38/06/07


تحمیل

آیةالله الشيخ محمداسحاق الفیاض

بحث الأصول

38/06/07

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: أصالة البراءة

وأما القسم الثاني – وهو الأصول العملية العقلية – فهو على صنفين:

الصنف الأول: قاعدة الاشتغال والاحتياط وقد يعبر عنها بقاعدة حق الطاعة.

الصنف الثاني: قاعدة قبح العقاب بلا بيان.

أما الصنف الأول: فلا شبهة في أن الحاكم به هو العقل العملي واما صغرياته في الخارج فتتمثل في ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: أطراف العلم الإجمالي للحكم الالزامي فإن المعلوم بالإجمال إذا كان حكما إلزاميا كالوجوب او الحرمة أو ما شاكلهما فهو منجز ولا يمكن الرجوع في أطرافه إلى الأصول العملية المؤمنة والمرخصة كأصالة البراءة الشرعية واستصحاب عدم التكليف او استصحاب الحكم الترخيصي لأن جريان الأصول العملية المؤمنة في تمام أطراف العلم الإجمالي يستلزم المخالفة القطعية العملية وهي غير جائزة ولا شبهة في استحقاق العقوبة عليها وأما جريانها في بعضها المعين دون الآخر فهو ترجيح من غير مرجح لأن نسبة الأصول العملية إلى جميع الأطراف نسبة واحدة فترجيحها بالنسبة إلى بعض دون بعض ترجيح من غير مرجح وهو لا يمكن. واما جريانها في بعضها غير المعين فهو لا يمكن لأنه إن أريد منه البعض غير المعين المفهومي فلا واقع موضوعي له في الخارج وليس هو حينذاك طرفا للعلم الإجمالي بل هو مجرد مفهوم في عالم الذهن ولا يتعدى منه الى الخارج وإن أريد منه البعض غير المعين المصداقي فهو من الفرد المردد في الخارج وهو غير معقول، ولأجل ذلك لا تشمل أدلة الأصول العملية المؤمنة أطراف العلم الإجمالي فلا مناص من التمسك بقاعدة الاشتغال والاحتياط في أطراف العلم الإجمالي.

المسألة الثانية: موارد الشك في الامتثال بعد اليقين بثبوت التكليف كما إذا شك في اثناء الوقت أنه صلى او لم يصلي فلا بد له ان يصلي لأن الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني وهو يعلم بان ذمته مشغولة بالصلاة ويشك في فراغ ذمته وعليه تحصيل اليقين بفراغ الذمة.

المسألة الثالثة: الشبهات الحكمية قبل الفحص لأن احتمال التكليف في الشبهات الحكمية قبل الفحص منجز ولا تجري فيها الأصول المؤمنة فلا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال والاحتياط.

ولا فرق في الرجوع إلى قاعدة الاشتغال في هذه المسائل الثلاث في أن تكون مولوية الحكم المشكوك ذاتية أو عرضية فعلى كلا التقديرين لا بد من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال فيها.

واما الصنف الثاني: وهو قاعدة قبح العقاب بلا بيان فإن الحاكم فيها أيضا هو العقل العملي ولكن موردها الشك في ثبوت التكليف مشروطا بشروط:

الشرط الأول: أن يكون الشك في التكليف شكا بدويا في مقابل الشك المقرون بالعلم الإجمالي.

الشرط الثاني: ان تكون الشبهة بعد الفحص لأن المجتهد إذا قام بالفحص في الموارد التي يحتمل وجود الدليل فيها ولم يجده فلا بد ان يكون المرجع هو قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا قاعدة الاشتغال والاحتياط.

الشرط الثالث: أن تكون مولويته عرضية لا ذاتية.

فإذا توفرت هذه الشروط الثلاثة في مورد كان من موارد قاعدة قبح العقاب بلا بيان فالعقل يحكم بها لأن العقاب بلا بيان في هذه الموارد ظلم فهذه القاعدة قاعدة ارتكازية وثابتة في أعماق نفوس البشر وموافقة للجبلة والفطرة.

وأما إذا كانت مولوية هذا الحكم المشكوك ذاتية كمولوية الله تعالى وتقدس فهل المرجع قاعدة قبح العقاب بلا بيان أو المرجع قاعدة الاشتغال وحق الطاعة؟

فيه قولان:

القول الأول: وهو المعروف والمشهور بين الأصوليين من أن المرجع فيه قاعدة قبح العقاب بلا بيان وعلى هذا القول لا يفرق بين ان تكون مولوية الحكم المشكوك ذاتية أم عرضية.

القول الثاني: وقد اختاره بعض المحققين[1] (قده) على ما في تقرير بحثه من ان المرجع فيه هو قاعدة الاشتغال وحق الطاعة وسوف يأتي الكلام في بيان كلا القولين وما هو الحق منهما.

ثم إن الاختلاف بين قاعدة قبح العقاب بلا بيان وبين قاعدة الاشتغال والاحتياط ليس بمعنى التعارض بينهما لأنه لا يتصور التعارض بين الأحكام العقلية القطعية والمفروض ان الحكم العقلي في كلتا القاعدتين قطعي فالتعارض بين الحكمين القطعيين غير متصور بل لا فرق في عدم تصور التعارض بين الحكمين القطعيين بين أن يكون الحكمان شرعيين او عقليين فإن معنى التعارض ان كلا منهما يمنع عن حكم الآخر وهو خلف فرض انه قطعي فإذا كان قطعيا فلا يتصور ان يكون له مانع ومعارض وإنما الاختلاف بين القاعدتين من جهة الموضوع والحكم.

أما من جهة الموضوع فمورد قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو الحكم غير المنجز واما مورد قاعدة الاشتغال والاحتياط فهو الحكم المنجز فلا يجتمع مورد احدهما مع مورد الأخرى بل مورد كل منهما متباين مع مورد الأخرى.

وأما من جهة الحكم فإن العقل يدرك أن عقاب المكلف بلا بيان ظلم وقبيح واما في قاعدة الاشتغال وقاعدة حق الطاعة فالعقل يدرك أن عقاب المكلف على مخالفته حسن لا انه قبيح فهما مختلفان حكما أيضا.

فقاعدة قبح العقاب مختلفة موردا وحكما عن قاعدة الاشتغال. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى الفرق بين الأصول العملية الشرعية وبين الأصول العملية العقلية في نقطتين:

النقطة الأولى: أن سعة دائرة الأصول العملية الشرعية وضيقها كما وكيفا تتبع سعة دائرة ادلتها فإن أدلة الأصول العملية الشرعية إذا كانت دائرتها متسعة تشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معا فبطبيعة الحال تكون الأصول العملية الشرعية جارية في الشبهات الحكمية والموضوعية واما إذا كانت دائرة ادلتها مضيقة ومختصة بالشبهات الموضوعية فبطبيعة الحال لا تجري الأصول العملية الشرعية إلا في الشبهات الموضوعية ولا تجري في الشبهات الحكمية فإذا قيل أن دائرة أدلة الاستصحاب متسعة فلا محالة يتبع الاستصحاب دليله في السعة والضيق كما وكيفا فيجري في الشبهات الحكمية والموضوعية معا واما لو قيل بان دائرة دليل الاستصحاب مضيقة ومختصة بالشبهات الموضوعية ولا يعم الشبهات الحكمية فالاستصحاب لا يجري إلا في الشبهات الموضوعية ولا يجري في الشبهات الحكمية.

وهذا بخلاف الأصول العملية العقلية فإنه لا يمكن تحديد دائرة الأصول العملية العقلية بشروط معينة سعة وضيقا وكما وكيفا وبحدود محدودة كذلك لأن هذه الأصول تختلف باختلاف آراء الناس وظروفه وتقاليدهم وبيئتهم إذ الشيء قد يكون قبيحا في مجتمع ولا يكون قبيحا في مجتمع آخر ويكون حسنا في بلد بحسب تقاليده ولا يكون كذلك في بلد آخر ومن هنا لا بد من ملاحظة الأصول العملية العقلية في كل مورد وفي كل مجتمع في نفسها لأن كل فرد يعمل على طبق ما أدركه عقله العملي فإن أدرك عقله قبح شيء فإنه يتركه وإن أدرك حسن شيء قام بفعله.

فكل فرد وشخص يعمل على طبق ما أدركه عقله العملي ومن الواضح ان العقل العملي يختلف باختلاف الاشخاص والظروف والمجتمع والتقاليد وما شاكل ذلك.

ومن هنا يرى جماعة جريان قاعدة قبح العقاب بلا بيان بلا فرق بين أن تكون مولوية الحكم المشكوك ذاتية أو عرضية بينما يرى آخرون جريان قاعدة حق الطاعة فيه بلا فرق بين المولوية الذاتية والمولوية العرضية. فمن هذه الناحية تختلف الأصول العملية العقلية عن الأصول العملية الشرعية فإن الثانية تتبع دليلها سعة وضيقا كما وكيفا واما الأولى فتختلف باختلاف آراء الناس وأفكارهم وظروفهم وتقاليدهم وبيئتهم وبلدانهم.