38/07/20


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

38/07/20

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- المخصص المجمل مفهوماً أو مصداقاً – مبحث العام والخاص.

وذكر السيد الشهيد(قده) ثلاثة شروط لتطبيق هذه الفكرة ، يعني أنّ الدليل الأوّل الذي يقول ( كلّ ماءٍ مطهِّر ) إنما يصح التمسّك به بشروط ثلاثة:-

الشرط الأوّل:- أن لا يتصدّى المولى بنفسه لتخصيص العموم ، أما إذا تصدّى من خلال الدليل المتصل وقال ( كلّ ماءٍ غير الماء الفلاني مطهِّر ) فهذا معناه أنَّ المولى لم يتصدَّ لإحراز أنَّ جميع المياه طاهرة ، يعني بأن قال هكذا ( كل ماءٍ غير النجس فهو مطهِّر ) فهو قيّد بكلمة ( غير النجس ) فحينئذٍ لا يمكن التمسّك به مادام قد قيّده بـ( غير النجس ) لإحراز أنَّ هذا الماء - أي الذي كان متغيّراً ثم زال تغيره بنفسه - لاحراز أنه مطهَّر ، كلا لأنه قال ( غير النجس ) فالنجس لم يتصدَّ لاحراز حاله وهذا الماء نحتمل أنه نجس فلا ظهور مولوي لإحراز حاله ، فهو قد أحرز أنَّ الماء غير النجس مطهِّر أما النجس فلا وهذا الماء نحتمل أنه نجس فإنَّ الشبهة هنا حكمية فنحن نحتمل أنه نجس فلا ظهور للعام في إحراز المولى أنَّ هذا الماء الذي زال تغيره هو مطهِّر.

ثم قال:- إن قلت:- إنَّ هذا لا يختص بما إذا كان المخصص متصلاً بل يأتي حتى إذا كان منفصلاً ، يعني قال أوّلاً ( كل ماء مطهِّر ) ثم بنحو الفصل قال ( الماء النجس لا يطهِّر ) فأيضاً هذا تقييد من قبل المولى لمطهِّرية الماء بحالة كونه نجساً ولا فرق بين أن يكون هذا التقييد بنحو الاتصال أو يكون بنحو الانفصال فبالتالي نفهم أنَّ المولى يريد أن يقول أنا تصدّيت لإثبات المطهِّرية في دائرة غير النجس فقط ، وحيث نحتمل أنَّ هذا نحس فلا ظهور في أنه أحرز كونه مطهِّراً من دون فرقٍ بين أن يكون المخصص متصلاً أو يكون منفصلاً.

قلت:- إنَّ هذا الاشكال وجيه فيما إذا كان ذلك المنفصل قد ذكر بلسان التخصيص ، ولكنه أحياناً قد يقدَّم الثاني على الأوّل ليس من باب التخصيص كما إذا فرض أنَّ النسبة بين الدليلين كانت هي العموم من وجه وقدّمنا الثاني على الأوّل من باب أنه أظهر ، فهنا قُدِّم الثاني على الأوّل لكن لا من باب أنه مخصِّص حتى يقال إنَّ المولى هو قد خصص جَعْلَه فلا ظهور لحاله في أنه أحرز أنَّ كل ماء هو مطهِّر فهنا لا يأتي هذا الكلام ، إنما يأتي هذا الكلام فيما إذا فرض أنَّ الدليل الثاني جاء بلسان التخصيص.

إذن السيد الشهيد(قده) يسلّم بأنه لا فرق بين المخصص المتصل والمنفصل لكن شريطة أن يأتي المنفصل بلسان التخصيص ، أما إذا لم يأتِ بلسان التخصيص فحينئذٍ سيبقى الظهور في الدليل الأوّل في أنَّ المولى قد تصدّى لاحراز حال جميع المياه وأنها مطهِّرة مادام الثاني لم يقدَّم من باب التخصيص.

الشرط الثاني:- أن لا نحرز من الخارج أن فرداً من أفراد المياه هو ليس بمطهِّر ، أما إذا احرزنا من الخارج أنَّ واحداً من المياه ليس بمطهِّرٍ فينتفي الظهور في الدليل الأوّل في أنَّ المولى تصدّى لاحراز أنَّ كل ماء مطهِّر ، إذ كيف تصدّى لذلك والحال أنه ثبت من الخارج أنَّ أحد المياه ليس كذلك ؟!! فهذه المعرفة الخارجية تكون منبهاً على كون المولى لم يتصدَّ لإحراز مطهِّرية كل ماء.

وهذا الشرط قد تراجع عنه في بعض كلماته.

الشرط الثالث:- أن يكون الدليل الأوّل ظاهراً من باب العموم لا من باب الاطلاق ، مثل ( كلّ ماءٍ مطهِّر ) فإذا قالت الراية هكذا فهذا يكون فيه ظهور في أنه أحرز بأنَّ كل فرد من أفراد المياه هو مطهِّر ، أما إذا قال ( الماء مطهِّر ) وقلنا إنَّ الألف واللام ليست بمعنى ( كل ) بل هي جنسية فهذا اطلاقٌ فلا ظهور في حق المولى في أنه أحرز أنَّ كل ماء مطهِِّر.

والنكتة الفارقة:- هو أنه في باب العموم يكون النظر إلى الأفراد ، بينما في باب الاطلاق يكون النظر إلى الطبيعة بما هي طبيعة ، ومادام النظر في الاطلاق إلى الطبيعة فلا يلزم أنه أحرز حال كل فردٍ فرد ، بخلافه في العام فإنه ناظر إلى كل فردٍ فرد فينعقد ظهور في أنه أحرز أنَّ كل فردٍ هو مطهِّر ، فإذن النتيجة هي أنه لابد أن يكون الدليل الأوّل ظاهراً بنحو العموم وليس ظاهراً بنحو الاطلاق لما أشرنا إليه.

ثم قال:- ولنذكر مثالاً واقعياً لتطبيق هذه الفكرة بشروطها الثلاثة - وأنا احتمل أنَّ هذا المثال الواقعي هو الذي صار منشأً إلى أن يخطر في ذهن السيد الشهيد(قده) هذا التفصيل - وهو أنه يوجد عندنا في مسألة بول الحيوانات وهي أنه هل بوله طاهر أو ليس بطاهر ؟ توجد عندنا طائفتان من الروايات واحدة تحكم بنجاسة البول بنحوٍ كلّي والثانية تحكم بأنه إذا كان مما يؤكل لحمه فهو طاهر.

أما ما دل على الأوّل:- فهو صحيحة ابن أبي يعفور:- ( سألت أبا عبد الله عليه السلام عن البول يصيب الثوب ، قال:- اغسله مرتين )[1] وهذا الحديث دل على أنَّ مطلق البول نجس.

ولا يشكل مشكل ويقول:- إنَّ قوله ( يصيب الثوب ) يفهم منه أنه بول الإنسان لأنه هو الذي يصيب الثوب عادة.

ولكن نقول:- عليك أن تغضّ النظر عن هذا ، فلماذا يكون هو بول الإنسان فقط ؟! بل قد يصيبه بول الحيوان أيضاً خصوصاً في الزمان السابق ، فقولك بأنه منصرف إلى بول الإنسان دعه الآن.

وأما ما دلّ على الثاني:- فهي موثقة عمار عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه )[2] وهو كما تخرج منه العذرة كذلك يخرج منه البول.

فإذا اتضح هذا نقول:- لو كان لدينا حيوان نشك في أنه حلال اللحم أو حرام ، فتارةً يكون الشك بنحو الشبهة المصداقية كما لو كنّا نسير في الليل وقد مرّ بنا حيوان وبال فأصابنا بوله ولا نعلم أنه شاة أو كلب فهذه شبهة مصداقية ، فهي في حدّ نفسها شبهة مصداقية وبلحاظ الرواية الأولى التي قالت ( اغسل ثوبك ... ) هي شبهة مصداقية أيضاً لأنَّ المقصود من البول يعني بول غير مأكول اللحم وهنا شبهة مصداقية وهو أنَّ هذا الحيوان مأكول اللحم أو غير مأكول اللحم ، فهي في نفسها مصداقية وبالقياس إلى الدليل مصداقية أيضاً ، ومرة أخرى نفترض أننا نشك في أنَّ لحم حيوان ما حرام أو حلال مثل الأرنب فهنا الشبهة من حيث نفسها حكمية ومن حيث الدليل مصداقية ، وفي مثل هذه الحالة يمكن أن نقول بجواز التمسّك بعموم الرواية الأولى الدالة على أنَّ كل بول نجس ، فظاهرٌ أنَّ المولى أحرز نجاسة كلّ بول الذي من شأنه أن يتصدى للحكم بنجاسته ، والذي من شأن المولى أن يتصدّى لبيان حكمه هو في الشبهات الحكمية يعني الحيوانات الكلّية أما الشبهات الخارجية المصداقية وأنَّ هذا بول شاة أو بول كلب كما في المثال الأوّل فهذا ليس من شأنه أن يتصدّى لبيان حكمه ، أما إذا كان الشك في مثل الأرنب فمن شأنه ذلك ، فمادام قال ( اغسل ثوبك .. ) فهذا نفهم من أنه ظاهر في أنه تصدّى لاحراز حال كلّ بولٍ وأنه نجس والمفروض أن الشبهة في بول الأرنب حكمية من شأن المولى احراز حالها فيثبت حينئذٍ أنَّ هذا البول نجس . هذه ثمرة لهذا التفصيل.

إذن على رأي المشهور الذين لا يفصِّلون هكذا لا يتمسّكون بعموم الدليل الأوّل لأنَّ هذه شبهة مصداقية فلا يجوز التمسّك بالعام فيها فيذهبون إلى الأصول العملية ولعلّ الأصول العملية تقتضي النجاسة ، بينما على رأي السيد الشهيد(قده) يتمسّك بعموم الدليل الأوّل فيثبت بذلك الطهارة ، فالنتيجة مختلفة جداً.

ولكن هذا المثال الواقعي الذي ذكره ليس بموجود:- إذ الدليل الأوّل ليس من باب العموم وإنما هو من باب الاطلاق ، فلا توجد فيه كلمة ( كل ) مثلاً حيث أنَّ الوارد في الرواية هكذا ( سألت أبا عبد الله عن البول يصيب الثوب، قال:- اغسله مرتين ) فلا توجد أداة عموم ، نعم الرواية الثانية يوجد فيها عموم حيث قالت ( كل ما ... ) أما الأولى التي نريد أن نتمسّك بها لا يوجد فيها عموم ، فهذ المثال لا يمكن التمسّك به من هذه الناحية.

إذن السيد الشهيد(قده) يوافق المشهور أيضاً ، فهو لا يتمسك بعموم الدليل الأوّل لأنه ليس فيه عموماً بل فيه اطلاق ، فهذا المثال سوف لا ينفعنا[3] .


[3] البحوث الفقهية، السيد الشهيد، ج3، ص48.