف موجوداً فسوف يصير الكلام ظاهراً في هذا المعنى المنصرف إليه فنأخذ به ولا نتقيّد بالقيود الأصولية.

ففي باب الظواهر الظهور هو أمر وجداني ، فإذا شعرت أنه يوجد ظهور في هذا المعنى الضيّق مثلاً فخذ به ، فهذه الرواية إذا قرأناها وفهمنا منها أنَّ كلام الآدميين متعمداً هو المبطل أخذنا به ، أما لو قلت لي أنا أفهم منها أنَّ كل كلام حتى القرآن الكريم هو مبطل أيضاً ف هذا فهذا حجة بينك وبين ربك ، أما إذا قال شخص أني أشعر بوجدان أنَّ القصود هو الكلام العادي فيأخذ بذلك ، والفقهاء أيضاً فهموا هذا ، ولذلك هم يقيّدون ويقولون إنَّ من قواطع الصلاة هو كلام الآدميين ، فهم فهموا من الرواية هذا المعنى ، بينما على رأي الشيخ النائيني(قده) يلزم أن لا يكتب في رسالته إنَّ كلام الآدميين من القواطع ، بل يكتب ( كل كلام سواء كان آدمياً أو غير آدمي هو من القواطع مادام لم يكن قرآناً صحيحاً ، فإنه لو قرأت قرآناً غير صحيح أثناء الصلاة فهذا أيضاً منهياً عنه.

إذن الكلام ينصرف إلى كلام الآدميين ولا يشمل هذا الكلام.

مضافاً إلى أنَّ هذا لو تم فهو يتم في باب الصلاة ولا يتم في غيرها . هذا بالنسبة إلى النهي عن الجزء.

النهي عن الشرط:

ذكر الشيخ الخراساني(قده)[2] في هذا المجال إنَّ الشرط إذا كان عبادة فالنهي عنه مفسد فتقع الصلاة باطلة مع الاقتصار عليه ، وأما إذا لم يكن هذا الشرط عبادة فالنهي عنه لا يكون مفسداً فلا تقع العبادة فاسدة.

وقال الشيخ النائيني(قده)[3] : لا يوجد عندنا شرط عبادي بل كلّ الشروط للصلاة غير عبادية ، فلا يوجد عندنا شرط عبادي حتى نقول إذا كان الشرط عبادياً فيكون فاسداً فتبطل الصلاة المركّب وإذا لم يكن عبادياً فلا يقع باطلاً ولا تبطل الصلاة ، فإنَّ هذا التفصيل باطل ولكن لا لأجل إنكار الكبرى من الأساس بل لإنكار الصغرى.

يعني هو يؤمن أنّه لو كان الشرط عبادياً فهو يقتضي الفساد ولكن لا يوجد عندنا شرط عبادي

ولو قلت: إنه يوجد شرط عبادي وهو الوضوء فإنه شرط عبادي فلا إشكال.

قال: كلا فإنَّ الشرط في الصلاة ليس هو الغسلات والمسحات وإنما هو الطهارة المسبّبة عن الغسلات والمسحات ، والذي هو عبادة هو الغسلات والمسحات أما الطهارة المسبّبة فهي ليست عبادة ، بدليل أنَّ الانسان إذا أتى بالصلاة وكان غافلاً عن كونه على طهارة وقعت منه صحيحة ، فلو كانت الطهارة المسبّبة قربية يلزم أن لا تقع الصلاة صحيحة من الغافل عن طهارته.

ثم قال بعد ذلك: اتضح إن تقسيم الشرط إذن إلى عبادي وغير عبادي غير بصحيح.

ويردّه:

أوّلاً: إنَّ هذه ليست مناقشة فإنَّ المناقشة دائماً لابد وأن تكون في الكبرى لا أن تكون في الصغرى ، وأنت أيها الشيخ النائيني(قده) قلت إنَّ الكبرى التي ذكرها صاحب الكفاية(قده) وهي أنه إذا كان الشرط عبادياً يقع فاسداً وتقع الصلاة فاسدة وإذا لم يكن عبادياً لم يقع فاسداً وتقع الصلاة صحيحة أسلّم بها أيضاً ، فأصل التفصيل الكبرى الذي ذكره صاحب الكفاية(قده) صحيح ولا توجد عندك مناقشة فيه ، نعم عندك مناقشة في الفقه ولكن ليس من المناسب الاتيان بها هنا في علم الأصول ، فأنت تقبل أصل الكبرى وهي أنه إذا كان الشرط عبادياً للصلاة فيقع فاسداً وتفسد الصلاة وهذا صحيح ، نعم أنت قل يوجد عندنا كلام صغروي وهو أنَّ الشرط للصلاة ما هو فهل هو الطهارة المسبّبة أو هو الغسلات والمسحات ؟ وهذه كلامٌ ثانٍ وارد في الفقه وليس في الأصول فإنه لا توجد عندك مناقشة في الكبرى ، فلا أرى ما ذكره ردّاً على صحاب الكفاية(قده) وإنما هو قضية فقهية من المناسب ذكرها في الفقه.

ثانياً: ذكر أنَّ الشرط هو الطهارة المسبّبة وليس الغسلات والمسحات ، ونحن نقول: كلا ، بل المناسب أن نقول وفاقاً لصاحب الكفاية(قده) على أنَّ الشرط هو الغسلات والمسحات ، بدليل أن الله تعالى يقول: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق .... ﴾[4] فالواجب عليك للصلاة هو الغسل والمسح فمن أين أتيت بالطهارة المسبّبة فإنه لا داعي إلى ذلك، ، فلو أردنا أن نقتصر على الأدلة فالحقّ مع صاحب الكفاية(قده) من أنه لنلتزم بأنَّ الواجب هو أنَّ الشرط للصلاة هو نفس الغسلات والمسحات تمسّكاً بالآية الكريمة ، ومع التنزل نقول إنَّ الشرط هو الطهاة المسبّبة ولكن الطهارة ليست شيئاً مغايراً للسبب بل نقول هي منطبقة على السبب ، يعني أنَّ العنوان والمعنون متّحدان فلنلتزم بهذا ، يعني لو فرضنا أنه توجد رواية أو غير ذلك مثل: ﴿ إنَّ الله يحبّ التوابين ويحب المتطهرين ﴾ فنقول إنَّ الطهارة هنا تنطبق في الحقيقة على الغسلات والمسحات ، فيحصل تلائم بين تلك الأدلة إذا كان يظهر من بعضها أنَّ الشرط هو الطهارة وبين الآية الكريمة بما أشرنا إليه.