1439/10/16


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

39/10/16

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع:- مبحث حجية الظواهر.

وتوجد رواية في هذا المجال:- وهي صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه السلام:- ( في الرجل إذا أدرك الامام وهو راكع كبّر الرجل وهو مقيم صلبه ثم ركع قبل أن يرفع الامام رأسه فقد ادرك الركعة )[1] ، فالمهم أنك تدرك الامام في الركوع قبل أن يرفع رأسه .

وهذه الرواية قد ذكر بلحاظها العلمان النائيني(قده)[2] وهكذا السيد الخوئي(قده)[3] :- أنه لا يجوز اجراء استصحاب بقاء الامام راكعاً فإنَّ هذا لا ينفع ، لأنَّ ادراك الجماعة يتحقق فيما إذا تحققت القبلية ، يعني أنَّ ركوع المأموم تحقق قبل أن يرفع الامام رأسه من الركوع ، فعنوان القبلية لابد من احرازه ، وباستصحاب بقاء الامام راكعاً إلى أن كبّر المأموم ووصل إلى حدّ الركوع لا يثبت بذلك عنوان القبلية إلا بالأصل المثبت وهو ليس بحجة ، لأنَّ هذا لازم عقلي وليس لازماً شرعياً ، ولذلك منع من جريان الاستصحاب ، وفي مثل هذه الحالة تكون صلاة هذا الشخص فرادى ، أما أنه يجري الاستصحاب ويواصل مع الامام فلا فإنَّ القبلية لا تثبت بذلك.

والذي أريد أن أقوله:- إنَّ هذا شيء لطيف بحسب الدقة لكنه لو كان ذلك هو مقصود الامام عليه السلام[4] فهذا يحتاج التنبيه عليه بشكل واضح ، فإنَّ هذا لا يفهمه الانسان العادي وإنما يفهمه الذي درس الحوزة وتعلّم ووصل إلى مرحلة البحث الخارج ويعرف واقع الأصل المثبت ، والامام عليه السلام لا يتكلم مع حوزوي ، فإذن هذا الظهور الذي تمسّك به العلمان لازمة عدم جريان استصحاب بقاء الامام راكعاً لأنه لا يثبت عنوان القبلية فإنَّ هذا شيء دقيق ولو كان هو المقصود للامام عليه السلام لكان بحاجة إلى بيان أوضح وأجلى من هذا ، فمثل هكذا ظهور يمكن أن نقول لا نأخذ به ، بل نحن نأخذ بنحوين من الظهور الاوّل هو الذي لا يحتاج إلى قرينة والثاني هو الذي يحتاج إلى قرينة ولكن لا تتجاوز الحدود العرفية ، أما إذا احتاج الظهور إلى قرينة بحيث يحتاج فهم هذه القرينة إلى أن يكون الشخص دارساً لفترة طويلة فلا نعتمد على مثله ، فإن الامام عليه السلام يتكلّم بأشياءٍ واضحة يعرفها الكل ولا يتكلم بأشياء تحتاج إلى دراسة حوزوية معمّقة.

فإذن ماذا نفعل ازاء هذه الرواية ؟ يعني قد يسأل سائل ويقول:- سلّمنا أنَّ هذا الظهور ليس بحجة ولكن بالتالي ماذا تريد أن تقول ؟

نقول:- بالتالي إنَّ عنوان القبليّة نلغيه عن الاعتبار ، يعني عرفاً الرواية يفهم منها أنه إذا وصل المأموم إلى الركوع والامام كان راكعاً حالة وصول المأموم إلى حدّ الركوع كفى ، من دون أخذ عنوان القبلية أو غير ذلك ، فإذا تحقق ركوعك مع ركوع الامام في زمانٍ واحد كفى ، فأنا استصحب بقاء الامام راكعاً إلى حالة وصولي إلى حدّ الركوع.

فإذن حينما ألغينا هذا الظهور خرجنا بنتيجة أخرى ، وهي أنه يجري الاستصحاب ، لأنَّ الامام عليه السلام يريد أن يبيّن مطلباً عرفياً يفهمه الناس وهو أن يجتمع الامام والمأموم في زمانٍ واحدٍ في حدّ الركوع ، ولا يريد أن يأخذ عنوان القبلية أو غير ذلك ، بل الاجتماع فقط.

القضية الثالثة:- إن منشأ الظهور متعدد ومختلف ، وفي هذا المجال نذكر مناشئ أربعة:-

المنشأ الأول:- الوضع واللغة ، فبسبب أني من أهل اللغة العربية وأعرف الأوضاع في لغة العرب أستفيد ظهوراً من الكلام وكلّ واحدٍ يعرف لسان العربية يفهم هذا ، فهنا سوف يصير المنشأ هو الوضع ، من قبيل ( إذا بلغ الماء قدر كرٍّ فلا ينجّسه شيء ) نفهم منها أنه يوجد فيها ظهور ، يعني إذا كان مقداره كرّ فلا يتنجّس ، وهذا الفهم نشأ من الوضع واللغة العربية ، فإنَّ لفظ الكر موضوع لمعنى للكر ولفظ بلغ موضوع لمعنى البلوغ ، يعني لا منشأ إلا الوضع واللغة العربية ولا يوجد منشأ آخر ، وهذا هو القدر المتيقن من حجية هذا المنشأ.

المنشأ الثاني:- أن يكزن الظهور ناشئاً من السياق لا من الوضع لا من اللغة العربية كما إذا كانت الرواية تذكر مستحبات كثيرة وفي الاثناء قالت ( اغتسل للإحرام ) ولكن يوجد مع هذا مجموعة من المستحبات مذكورة ، فهذا السياق - أي سياق المستحبات - قد يصير سبباً لأن نفهم ونحمل ( واغتسل للإحرام ) على الاستحباب أو لا أقل الاجمال ولا نفهم الوجوب ، وهذا أيضاً نأخذ به بلا إشكال فيما إذا أوجب الظهور في إرادة الاستحباب أو لا أقل الاجمال ، فحينئذٍ لا نفتي بوجوب غسل الاحرام ، ومن أحد الأسباب التي لا يفتى لأجلها بوجوب غسل الاحرام هو أنَّ الرواية مقترنة بمستحبات كثيرة.

ولو قال قائل:- إنَّ هذا لا يتم على مسلك حكم العقل.

قلنا:- إنَّ أصحاب مسلك حكم العقل ليس من البعيد أنهم يقبلون ويفككون في الفقرات فيما إذا لم تكن هناك كثرة كاثرة في المستحبات ، أما إذا كانت هناك كثرة كاثرة من المستحبات كأن كانت توجد رواية واحدة تشتمل على عشر فقرات تسعة منها مستحبات وواحدة مشكوكة مثل فقرة ( اغتسل للإحرام ) فهنا هل أصحاب مسلك حكم العقل يقولون بأنَّ تلك الفقرات قد دل الدليل على استحبابها أما فقرة ( اغتسل للإحرام ) نحملها على الوجوب ؟!! إنَّ هذا شيء بعيد ، فهذا الظهور منشأه السياق ونأخذ به ولا نحكم بوجوب غسل الاحرام.

المنشأ الثالث:- مناسبات الحكم والموضوع ، مثل ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه ) ، فهو قال ( ثوبك ) فإذا لم يكن الثوب أصابه البول وإنما أصاب العباءة فإنَّ العباءة ليست ثوباً فهل يلزم غسلها أو لا أو غير ذلك من الأمور التي لا يصدق عليها عنوان الثوب عرفاً ؟ إنك سوف تقول حتماً يلزم غسله رغم أنها قالت ( اغسل ثوبك ) ولم تقل اغسل كلّ شيءٍ ، ولكن منشأ التعميم هو مناسبات الحكم والموضوع ، فإنَّ الغسل عند الاصابة بالبول لا يتناسب عرفاً مع خصوص الثوب فإنَّ الثوب لا خصوصية له ، بل نفهم عرفاً أنَّ كل قماش سواء كان ثوباً أو لم يكن ثوباً يلزم غسله ، فهذا الظهور ناشئ من مناسبات الحكم والموضوع ، وهكذا الامام عليه السلام حينما قال لزرارة ( اغسل ثوبك ) فلو أردنا أن نجمد على الظهورات اللغوية فيلزم أن يختص هذا الحكم بزرارة فقط ، وهل يلتزم بهذا ؟!! كلا لا يلتزم بذلك ، وإنما نقول إنَّ هذا عام ، لأنَّ زرارة لا خصوصية له ، وهذا قد فهمناه من مناسبات الحكم والموضوع ، فإذن مناسبات الحكم والموضوع قد تخصّص وقد تعمّم حيث يحصل ظهور بسبب المناسبات.

المنشأ الرابع:- الظهور الناشئ من قضايا مسبقة من ارتكاز أو اجماع أو ضرورة ، فإنه يوجد شيء واضح عندنا قبل أن ندرس ، فنحن توجد عندنا ثروة وهي إما ضرورة فقهية أو إجماع أو غير ذلك وبسببها نفهم النص ، أما الشخص الذي لا توجد هذه الأمور في ذهنه فلا يستفيد هذا الظهور ، مثل الآية الكريمة التي تقول في من أُحصِر ﴿ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ ، فلو فرضنا أنَّ شخصاً سأل وقال إنَّ الوارد هو ( الهدي ) فأنا سوف أذبح عصفوراً أو طيراً أو دجاجة فإنَّ هذا هدي ، فهل هو جائز أو لا ؟

ونحن نقول له:- إنَّ هذا لا يكفي ، بل لابد من أحد الأنعام الثلاثة إما من الإبل أو البقر أو الغنم ، وما هو السبب ؟ لأنك لم تعش في وسط النصوص ووسط الأحكام الفقهية ، فإنه توجد مرتكزات وتوجد ضرورة وهي أنَّ الهدي مفهوم منه شرعاً وتلقيناه يداً بيد هو أحد هذه الأمور الثلاث ، فإذن نخصّص الهدي بخصوص هذه الأمور الثلاثة.

ولذلك نقول دائماً:- لا يجوز للإنسان الأجنبي عن الحوزة العلمية أن يأتي ويناقش ، كأن يأتي للآية الكريمة ويناقشنا فيها ويقول إنَّ الآية الكريمة مطلقة حيث قالت ﴿ حتى يبلغ الهدي محله ﴾ ولم تخصّص الهدي.

ولكن نحن نقول له:- إنَّ هذا ليس من اختصاصك ، فإننا نفهم النص من خلال هذه الأمور المرتكزة من ضرورةٍ أو اجماعٍ أو ما شاكل ذلك ، فليس من الحقّ أن يأتي غير الحوزوي ويريد أن يستنبط الأحكام من النصوص.


[1] وسائل الشيعة، العاملي، ج8، ص382، ابواب صلاة الجماعة، ب45، ح1، ط آل البيت.
[2] كتاب الصلاة، الكاظمي ج2، ص381.
[3] مستند العروة الوثقى كتاب الصلاة، الخوئي، ج5، ص134 ط قديمة.
[4] يعني يريد أن يبيّن أنَّ المدار على عنوان القبلية الذي لازمه إذا شككت فأنا حينما ركعت وشككت أنَّ الامام رفع رأسه أو لا فلازمه أنه لا يجري الاستصحاب.