39/03/21


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/03/21

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث التجري - مبحث القطع والأمارات والأصول العملية.

الوجه الثالث:- ما قد يخطر إلى الذهن أو يقال[1] : إنَّ الفعل المتجرّى به قد تكون فيه مصلحة وفائدة مهمة ، وبناءً عليه سوف يصير محبوباً بسبب تلك الفائدة ، فلو فرضنا أنَّ الفعل المتجرّى به قبيح يلزم اجتماع الضدّين - يعني القبح مع كونه محبوباً - وهذا غير مكن ، ومثاله ما لو رأى عبد المولى شخصاً في الماء على وشك الغرق واعتقد أنه عدوّ المولى فقال دعني أنجيه حتى يقتل المولى وأتخلص منه فأنقذه وهو قاطعٌ بأنه عدوّ المولى وهو قام بإنقاذه بهذا الهدف ولكن بعد أن أنقذه تبيّن أنه ابن المولى وليس عدوّه فهذا الفعل محبوب وفيه فائدة والمولى حينما يسمع بذلك فسوف يمدح العبد ويقول له أنت قد أنقذت ولدي ، فهذا الفعل محبوب فلو كان الفعل المتجرّى به قبيحاً يلزم اجتماع القبح مع المحبوبية ، وحيث لا يمكن هذا لأنه اجتماع للضدّين فإذن الفعل المتجرّى به لا يكون قبيحتاً وإلا يلزم هذا المحذور.

ويرد عليه:-

أوّلاً:- صحيح أنه فيه مصلحة ولعلّه توجد فيه محبوبية أيضاً ولكن لا منافاة بين المحبوبية وبين كونه قبيحاً ، إنما المنافاة بين الحسن والقبح فإنَّ هذان هنا عنوانان متنافيان فإنَّ الحسن والقبح لا يمكن اجتماعهما ، أما في هذا المورد فقد اجتمع القبح مع المصلحة والمحبوبية وليس مع الحسن وهذا لا بأس به ، إنما الذي بينهما تضادّ هما القبح والحسن لا القبح ووجود المصلحة أو القبح مع وجود المحبوبية فإنَّ هذا لا مانع منه ولا ضدّية بينهما[2] ، ففي مقامنا لم يجتمع الحسن مع القبح وإنما اجتمعت المصلحة مع القبح أو المحبوبية والضدّية ليست بين القبح والمحبوبية وإنما هي بين القبح والحسن.

ثانياً:- إنه لا مانع حتى من اجتماع الحسن والقبح مادامت الجهة مختلفة ، واستحالة الجمع تختص بما إذا كانت الجهة واحدة أما إذا تعدّدت الجهة فلا محذور في اجتماعهما ، فهذا الفعل المتجرّى به من زاوية كونه تجرؤ على المولى وتمرّد عليه هو قبيح ومن زاوية ثانية هو أنه حصلت به نجاة ابن المولى يكون حسناً ، فالحسن من جهة والقبح من جهة ثانية واجتماع القبح والحسن من جهتين لا مانع منه ، وهذا ما قرأناه في المنطق فإنَّ من شرائط التناقض وحدة الجهة ، وهنا لا توجد وحدة في الجهة فلا تناقض ولا ضدّية ، وهذا شيء ظريف ينبغي الالتفات إليه.

ثالثاً:- أنت قد افترضت في البداية أنَّ هذا الفعل فيه منفعة جزماً لأنه فيه محبوبية جزماً ولأنهّ فيه مصلحة ومن ذلك انطلقت إلى نفي القبح فقلت إذن لا يمكن أن يكون قبيحاً ، فإذن في البداية أنت افترضت أنه محبوب جزماً ومادام محبوباً فإذن لا يكون قبيحاً من باب التجرّي .

ولكن لم لا تعكس:- فلنفترض من البداية أنَّ هذا الفعل المتجرّى به نحن ندّعي أنه قبيح ، فإذا كان قبيحاً نقول: إنه رغم وجود المصلحة فيه لا يصير محبوباً للتضاد بينهما ، فننفي المحبوبية بعد التسليم بالقبح لا كما فعلت.

 

هذا كلّه في الدليل الثالث على عدم قبح التجرّي مع مناقشته بوجوه ثلاثة ، وبهذا ننهي حديثنا عن الرأي الأوّل الذي يقول إنَّ الفعل المتجرّى به ليس قبيحاً وإنما يكشف عن سوء السيرة وقد استدل له بثلاثة وجوه وقد اتضح عدم تماميتها.

الرأي الثاني:- ما صار إليه الشيخ النائيني(قده) ، وهو أنَّ الفعل المتجرّى به ليس بقبيح بالقبح الفعلي وإنما هو قبيح بالقبح الفاعلي ، والذي يوجب استحقاق العقوبة هو القبح الفعلي دون القبح الفاعلي ، وحيث إنَّ القبح الفعلي ليس موجوداً فلا استحقاق للعقوبة على الفعل المتجرّى به.

ولكن نقول:- ماذا يقصد من عبارة ( الفعل المتجرّى به ليس قبيحاً بالقبح الفعيل وإنما هو قبيح بالقبح الفاعلي ) ؟

اختلف التقريران في ذلك:-

ففي أجود التقريرات:- ذكر أنَّ الفعل المتجرّى به يكشف عن سوء السريرة ولا استحقاق للعقوبة مادام فقط يوجد سوء سريرة ، قال:- ( هو مجرّد كشف الفعل عن سوء السريرة وشقاوة الفاعل .... لا موجباً لكون التجري في حكم المعصية في استحقاق العقاب )[3] ، فاقتصر على هذا وما يحوم حوله.

ونحن نقول:- إذا كان هذا مقصوده فهذا هو الرأي الأوّل الذي ذهب إليه العلمان حيث قالا إن الفعل المتجرّى به يكشف عن سوء السريرة وخبث الباطن ، فهذا راجع إلى ذاك وليس شيئاً جديداً.

وأما في فوائد الأصول[4] فقال:- إنَّ العفل المتجرّى به لو نظرنا إليه بما هو هو مثل مدّ يده على الاناء باعتقاد أنه خمر فتبيّن أنه ماء فهذا في واقعه شرب للماء وهو فعلٌ ليس بقبيح فإنه شرب للماء ، نعم من حيث أنه صدر من شخصٍ يعتقد أنه خمر وحرام فحيثية الصدور تكون قبيحة لا نفس الفعل بما هو فعل ، فالقبح إذن فاعلي - أي لحيثية الصدور - لا لنفس الفعل فإن نفس الفعل ليس بقبيح لأنه ليس إلا عبارة عن شرب الماء .

فإذن إذا أردنا أن ننسب إلى الشيخ النائيني(قده) فكرة القبح الفاعلي دون الفعلي فلابد من المصير إلى فوائد الأصول.

وفيه:- إنَّ ما ذكره لا يختصّ بالفعل المتجرّى به فقط بل جميع الأفعال هي كذلك ، فمثلاً شرب الخمر فأنا أعلم أنَّ هذا شرب للخمر ، فأنا قاطع بأنه خمر وواقعاً هو خمر فهذا الشرب هو للخمر ، فإذا فرض أنه صدر من شخصٍ مضطر إلى تناوله ففي مثل هذه الحالة هذا لا يكون قبيحاً على رأيه ، وإذا صدر من شخصٍ غير مضطرٍ فسوف يكون قبيحاً ، وهكذا الكذب ، فحيثيات الصدور هي المؤثرة وإلا فبقطع النظر عن حيثيات الصدور لا تتمكن أن تحكم بأنه حسن أو قبيح ، فالكذب إذا صدر من شخصٍ غير مضطر إليه وليس بمحتاج إليه يكون قبيحاً ، وإذا فرض أنه صدر من شخص مضطر إليه فلا يكون قبيحاً ، فحيثيات الصدور هي المؤثرة في جميع الأفعال وليس في باب الفعل المتجرّى به فقط ، نعم نستثني من لك مورداً أو موردين وهما العدل والظلم ، فالعدل متى ما صدق أنه عدل فالحيثيات غير مؤثرة مادام هو عدل ، والظلم مادام ظلماً فالحيثيات غير مؤثر فهو قبيح ، أما سائر الأمور فهي تتأثر دائماً بحيثيات الصدور.

وعليه نقول:- إنَّ حيثيات الصدور مادامت قبيحة فهي توجب أن يتّصف الفعل بالقبح ، فالكذب مادام قد صدر لا لضرورة - فحيثية الصدور سوف تصير لا لضرورة – فسوف يصير قبيحاً ، فهو يضفي على الفعل ويمنح نفس الفعل القبح فيصير قبيحاً ، وهكذا في سائر الأمور ، فحيثيات الصدور هي التي تصير سبباً لاتصاف الفعل بالحسن والقبح لا أنَّ الحسن والقبح يبقى صامداً وجامداً على حيثية الصدور من دون أن يتعدّى إلى نفس الفعل ، وإلا لازم كلامه أنه ليس الفعل المتجرّى به فقط ليس بقبيح بل يلزم أن تكون جميع الأفعال ليست بقبيحة ولا حسنة إلا العدل والظلم وهذا لا يلتزم به هو.

ومن هنا نستنتج أنَّ حيثية الصدور مادامت قبيحة فهي تسبّب قبح الفعل ، ومادامت حسنة فهي تسبب حسن الفعل.


[1] وأنا لا أعرف نسبته إلى أحد.
[2] ولا نعترف بأن هذا العمل حسن ولا أحد يقول بأنه حسن لأنَّ هذه المصلح اتفاقية، فصحيح هو في مصلحة ولكن ليس كل ما فيه مصلحة يكون حسناً بل لعل في القبيح مصلحة مثل ما يأتي شخص ويسب شخصاً آخر فسب فلان ربما يكون منجياً لي، فنفس السبّ قبيح ولكن هذا القبيح كان منجياً لي لا أنه يصير حسناً بل يبقى قبيحاً.
[3] أجود التقريرات، ج3، ص55، ط جديدة، ج2، ص30، ط قديمة.