1441/05/18


تحمیل

الأستاذ الشيخ باقر الايرواني

بحث الأصول

41/05/18

بسم الله الرحمن الرحيم

الموضوع: - التنبيه الخامس ( الشبهة غير المحصورة ) - مبحث أصالة الاشتغال ( الشّك في المكلف به )- مبحث الأصول العملية.

التنبيه الخامس: - الشبهة غير المحصورة.

وقع الكلام في تحديد الشبهة غير المحصورة بعد الاتفاق على أنه لا تنجيز للعلم الإجمالي فيها، والمناسب أن نتكلم في مجالين، الأول في تحديدها، والثاني في نكتة عدم منجّزية العلم الاجمالي فيها.

أما بالنسبة إلى تحديدها: - فقد كثرت الأقوال وازداد الخلاف في ذلك، فقيل بأنها ما ازدادت الأطراف إلى حدّ يعسر ضبطها، وقيل المرجع فيها إلى العرف، فما عدّه العرف من عير المحصور كان كذلك وما لم يعده فليس كذلك.

وكأنَّ صاحب هذا القول يتخيل أن مصطلح الشبهة المحصورة وارد في نص شرعي ونرجع في تحديدها إلى العرف.

وذهب الشيخ النائيني(قده)[1] إلى أنه يلزم توفر أمرين في الشبهة حتى تصير غير محصورة:-

الأول: - أن تكون الأطراف كثيرة.

الثاني: - عدم إمكان ارتكاب جميع الأطراف.

وعلى هذا الأساس الكثرة وحدها لا تكفي فيما إذا أمكن ارتكاب جميع الأطراف، كما إذا علمنا بحرمة جبة من الرز بين ألف أو ألفي حبة فهذا العدد كبير ولكن يمكن ارتكاب الجميع، فلا يعد هذا من غير المحصور بل يعد من المحصور، وكذلك لا يكفي عدم إمكان الارتكاب بمجرده، كما إذا فرضنا أني علمت بحرمة أحد شيئين أحدهما أمامي والآخر في القطب الشمالي، فالأطراف ليست كثير ولكن لا يمكن ارتكاب كلا الطرفين، فهذه أيضاً لا تعدّ شبهة غير محصورة، وإنما تعدّ الشبهة غير محصورة إذا اجتمع فيها الركنان، أعني الكثرة العددية زائداً عدم إمكان ارتكاب الجميع.

والأجدر أن نلاحظ مدرك جواز ارتكاب الشبهة غير المحصورة، وعلى طبق ذلك المدرك نحدد الشبهة غير المحصورة، فإنَّ الشبهة غير المحصورة ليست مصطلحاً وقع متعلقاً لحكم من الأحكام حتى نفسر ذلك المصطلح كيفما اتفق، وإنما المدرك دل على أنَّ هذا الذي نسميه غير محصور أنه يجوز الارتكاب فعلى طبق المدرك نحدد، فمثلاً أحد المدارك التي تذكر لجواز ارتكاب الشبهة غير المحصورة هو الاطمئنان فنقول إذا صار الأطراف كثرة جداً فكل طرف حينما آخذه بانفراده - مثلاً عندي مليون طرف - فاحتمال أنه هو المحرّم من بين المليون يساوي واحد من المليون، وهذا احتمال ضعيف جداً، فيحصل الاطمئنان بعدم كونه ذلك المحرّم الواقعي، فإذا بنينا على هذا المدرك فمن المناسب أن نحدد الشبهة غير المحصورة ونقول هي التي كثرت الأطراف فيها بنحو يطمأن في كل طرف يراد أخذه واختياره يطمأن بأنه ليس ذلك المعلوم بالاجمال، فيجعل المدار على ذلك، هكذا ينبغي أن تحدد الشبهة غير المحصورة ،وإذا حدد المدرك بشيء آخر فأيضاً نلاحظ ذلك المدرك، فالمناسب في مقام التحديد ملاحظة المدرك لا أن نصير إلى التحديد ثم نلاحظ المدرك ونستدل على عدم تنجيزه فإنَّ هذه طريقة باطلة، والوجه في ذلك هو أنَّ الأشياء التي نريد تحديدها مرة هي واردة في النص فحينئذٍ نحددها حسب النص، كما لو قال ( اعتق رقبة ) فهذا وارد في النص فنأتي ونقول معنى العتق ما هو ومعنى الرقبة ما هو، وهذا شيء مقبول، أما إذا لم يرد الشيء في النص ونحن حكمنا بعدم وجوب الاجتناب لنكات ليست واردة في النص فلابد وأن يكون تحديد الشبهة غير المحصورة يصير على طبق الدليل، وهذه نكتة لطيفة.

ولا يشكلنَّ مشكل قائلاً: - إن الاستدلال على شيء فرع تحديد ذلك الشيء، فإذا لم تحدده كيف تستدل عليه؟

والجواب: - إنَّ هذه مغالطة، فنحن نقول إنه يمكن أن نستدل على عدم وجوب الاحتياط من دون تحديد، كما إذا كنا نحمل صورة مجملة عن الشبهة غير المحصورة، كما نحن نحمل صورة عنها، فإنَّ عنصر الكثرة مأخوذ أما القيود الأخرى فليست واضحة المعالم فتلك نحددها على طبق المدرك، فالآن حينما نريد أن نستدل على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة فقد لا تكون عندنا الشبهة غير المحصورة واضحة بتفاصيلها ولكنها وضاحة ببعض معالمها وهي الكثرة أما بقية الأمور فليس واضحة، وإذا كان الأمر هكذا فنستدل على عدم وجوب الاجتناب فيها من باب أنه إذا كان هناك كثرة في أطرافها فيحصل اطمئنان مثلاً فحينئذٍ نجعل الميزان على الكثرة المقيدة بحو الاطمئنان بعدم انطباق ذلك المعلوم بالاجمال على هذا الطرف أو ذاك.

وأما الأدلة على عدم التنجيز في الشبهة غير المحصورة: - فذكر الأدلة ونحدد الشبهة غير المحصورة على طبقها، وقد ذكرت عدة وجوه عدة لعدم وجوب الاجتناب في الشبهة غير المحصورة: -

الوجه الأول:- ما ذكره الشيخ الأعظم(قده)[2] والشيخ العراقي(قده)[3] ، وحاصله:- إنَّ الأطراف إذا كانت كثيرة فسوف يطمأن في كل طرف أريد اختياره أنه ليس هو المعلوم بالاجمال، فإذا مددت يدي على الطرف الأول فاحتمال كونه هو الحرام من المليون طرف هو واحد من المليون، وهو احتمال ضئيل جداً يطمأن بعدمه فشربته، ولكني بقيت عطشاً فانتخبت الطرف الثاني فاحتمال كونه هو الحرام بنسبة الواحد على المليون، فإذاً يوجد اطمئنان بكونه ليس هو الحرام، وهكذا الحال بالنسبة إلى الطرف الثالث..... وهكذا إلى أن أصل إلى الفرد الأخير فأيضاً احتمال كونه هو الحرام هو نسبة الواحد إلى المليون، نعم الذي يتغير شيء آخر وهو أنه سوف يحصل احتمال قوي بأنَّ ما ارتكبته فيه الحرام، فبعضه محرّم، فيحصل لي اطمئنان بأني قد ارتكبت المحرّم ولكن فيما سبق لا في كلّ طرفٍ طرف، ومن المعلوم أنَّ تحصيل العلم بارتكاب الحرام ليس بحرام فإنَّ الحرام هو ارتكاب الحرام وليس تحصيل العلم بارتكاب الحرام.

وبناءً على هذا سوف يصير الضابط في تحديد الشبهة غير المحصورة هو أن تكثر الأطراف إلى حدٍّ يطمأن في كل طرف أنه ليس هو المعلوم بالاجمال، وأيضاً اتضح في الاثناء المدرك لجواز ارتكاب الشبهة غير المحصورة.وأشكل عليه بإشكالات ثلاثة: -

الاشكال الأول: - إذا كان يمأن الطرف الأول ليس هو الحرام والطرف الثاني أيضاً يطمأن بأنه ليس هو الحرام وهكذا الطرف الثالث إلى آخر طرف فقد حصل الاطمئنان بأنَّ لا شيء منها حرام، وهذا يتنافى مع الجزم بأنَّ واحداً منها حرام[4] ؟


[1] فوائد الأصول، النائيني، ج4، ص117، وذكره ايضاً في اجود التقريرات.
[4] يعني نطمأن بالسالبة الكلية وذلك يتنافى مع الموجبة الجزئية اليت نعلم بها لأني أعلم بأن بعضها نجس وقد قرانا في المنطق أن السالبة الكلي نقيص الموجبة الجزئية فكيف الجواب؟ / هذا تتميم ذكره الشيخ الأستاذ في المحاضرة اللاحقة/ المقرر.