38/05/09


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/05/09

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: المفاهيم.

وفي مقام التعليق نقول:- إنَّ الذي ينفع في اثبات المفهوم هو أن يكون الجزاء هو طبيعي الحكم لا شخص الحكم ، بيد أنَّ الركن الأوّل ربما يغني عن ذكر الركن الثاني ، يعني أنَّ الركن الأوّل وحده يكفي لإثبات الركن الثاني ، يعني يكفي لإثبات أنَّ المعلّق هو الطبيعي دون الشخص وأنَّ الجزاء هو الطبيعي دون الشخص ، فلا نريد أن نقول إنَّ الركن الثاني ليس معتبراً ، كلا بل هو معتبر ولكن لا نحتاج أنَّ نسلط الأضواء عليه بل أنه متحقق من خلال الركن الأوّل قهراً بلا حاجة إلى ذكره بعنوانه ثم بعد ذلك إقامة الأدلة عليه ، فالمدّعى هو أنَّ الركن الأوّل يحقّق الركن الثاني بشكلٍ قهري ، وذلك بتوضيح أنَّ الركن الأوّل إذا تحقق فهذا يعني أنَّ الجملة تدل على التوقّف أو تدل على أنَّ الشرط علّة منحصرة ، فإذا هي دلّت على التوقّف يعني كان المعنى العرفي المفهوم في جملة ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) هو أنَّ وجوب الاكرام يتوقف على المجيء ، إنه إذا ثبت هذا وكان شيئاً متبادراً حقاً والعرف يفهم هكذا فلازم هذا الفهم أنَّ الجزاء يكون هو طبيعي الحكم ، يعني أنه إذا لم يجئ فلا يجب إكرامه من أيّ ناحيةٍ من النواحي ، وإلا إذا كان يجب إكرامه من بعض النواحي الأخرى لأنه هاشمي أو مريض مثلاً إذن هذا خلف فرض أنَّ وجوب الاكرام يتوقّف على المجيء ، إنَّ نفس فرض التوقّف يستبطن أنَّ المعلّق هو طبيعي الحكم دون شخصه ، فإنه لو لم يكن الطبيعي هو الجزاء وهو المتوقف على الشرط – أي المجيء – بل كان يحتمل ثبوت وجوب الاكرام من جهاتٍ أخرى فهذا معناه أنه لا يوجد توقّف ، فمتى ما فهمنا من الجملة الشرطية – ونحن ذكرنا الجملة الشرطية من باب المثال وإلا فالجملة الوصفية أيضاً كذلك إذا فهمنا التوقف على صفة العلم – أنَّ وجوب الاكرام موقوفاً على مجيء زيد فلازم كونه موقوفاً على مجيئه أنَّ المعلّق على المجيء هو الطبيعي ، يعني لا يجب إكرامه حتى إذا كان مريضاً أو هاشمياً أو غير ذلك وإلا كان ذلك خلف فرض التوقّف ، هذا من ناحية الركن الأوّل بالتعبير الأوّل أي تعبير التوقّف.

وإذا فرض أنا لم نفهم التوقّف فنسلك الطريق الثاني:- وهو كون الشرط علّة منحصرة ، وكيف نثبت أنَّ الشرط علّة منحصرة ؟ يثبت ذلك بعدّة تقريبات أسهلها أن نقول:- إنه لو كان هناك شرط آخر لأشار إليه المتكلّم ، وسكوته عنه دليل على أنه لا يوجد شرط آخر ، إنه إذا ثبت أنَّ الشرط علّة منحصرة حتماً للجزاء فهذا بنفسه يستبطن أنَّ الجزاء هو طبيعي وجوب الاكرام ، فإنَّ الشرط إما أن يكون علّة منحصرة بلحاظ طبيعي الحكم ، وإلا فبلحاظ شخص الحكم هو منحصر جزماً فكلّ علّة بلحاظ معلولها هي مرتبطة به ، فشخص الحكم مرتبط بعلّته الخاصة وهذا شيء جزمي ولا يحتاج إلى اثباتٍ ودليل ، فالذي يحتاج إلى اثبات أنَّ الشرط علّة منحصرة لا لشخص الحكم بل طبيعي الحكم وإلا فشخص الحكم حيث إنّه مقيد بهذا الشرط فبلا إشكال ينتفي هذا المقيّد عند انتفاء قيده وإنما يكون علّة منحصرة للطبيعي ، فإذا اثباتنا أنَّ الشرط علّة منحصرة ولا توجد علّة أخرى لوجوب الاكرام فمعنى ذلك أنه يكفي لانتفاء الطبيعي بلا حاجة إلى بذل الجهد لإثبات أنَّ المعلّق والجزاء هو الطبيعي.

فإذن بالتالي هل نحتاج إلى ركنين أو إلى ركن واحد ؟

يمكن أن نقول:- نحن نحتاج إلى ركنين ، لكن الركن الثاني مضمون التحقّق عندما نفترض تحقّق الركن الأوّل ، فالتوقّف لا يصدق من دون كون الجزاء هو الطبيعي ، ولا يصدق أن الشرط علّة منحصرة إلا إذا كان الجزاء هو طبيعي الحكم.

إذن هذه قضية علمية ينبغي الالتفات إليها ، يعني بهذا البيان الذي ذكرته سوف لا نحتاج إلى اثبات الركن الثاني بل هو ثابت قهرياً ، ولا نحتاج إلى بذل جهد لأجل ذلك كما بذل الأصوليون جهوداً لإثباته ووقعوا في حيصٍ وبيص من ناحيته وأنه كيف نثبت الركن الثاني ، ونحن نقول: إنَّ مجرّد الركن الأوّل وحدة يثبت نفسه ويثبت الركن الثاني أيضاً بشكلٍ قهري ولا نحتاج إلى بذل مؤونة لإثبات الركن الثاني ، فالركن الثاني مضمون التحقّق بنفس افتراض تحقّق الركن الأوّل ، ولعل ذكر ركنين يصير ليس صحيحاً فنّياً ، بل قل الركن واحداً مادام الركن الثاني مضمون التحقّق بالركن الأوّل.

إشكال الشيخ الأصفهاني:-

ذكر الشيخ الأصفهاني(قده)[1] إشكالاً حاصله:- إنه يمكن أن يقال إنَّ الركن الثاني ليس بمتحقّق وهو كون الجزاء طبيعي الحكم ، وذلك بالبيان التالي:- وهو أنَّ الطبيعي له معنيان وهو نافع بأحد معنييه لكن هذا لا يمكن اثباته وغير نافع بالمعنى الثاني ولكن هذا يمكن اثباته.

أما المعنى الأوّل:- فهو أن يكون المقصود من الطبيعي هو وجوب الاكرام المتحقق ضمن جميع أفراده بحيث لوحظت جميع أفراده بنحو العموم الاستغراقي ، كما إذا لاحظت الانسان ضمن جميع أفراده - ومن الذي يتمكن أن يلاحظ الانسان بجميع أفراده إلا الله عزّ وجل - ، إنه إذا لاحظنا وجوب الاكرام بهذا الشكل فإنَّ أفراد وجوب الاكرام ليس مثل أفراد الانسان بل هي أقل منه مثل وجوب الاكرام من ناحية كونه هاشمياً ووجوب الاكرام من ناحية كونه فقيراً ..... ، فالمولى لاحظ كلّ هذه الأفراد وعلّق الطبيعي بهذا المعنى على المجيء ، إنَّ تعليق الطبيعي بهذا المعنى على الشرط – أي المجيء - ينفعنا في اثبات المفهوم ، لأنه إذا انتفى الشرط انتفى الطبعي بجميع أفراده ، يعني لا يوجد وجوب إكرام من ناحية كونه هاشمياً أو من ناحية كونه مريضاً وغير ذلك ، ولكن لا يمكننا اثبات هذا لأن فقرة ( فأكرمه ) في جملة ( إذا جاءك زيد فأكرمه ) لا يستفاد منها أنَّ جميع أفراد الاكرام التي هي عشرة مثلاً معلقة على الشرط ، فالطبيعي بهذا المعنى - أي بمعنى الموجود في جميع أفراده - لو علّق على الشرط يثبت المفهوم جزماً ولكن لا يستفاد ذلك من فقرة ( فأكرمه ).

أما المعنى الثاني:- هو أن نلحظ الطبيعي ضمن فردٍ واحدٍ على الأقل ، باعتبار أن الطبيعي يتحقّق بفردٍ واحد فنلاحظه ضمن فردٍ واحد ، وحينئذٍ هذا يمكن اثباته ، إذ لا إشكال في أنَّ فرداً واحداً من وجوب الاكرام قد علّق على المجيء ، ولكن هذا لا ينفع لإثبات المفهوم ، وإنما المفهوم هو انتفاء جميع أفراد المفهوم لا انتفاء فردٍ واحدٍ ، فصحيح أنَّ هذا يمكن اثباته ولكنه ليس بنافع ، إنما النافع هو الأوّل ولكن لا يمكن اثباته.

ثم قال:- إذن كيف نتغلب على هذا الاشكال ؟

أجاب وقال:- يمكن أن يتغلّب عليه بأن نختار المعنى الثاني للطبيعي ، فالمعلّق – الجزاء – هو فرد واحد من وجوب الاكرام ولكن ليس الفرد هو وجوب الاكرام المقيّد بما هو مقيّد بالمجيء وإنما هذا الفرد بما هو وجوبٌ للإكرام لا بما هو مقيّد بالمجيء ، فهذا وجوب الاكرام بما هو وجوبٌ عُلِّق على المجيء ، فإذا قلنا هكذا فسوف يلزم ثبوت المفهوم ، إذ لو لم ينتفِ جميع أفراد وجوب الاكرام بل انتفى فرداً واحداً كان ذلك خلف فرض أنَّ المعلّق هو الفرد بما أنه وجوب ، فمادام المعلّق هو الفرد بما أنه وجوب فسوف يلزم ثبوت المفهوم.