34/05/26


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ البراءة الشرعية
 كان الكلام في أنّ الرفع في الحديث الشريف هل هو رفع ظاهري للتكليف المشكوك، أو هو رفع واقعي له؟ وحيث أنّهم يرون أنّ الاستدلال بالحديث الشريف على البراءة يتوقّف على أنْ يكون الرفع فيه رفعاً ظاهريّاً، ذكروا وجوهاً لإثبات أنّ الرفع في الحديث الشريف هو رفع ظاهري، وقد ذكرنا الوجه الأوّل منها في الدرس السابق،
 وكان حاصله هو: الاستدلال بقرينة الامتنان، وكون الحديث الشريف مسوقاً مساق الامتنان، حيث قالوا بأنّه يناسب الرفع الظاهري، ولا يناسب الرفع الواقعي، وذلك باعتبار أنّ الذي يُفهم من الحديث الشريف هو أنّ الرفع فيه امتنان على الأمّة، فإذن: لابدّ أنْ يكون ثبوت المرفوع خلاف الامتنان، أي في ثبوته مشقّة وكُلفة، وفي رفعه رفع للمشقّة والكلفة، فيكون فيه امتنان. أمّا الشيء الذي لا يكون في ثبوته مشقّة وكلفة، لا يكون في رفعه امتنان، فلا يكون مشمولاً للحديث؛ إذ ليس في رفعه امتنان حتّى يكون الحديث ناظراً إليه، ومن هنا ذكروا بأنّ الحديث إنّما ينسجم مع الرفع الظاهري؛ لأنّ معنى الرفع الظاهري هو أنّ المرفوع هو وجوب الاحتياط عند الشكّ في التكليف الواقعي، ولا إشكال في أنّ هذا يدخل في الضابطة السابقة؛ لأنّ في ثبوت وجوب الاحتياط كلفة ومشقّة، وفي رفعه امتنان على العباد.
  بينما في الرفع الواقعي ليس في ثبوت التكليف الواقعي المرفوع ـــــ بقطع النظر عن وجوب الاحتياط ـــــ مشقّة على العباد، حتّى يكون في رفعه امتنان. فلو كان المراد بالرفع هو الرفع الواقعي، بمعنى أنّ التكليف المشكوك يُرفع واقعاً، فلابدّ أنْ نفترض أنّ في ثبوته كلفة، وفي رفعه امتنان، بينما التكليف الواقعي على واقعيته، وبقطع النظر عن وجوب الاحتياط، ليس في ثبوته كلفة، حتّى يكون في رفعه امتنان، فالحديث ينسجم مع الرفع الظاهري، ولا ينسجم مع الرفع الواقعي. وهذا كأنّه يبتني على القول بمسلك قبح العقاب بلا بيان، وأنّ التكليف الواقعي المحتمل لا يتطلب من المكلّف أيّ شيء؛ لأنّ العقل يحكم بقبح العقاب بلا بيان، يعني أنّك لست مسئولاً عن امتثال التكليف الواقعي المحتمل.
 إذن: بناءً على هذا المسلك، ليس في ثبوت التكليف الواقعي المحتمل كلفة على المكلّف، فلا يكون في رفعه امتنان، فالامتنان يكون قرينة على أنّ الرفع في الحديث الشريف هو رفع ظاهري، وليس رفعاً واقعيّاً.
 
 ويُلاحظ على هذه القرينة أمران:
 الأمر الأوّل: أننّا إذا قلنا بمسلك حق الطاعة فسوف يختلف الأمر، ولا يتمّ هذا البيان؛ لأنّه بناءً على هذا المسلك، يكون ثبوت التكليف الواقعي المحتمل فيه كلفة على المكلّف؛ لأنّ موضوع حكم العقل بلزوم الامتثال هو هذا التكليف مع احتماله من قِبل المكلّف، فالعقل يستقل بلزوم امتثال التكليف المحتمل، حتّى إذا لم يجعل الشارع وجوب الاحتياط ظاهرياً. فإذن: التكليف المحتمل على تقدير ثبوته فيه كلفة ومشقّة على المكلّف، فعندما يُرفع التكليف الواقعي المحتمل يكون في رفعه امتناناً على العباد. فقرينة الامتنان حينئذٍ لا تعيّن الرفع الظاهري في مقابل الرفع الواقعي، وإنّما تنسجم مع كلٍ منهما.
 بعبارة أخرى: أنّ الامتنان كما يتحققّ في الرفع الظاهري للتكليف الواقعي المحتمل المتمثل برفع إيجاب الاحتياط، كذلك يتحقق الامتنان في الرفع الواقعي للتكليف المحتمل؛ لأنّ ثبوت التكليف الواقعي المحتمل فيه كلفة على العباد بحكم العقل ـــــ لأننّا نتكلم بناءً على مسلك حق الطاعة ــــــ فحينئذٍ يكون في رفعه امتنان على العباد.
 الأمر الثاني: الذي يُلاحظ على هذه القرينة غير مسألة أنّها قضيّة مبنائيّة، لو سلّمنا، وقلنا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وأنّ التكليف الواقعي المحتمل ليس فيه كلفة على المكلّف، ولا يتطلّب الامتثال من المكلّف؛ فحينئذٍ يمكن أنْ يقال: الامتنان أيضاً يحصل برفع التكليف الواقعي المحتمل؛ لأنّه لا إشكال في أنّ التكليف الواقعي هو منشأ إيجاب الشارع للاحتياط، يعني هو منشأ ما يكون فيه كلفة ومشقّة على العباد؛ لأنّ من الواضح أنّ إيجاب الاحتياط ينشأ من التكليف المحتمل، فلو لم يكن التكليف محتملاً لما أوجب الشارع الاحتياط، وإنّما أوجب الشارع الاحتياط لاحتمال وجود تكليف في الواقع. فإذن: منشأ وجوب الاحتياط الذي فيه كلفة، وفي رفعه امتنان، هو التكليف الواقعي المحتمل، والامتنان كما يحصل برفع وجوب الاحتياط يحصل أيضاً برفع منشأه، ومنشأه هو التكليف الواقعي المحتمل، فيرفعه الشارع باعتبار أنّه منشأ لإيجاب الاحتياط، فيكون فيه امتنان أيضاً.
 وبعبارة أخرى: هو واقع في طريق إيجاب الاحتياط؛ إذ لولاه لما أوجب الشارع الاحتياط. إذن: ثبوته باعتباره منشأ لإيجاب الاحتياط يكون فيه كلفة، ورفعه باعتبار أنّه يوجب رفع وجوب الاحتياط يكون فيه امتنان.
 الوجه الثاني: الذي ذكر لإثبات أنّ الرفع في الحديث الشريف رفع ظاهري، لا واقعي هو ما نُقل عن السيّد الخوئي(قدّس سرّه)، حيث يقول أنّ هناك قرينتان لإثبات أنّ الرفع ظاهري، لا واقعي، يُعبر عن أحداهما بأنّها قرينة داخلية، والأخرى بأنّها خارجيّة، وسيأتي الكلام إنْ شاء الله تعالى عن القرينة الخارجية.
  أمّا القرينة الداخليّة [1] التي تسمّى بمناسبات الحكم والموضوع، هي قرينة تقتضي إرادة الرفع الظاهري لا الواقعي، باعتبار أنّ نفس التعبير بـــ (ما لا يعلمون)، أي (بالشكّ) يدلّ على أنّ في الواقع شيء لا نعلمه، ونشك فيه؛ لأنّ الشك والجهل فرع وجود المشكوك والمجهول، والشك في شيءٍ فرع وجود الشيء، وعدم العلم بالشيء فرع وجود الشيء. إذن: نفس التعبير بعدم العلم في الرواية، معناه أنّ هناك شيئاً موجوداً في الواقع لا نعلمه. يقول: هذا هو ظاهر الرواية، وتسمّى بالقرينة الداخليّة. ثمّ يقول(قدّس سرّه): ومن الواضح أنّه لو كان الرفع رفعاً حقيقياً واقعيّاً للتكليف المشكوك، وكان المرفوع هو الوجود الواقعي للتكليف بمجرّد الجهل، لكان الجهل به مساوقاً للعلم بعدمه؛ لأنّ المفروض أنّ الرفع رفع واقعي للتكليف الواقعي المشكوك، فيكون المرفوع في حالة الجهل هو الوجود الواقعي للتكليف. إذن: الجهل به يساوق القطع بعدمه؛ لأنّ المفروض أنّ الجهل بالشيء يوجب رفع التكليف واقعاً وحقيقة. إذن: الجاهل بالتكليف لابدّ أنْ يكون قاطعاً بعدمه، وكيف يكون قاطعاً بعدمه والرواية تقول (تكليف لا تعلمه) وقد ذكر أنّ ظاهر هذه العبارة هو أنّ هناك شيئاً في الواقع، وتشكّ فيه، أو لا تعلمه، الرفع الواقعي في حالة الجهل أنت قاطع بعدمه، بينما ظاهر الحديث أنّ هناك شيئاً في الواقع لا تعلمه، ولا تشكّ فيه، وهذا يتحقق في الرفع الظاهري الذي معناه رفع إيجاب الاحتياط. إذن: هناك شيء في الواقع تشكّ فيه، ولا تعلمه، يرفعه الشارع رفعاً ظاهريّاً، وهذا لا محذور فيه، وينسجم مع ظاهر الحديث؛ لأنّ ظاهر الحديث يقول: لابدّ أنْ يكون هناك شيء في الواقع يُجهل به، ويُشكّ فيه، وهذا ينسجم تماماً مع الرفع الظاهري؛ إذ في الرفع الظاهري ليس هناك مانع من أنْ نقول هناك شيء نجهل به؛ لأنّ الجهل بناءً على الرفع الظاهري، لا يقول بأنّه يساوق القطع بعدم التكليف، ولا يقول أنّ الجهل يوجب رفع التكليف واقعاً بوجوده الواقعي، وإنّما يوجب رفعه ظاهريّاً، وإنْ كان ثابتاً في الواقع.
 فإذن: الرفع الظاهري ينسجم مع ظاهر الحديث الشريف، فيكون هذا قرينة على إرادة الرفع الظاهري، في مقابل الرفع الواقعي.
 هذا الكلام مرجعه في الحقيقة إلى أنّه عندما يقال: كل حكمٍ تشكّ فيه مرفوع عنك ـــــ وهذا هو مفاد حديث الرفع ـــــ صحيح أنّ الحكم قد فُرض فيه الشك، وعدم العلم ـــــ إذا فسرنا عدم العلم بالشكّ ـــــ لكن الكلام في أنّ فرض الشك فيه هل هو بقطع النظر عن محمول القضيّة، أي عن الرفع، أو فُرض فيه الشك، وعدم العلم حتّى بعد الرفع؟ هو كأنّه يفهم أنّه فُرض فيه الشك وعدم العلم، والجهل حتّى بعد الرفع؛ فحينئذٍ ذكر هذا الكلام؛ لأنّه بعد الرفع يرتفع التكليف الواقعي بوجوده الواقعي، ومن هنا يكون الجهل مساوقاً للقطع بعدم التكليف الواقعي، فلا تبقى حالة شكّ، لكن عدم بقاء حالة شكّ إنّما يكون بعد الرفع، فيتمّ كلامه، فإذا كان المقصود هو أخذ الشكّ في موضوع المرفوع حتّى في مرحلة ما بعد الرفع، أي حتّى بعد الرفع لابدّ من افتراض أنْ يكون هناك شيء ثابت في الواقع نجهل به، فيصح كلامه؛ لأنّ هذا لا ينطبق إلاّ على الرفع الظاهري، ففي الرفع الظاهري بعد الرفع نقول بأنّ هناك شيئاً ثابتاً في الواقع نشك به، أمّا في الرفع الواقعي، فبعد الرفع يكون الجهل بالشيء مساوقاً للقطع بعدمه، ويكون هناك قطع بعدم التكليف؛ فحينئذٍ لا معنى لأن نقول أنّ هناك شيئاً ثابتاً في الواقع لا نعلمه؛ بل نحن نعلم بعدمه ـــــ بناءً على الرفع الواقعي للتكليف المشكوك ـــــ لكنّ الكلام في أنّه من قال بأنّ الشك مأخوذ في موضوع المرفوع حتّى بعد الرفع؟ التكليف الذي تشك فيه بقطع النظر عن الرفع مرفوع عنك، وهذا ينسجم حتّى مع الرفع الواقعي، ولا يختصّ بالرفع الظاهري، في الرفع الواقعي يوجد تكليف مشكوك يُفترض ثبوته في الواقع، ونشكّ فيه، هذا كلّه بقطع النظر عن الرفع، وبعد ذلك يأتي مرفوع يرفعه واقعاً، بعد الرفع هناك قطع بعدمه، إذا قلنا بأنّ الرفع رفع واقعي، وهذا لا ينافي الحديث الشريف؛ لأنّ الحديث الشريف افترض الشكّ ــــــ الذي يقول عنه(قدّس سرّه) بأنّه ملازم لثبوت شيء في الواقع ــــــ قبل الرفع، وبقطع النظر عن الرفع. كل حكم تشك فيه أرفعه واقعاً وحقيقة، ما هو المحذور فيه، لا يُفهم من هذا أكثر من أنّ الشكّ أُخذ وأفتُرض بقطع النظر عن الرفع، وهذا يصدق حتّى في الرفع الواقعي، ولا يتوقّف على أنْ يكون الرفع رفعاً ظاهريّاً.
 الوجه الثالث: هو الذي ذكره السيّد الشهيد(قدّس سرّه)، وحاصله: أنّ ظاهر الحديث أنّ المرفوع لولا هذا الحديث كان موضوعاً على الأمّة، وهذا لا ينطبق إلاّ على الرفع الظاهري؛ لأنّ إيجاب الاحتياط لولا حديث الرفع، لكان موضوعاً على الأمّة، وإنّما نحن نثبت التأمين بحديث الرفع، وإلاّ لولا حديث الرفع لكان وجوب الاحتياط موضوعاً على العباد، أمّا في الرفع الواقعي، فلا نستطيع القول بأنّه لولا حديث الرفع لكان التكليف الواقعي ثابتاً، وموضوعاً على العباد، فقد يكون موضوعاً، وقد لا يكون له ثبوت أصلاً، بخلاف إيجاب الاحتياط، فأنّه لولا حديث الرفع لكان ثابتاً موضوعاً على العباد، والحديث ظاهر في أنّ المرفوع لولا الرفع لكان ثابتاً، وهذا ينسجم مع الرفع الظاهري، ولا ينسجم مع الرفع الواقعي. هذا الوجه الثالث كقرينة معيّنة لإرادة الرفع الظاهري في مقابل الرفع الواقعي. [2]
 وأجاب هو(قدّس سرّه) عن هذا الوجه: بأنّ هذا لا يتم فيما إذا كان المراد بالموصول واقع التكليف، لا عنوان التكليف، يعني ما يكون تكليفاً بالحمل الشايع الصناعي، فإذا أريد بالموصول واقع التكليف؛ فحينئذٍ لا يكون هذا الوجه تامّاً، وذلك لأنّه إذا أريد به واقع التكليف كأنّه يصبح واقع التكليف مقدّر الوجود، فكأنّه هكذا يقال: أنّ الاسم الموصول الذي افترضنا أنّ المراد به واقع التكليف، على تقدير أنْ يكون هناك تكليف ــــ واقع التكليف، وليس عنوان التكليف ـــــ وأنت لا تعلم به، فهو مرفوع عنك، حتّى لو قلنا بالرفع الواقعي هو ينسجم مع ظاهر الحديث؛ لأنّ واقع التكليف فُرض وجوده، فيكون واضحاً أنّه لولا رفعه لكان ثابتاً، فلا يكون قرينة على الرفع الظاهري؛ بل يكون قرينة حياديّة.
 الخلاصة: أننّا لا نريد أنْ ندخل في تفاصيل القرائن التي ذكرت أكثر من ذلك، وإنّما ننتهي إلى هذه النتيجة، بقطع النظر عن هذه القرائن: أساساً هل يمكن الالتزام بالرفع الواقعي، أو لا يمكن؟ هل هناك محذور ثبوتي، أو إثباتي في الرفع الواقعي، أو لا يوجد؟ فإذا انتهينا إلى نتيجة أنّ هناك محذور ثبوتي، أو إثباتي في الرفع الواقعي للتكليف المشكوك؛ فحينئذٍ يتعيّن أنْ يكون الرفع رفعاً ظاهريّاً، سواء تمّت هذه القرائن، أو لم تتم. هم ذكروا أنّ هناك محذوراً ثبوتيّاً في الرفع الواقعي، وهو مسألة اختصاص الأحكام بالعالمين بها إذا كان ناشئاً من تقييد الحكم بالعلم به. وهذا محال، هذا محذور ثبوتي يمنع من أنْ يكون الرفع في الحديث في حال الجهل، وعدم العلم رفعاً واقعيّاً للتكليف المشكوك؛ لأنّ معنى أنّ الرفع واقعي للتكليف المشكوك في حال الجهل، يعني عدم وجود تكاليف واقعيّة في حق الجاهلين بها، فتختصّ التكاليف بالعالمين بها. واختصاص التكليف بالعالم إنْ كان يعني أخذ العلم بالتكليف في موضوع التكليف، فهو محال.


[1] مصباح الأصول، تقرير بحث السيد الخوئي للبهسودي، ج 2، ص 257.
[2] بحوث في علم الأصول، تقرير السيد محمد باقر الصدر للسيد محمود الشاهرودي، ج 5، ص 41.