39/06/28


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/06/28

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث الظن.

إن قلت:- إذا كان المدار على اختلاف الزمان ولا ينفع اختلاف الرتبة مادام الزمان واحداً فكيف ذكرنا في باب النقيضين أنه لا بأس بثبوتهما مادامت الرتبة مختلفة ومثلنا بالعّلة والمعلول ، فإنَّ المعلول متأخر رتبة عن العلة لأنه معلول لها ، لكن عدم المعلول ليس ناتجاً من العلة وليس معلولاً لها فليست رتبته متأخرة عن رتبة العلة بل هو ثابت في رتبة العلة ، ثم قلنا وفي نفس الوقت نقول إنَّ المعلول ثابت في رتبته ، فإذن لزم ثبوت عدم المعلول في رتبة العلة ، وثبت أيضاً وجود المعلول في رتبته التي هي في علم الله عز وجل ، فكلاهما ثابت - وجود المعلول وعدم المعلول - ولكن مع اختلاف الرتبة ، فعدم المعلول ثابت في رتبة العلة ووجود المعلول ثابت في رتبته الواقعية في علم الله عز وجل ، فكلاهما ثابت مع أنهما نقيضان ، فإذا أمكن في النقيضين ثبوتهما معاً مع اختلاف الرتبة فالأمر يصير أوضح في الضدين فإنه مع اختلاف الرتبة يمكن ثبوتهما ، فعلى هذا الأساس كيف تجيب عن هذه الشبهة وهي أنَّ النقيضان ثابتان مادامت رتبتهما مختلفة ، فعدم المعلول ثابت في رتبة العلة والمعلول ثابت في رتبته الواقعية في علم الله عزّ وجلّ ؟

قلت:- ليس المقصود من ثبوت عدم المعلول ووجود المعلول أنهما ثابتان في زمان واحد مادامت الرتبة مختلفة فإنَّ هذا كلام لا يمكن أن يتفوّه به عاقل ، فإذن المقصود من ثبوتهما ليس في الزمان فإن هذه مغالطة ، وإنما المقصود هو ثبوتهما في رتبتهما وإلا فالثبوت الخارجي وهذه الصياغة التي ذكرناها ليست إلا مغالطة وليست بصحيحة ، فلا نسلّم أنَّ النقيضين يمكن اجتماعهما في زمان واحد مادامت الرتبة مختلفة ، بل نقول بضرسٍ قاطع وبنحو البداهة الواضحة أنَّ النقيضين لا يمكن ثبوتهما في زنمان واحد مهما اختلفت الرتبة بينهما ، ولذلك يعدّون في المنطق ثمان وحدات في استحالة النقيضين ووحدة الرتبة ليست منها ، فعلى هذا الأساس مادام الزمان واحداً يستحيل الاجتماع ولو كانت الرتبة مختلفة ، فما ذكرناها كان مغالطة.

والخلاصة في ردّ هذا الوجه الثاني:- هي أنه لا يمكن اجتماع النقيضين أو الضدين وإن اختلفت الرتبة بعدما كان الزمان واحداً ، وحيث إنَّ الزمان واحداً في الحكم الظاهري والواقعي فلا يمكن اجتماعهما رغم اختلاف الرتبة.

الجواب الثالث عن شبهة ابن قبة:- ما أفاده الشيخ النائيني(قده)[1] وقد ذكر أنه هو مقصود استاذه المجدد الشيرازي ، وحاصله:- هو أنَّ الحكم الظاهري لا ينافي الحكم الواقعي ، وكيف ينافيه وقد أخذ في موضوعه الشك في الحكم الواقعي ؟!! ، فمتى ما شككت في الحكم الواقعي فآنذاك يثبت الحكم الظاهري ، فهو متفرّع على الشك في الحكم الواقعي فيكف ينافيه وهو متولد من الشك فيه فإنَّ المتفرع على شيءٍ لا يمكن أن ينافي ذلك الشيء ، كالولد متفرّع على والده فلا يمكن أن نافيه ، فهنا الأمر كذلك ، فإذن لا مشكلة في البين من هذه الناحية.

فإذا كان المقصود هو المطاردة والمنافاة ، يعني بحيث أنَّ الحكم الظاهري يطرد الحكم الواقعي فهنا الحكم الظاهري لا يطارد الحكم الواقعي فإنه متفرّع على الشك فيه فكيف ينافيه ويطرده ؟!! ، وهذا قد تقدم نظيره أو يذكر نظيره في باب المزاحمة بين ( صلّ ) و ( أزل ) حيث يقال هما حكمان يجتمعان - أي أمر بالضدّين - ولكن الأمر بالصلاة متفرّع على عصيان الأمر بالإزالة ويقول متى ما عصيت أزل فصلّ ، فإذن صل لا ينافي أزل ، يعني هو لا يقول لا تزل النجاسة بل يقول متى ما صار بناءك على أن تعصي الأمر بالإزالة فصلِّ ، فلا توجد منافاة بينهما ، وأنَّ صلِّ لا يطارد أزل ، فالمطاردة ليست موجودة وفي مقامنا لا نريد أن ندّعي المنافاة والمطاردة بهذا الشكل حتى يقال كما قيل في أزل وصلّ ، وإنما يقال هنا إنَّ الحكم الظاهري لا يعدم الحكم الواقعي ولا ينفيه ولا يقول لا تمتثله ولا يقول للحكم الواقعي اذهب ، وإنما يقول متى ما شككت في الحكم الواقعي فأنا ثابت ، فالمسألة ليست مسألة مطاردة ومنافاة حتى تحلّ بما ذكره الشيخ النائيني من أنَّ الحكم الظاهري متفرّع على الشك في الحكم الواقعي فلا ينافيه فإنَّ هذا الكلام لا يأتي هنا ، لأنَّ مقصودنا ليس هو المنافاة والمطاردة ، بل مقصودنا هو أنه حينما يحصل الشك ثبت حكمان أو لا ؟ نعم ثبت حكمان ، فبعد حصول الشك في الحكم الواقعي لزم ثبوت حكمين إما متماثلان أو متضادان ، فإنَّ المحذور هو هذا ، وليس المحذور هو المطاردة والمنافاة حتى يقال إنَّ الحكم الظاهري متفرّع على الحكم الواقعي فلا ينافيه ،كلا فإن المشكلة ليست هذه حتى يسيطر عليها بدعوى عدم المنافاة بينهما بسبب أخذ الشك في موضوع الحكم الظاهري ، بل المشكلة هي أنه بعدما تحقق الشك في الحكم الواقعي ثبت إذن حكمان واقعي وظاهري فإن كانا متماثلين يثبت اجتماع المتماثلين وإن كانا متضادين ثبت اجتماع المتضادين ، فالمشكلة هي من هذه الناحية ولابد من علاجها ، وما ذكره النائيني(قده) هو ينفع فيما لو قلنا أن الحكم الظاهري يطارد وينافي ويزيل الحكم الواقعي ، ولكن المشكلة لست هذه وإنما هي أنه بعد أن تحقق الشك في الحكم الواقعي الآن ثبت حكمان فتحصل آنذاك المشكلة

[1] أجود التقريرات، الخوئي، ج3، ص136، ط جديدة، ج2، ص79، ط قديمة.