34/12/01


تحمیل
 الموضوع: الأصول العملية/ الاحتياط/ الاحتياط الشرعي
 الكلام في أدلّة التوقّف والاستدلال بها على وجوب الاحتياط في محل الكلام، والمقصود بمحل الكلام هو الشبهة الحكميّة البدويّة بعد الفحص، وقد بيّنّا تقريب الاستدلال على وجوب الاحتياط في هذه الروايات، ثمّ ذكرنا المناقشات والاعتراضات التي ذُكرت على الاستدلال بها في محل الكلام، وتقدّمت المناقشات الأولى والثانية والثالثة، والمناقشة الثالثة كانت ترتكز على هذه الدعوى المعروفة والمشهورة وهي عمدة المناقشات، وحاصلها: أنّ الذي يظهر من أخبار التوقّف هو افتراض وجود هلكة في الاقتحام لتلك الشبهة، وهذا يعني أنّ تلك الشبهة التي تتحدّث عنها الرواية، وتأمر بالتوقّف فيها، هي شبهة منجّزة بمنجّزٍ ثابتٍ بقطع النظر عن أخبار التوقّف؛ لأنّ أخبار التوقّف لا تصلح أنْ تكون هي المنجّزة كما هو مقتضى الاستدلال بها على وجوب الاحتياط، فمقتضى الاستدلال بها على وجوب الاحتياط هو أنْ يكون وجوب الاحتياط منجَّزاً بسببها، فتكون هي المنجِّزة لوجوب الاحتياط بلحاظ الواقع، بينما لسان الأخبار هو أنّ الشبهة تنجّزت بمنجِّزٍ سابقٍ، هو يقول أنّ الشبهة التي تُقدِم عليها فيها مظنّة الهلكة، فتوقّف، فلابدّ من حمل الأمر بالتوقّف في هذه الروايات على الإرشاد لا على المولويّة، فتسقط عن إمكانيّة الاستدلال بها على وجوب الاحتياط في محل الكلام، وإنّما تكون ناظرة إلى الشبهات المنجَّزة بقطع النظر عنها؛ ولذا حملوها على الشبهة المقرونة بالعلم الإجمالي، والشبهة قبل الفحص، فهناك العقل يحكم بمنجّزيّة الاحتمال في هاتين الشبهتين.
 ذكرنا في الدرس السابق أنّ هناك اعتراضات على هذه المناقشة. الاعتراض الأوّل الذي أشار إليه الشيخ الآخوند(قدّس سرّه) في الكفاية، [1] لا أقول أنّه التزم به، لكنّه أشار إليه، وحاصله: أننّا نسلّم أنّ الأمر إرشادي، لكن يمكن مع ذلك إثبات وجوب الاحتياط عن طريق استكشافه أنّيّاً، أي عن طريق استكشاف العلّة من المعلول، بأنْ نسلّم أموراً:
 الأمر الأوّل: أنّ أخبار التوقّف فيها من الإطلاق ما يسع محل الكلام؛ إذ لا موجب لقصر النظر على بعض الشبهات دون بعض. إذن: هي بإطلاقها شاملة لمحل الكلام.
 الأمر الثاني: أنّ المراد بالهلكة فيها هو العقاب الأخروي، وليس المفسدة وأمثالها من الأضرار الدنيويّة.
 الأمر الثالث: أنّ ظاهر الروايات هو وجود مظنّة الهلكة فعلاً في الشبهات التي تتحدّث عنها هذه الروايات.
 ونتيجة هذا كلّه: أنّ اقتحام الشبهة في محل الكلام فيه مظنّة الهلكة؛ لأنّ الروايات مطلقة تشمل محل الكلام، والمراد بالهلكة هو العقاب، والرواية تدلّ على وجود فعليّة مظنّة الهلكة عند اقتحام الشبهات التي تتحدّث عنها هذه الروايات. إذن: في شبهتنا في محل الكلام، هذه الروايات تقول في اقتحامها مظنّة الهلكة، ولا يُعقل أنْ تكون هناك هلكة وعقاب أخروي، إلاّ إذا كان هناك ما يُنجِّز الواقع في هذه الشبهة؛ لأنّ الهلكة والعقاب معلول لكون الواقع منجَّز على المكلّف؛ ولذا يُحاسَب على فوات الواقع، فإذا أقدم على الشبهة وصادف الواقع؛ فحينئذٍ يكون هناك هلاك وعقاب، فعندما يقتحم المكلّف الشبهة هناك مظنّة الهلاك، وهذا معلولٌ لتنجيز الواقع، وتنجيز الواقع في الشبهة محل الكلام يحصل بإيجاب الاحتياط، فيكون إيجاب الاحتياط المنجّز للواقع في محل الكلام علّة لترتّب مظنّة الهلكة على ارتكاب هذه الشبهة. ونحن أثبتنا أنّ اقتحام الشبهة فيه مظنّة الهلكة، والذي هو معلول، ومنه نستكشف وجود العلّة التي هي أنّ الشارع أوجب الاحتياط في هذه الشبهة. وهو المطلوب؛ وعندئذٍ لا يتوقّف إيجاب الاحتياط على أنْ يكون الأمر بالتوقّف في هذه الروايات مولوياً حتّى يقال أنّ هذا الأمر ليس مولوياً، ولسانه لسان الإرشاد وليس فيه مولوية، فكيف يمكن أنْ نستدلّ به على إيجاب الاحتياط ؟ حتّى لو سلّمنا أنّ الأمر إرشادي، هذا لا يمنع من إثبات إيجاب الاحتياط عن طريق هذا الاستكشاف لا عن طريق التمسّك بنفس الأمر لإثبات وجوب الاحتياط، فحتّى لو كانت الأوامر إرشادية، لكن بهذا البيان الذي ذُكر يمكن استكشاف إيجاب الاحتياط في محل الكلام؛ فحينئذٍ ترتفع المناقشة في الاستدلال بهذه الروايات على وجوب الاحتياط.
 هذا الجواب في حدِّ نفسه يصلح أنْ يكون تقريباً ثانياً للاستدلال بروايات التوقّف على وجوب الاحتياط، بأنْ يكون ما تقدّم هو التقريب الأوّل، وهو أنْ يُستدَل بأوامر التوقّف في هذه الروايات بناءً على أنّها أوامر مولوية يُستدَل بها على وجوب الاحتياط؛ لأنّها هي تأمر بالتوقّف، فتكون منشئاً لوجوب الاحتياط. هذا التقريب الأوّل الذي وردت فيه المناقشة المتقدّمة، وهذا تقريب ثانٍ للاستدلال بهذه الروايات، بأنْ يقول الأخباريون في مقام الاستدلال بها: نحن لا نقول بأن الأمر فيها مولوياً، وإنّما الأمر فيها للإرشاد، لكن بهذا البيان يمكن إثبات إيجاب الاحتياط والاستدلال بها على إيجاب الاحتياط. إذن: كما أنّه جواب عن المناقشة الثالثة، كذلك يصلح أنْ يكون استدلالاً آخراً على وجوب الاحتياط بأخبار التوقّف . هذا الجواب الأوّل عن المناقشة الثالثة، وهو ما ذكره صاحب الكفاية(قُدّس سرّه).
 الجواب الثاني: هو ما ذكره المحققّ الأصفهاني(قُدّس سرّه) في حاشيته على الكفاية [2] لردّ المناقشة الثالثة، وبالتالي هذا يصبّ في صالح الأخباريين، وفي صالح صحّة الاستدلال بهذه الروايات على وجوب الاحتياط. حاصل ما ذكره هو: استكشاف الأمر بوجوب الاحتياط، أو ما يسمّيه بــ(الأمر الطريقي بالاحتياط) من الأمر بالتوقّف المعللّ بأنّه خير من الاقتحام في الهلكة، وذلك بأنْ يكون أمر المخاطبين بالتوقّف في هذه الأخبار كاشفاً عن وصول الأمر الطريقي بالاحتياط إليهم؛ لأنّ هذه الأخبار تأمر المخاطَبين بالتوقّف عند الشبهة، وهذا معناه أنّ الأمر بالاحتياط واصل إليهم؛ لأنّ الأمر بالتوقّف يكشف عن فعليّة الهلكة في حقّهم، وبالدلالة الالتزاميّة نستكشف علّة هذه الهلكة، وهو وصول الأمر الطريقي بالاحتياط إليهم، ولا محذور في افتراض وصول الأمر بالاحتياط إلى المخاطَبين؛ وحينئذٍ بمقتضى قاعدة الاشتراك ــــــ الكلام لا يزال للمحقق الأصفهاني ــــــ مع المخاطَبين في التكليف، يعني غير المخاطبين يشتركون مع المخاطبين في التكاليف، نستكشف الأمر الطريقي بالاحتياط في حقّ غيرهم بقاعدة الاشتراك؛ لعدم احتمال الفرق في وجوب الاحتياط في الشبهات البدويّة بين أفراد المكلّفين، فلو ثبت تكليفٌ، ولو كان ظاهريّاً في حقّ فئةٍ من المكلّفين، فقاعدة الاشتراك تعممّ هذا التكليف إلى غيرهم. في المقام يقول(قُدّس سرّه) لا محذور في أنْ نستكشف وصول وجوب الاحتياط إلى المخاطبين بهذه الخطابات الشرعية، بأوامر التوقّف في أخبار التوقّف، هؤلاء المخاطبون، قيل لهم يجب عليكم التوقّف في هذه الشبهة؛ لأنّ فيها اقتحام الهلكة. إذن: فُرض وجود هلكة، والهلكة معلولة لوجوب الاحتياط، فكيف قيل لهم أنّ هذه الشبهة منجّزة، وفيها هلكة، ولم يصل إليهم التنجيز ؟ فلابدّ من فرض وصول المنجّز، أي وصول وجوب الاحتياط إليهم حتّى يُعقل مخاطبتهم بهذا الخطاب، بأنْ يُقال لهم قف عند هذه الشبهة؛ لأنّ الاقتحام فيها هو اقتحام في الهلكة، وهذا لا يمكن فرضه، إلاّ بفرض وصول وجوب الاحتياط إليهم، ووصول المنجِّز لهذه الشبهة إليهم، فيقول لا مانع من فرض وصول المنجِّز إلى المخاطبين، فإذا فُرض وصول وجوب الاحتياط إليهم، وكان حكمهم الظاهري هو وجوب الاحتياط في هذه الشبهة؛ فحينئذٍ يثبت هذا الحكم في حقّ غيرهم بقاعدة الاشتراك. وبذلك استطعنا أنْ نستكشف وجوب الاحتياط في حقّ جميع المكلّفين بضميمة أخبار التوقّف إلى قاعدة الاشتراك.
 هذا الجواب أيضاً يصلح أنْ يكون تقريباً ثالثاً للاستدلال بأخبار التوقّف على وجوب الاحتياط في حقّ الجميع. التقريب الأوّل كان مبنيّاً على أنّ الأمر مولوي، والتقريب الثاني كان مبنيّاً على أنّ الأمر إرشادي، لكن يُستكشف وجوب الاحتياط من باب استكشاف العلّة من المعلول، وفي هذا التقريب الثالث نفترض أنّ وجوب الاحتياط وصل إلى المخاطَبين بأوامر التوقّف، ثمّ نثبته في حقّ الغير بقاعدة الاشتراك.
 الظاهر أنّ هذا الجواب الثالث إنّما طرحه المحققّ الأصفهاني(قُدّس سرّه) كجوابٍ عن المناقشة الثالثة، ونحن قلنا أنّه يصلح كتقريبٍ لأصل الاستدلال بأخبار التوقّف، إنّما طرحه هو يهدف إلى دفع إشكالٍ مقدّرٍ، وإيرادٍ قد يورد على الجواب الأوّل لصاحب الكفاية(قُدّس سرّه)، وحاصل هذا الإشكال الذي يرِد هو أنّ الأمر الطريقي بالاحتياط، إنّما يُنجِّز الواقع على المكلّف بحيث يوصله إلى مرحلة استحقاق العقاب على تقدير المخالفة، إنّما يُنجِّز بوجوده الواصل لا بوجوده الواقعي، فبوجوده الواقعي لا يصلح للتنجيز بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فبناءً على هذه القاعدة، وجوب الاحتياط لا يُنجّز الواقع إلاّ بوجوده الواصل الذي تمّ عليه البيان حتّى يخرج من موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، أمّا بوجوده الواقعي فلا يكون منجِّزاً؛ وحينئذٍ يقال: إنْ فُرض وصول وجوب الاحتياط إلى المكلّف بقطع النظر عن هذه الأخبار؛ حينئذٍ يكون هو المثبت للمطلوب، لا أخبار التوقّف، إذا فرضنا أنّ وجوب الاحتياط هو الذي وصل إلى المكلّف؛ حينئذٍ يثبت المطلوب للأخباريين بلا حاجة إلى الاستعانة بأخبار التوقّف؛ لأنّ وجوب الاحتياط فُرض وصوله إلى المكلّف، فيكون هو الذي يثبت المطلوب لا أخبار التوقّف، ولا أثر لهذه الأخبار في ذلك. وإنْ فُرض عدم وصوله إلى المكلّف؛ حينئذٍ لا يمكن استكشاف الهلكة ووجوب الاحتياط، وبالتالي الانتقال من المعلول إلى العلّة وهو وجوب الاحتياط؛ لأنّ العقل حاكم بعدم الهلكة والعقاب في ظرف عدم وصول المنجِّز الذي هو وجوب الاحتياط، فالمكلّف يقطع بعدم الهلكة، فكيف يُعقل أنْ يقال أنّ الهلكة موجودة، ومن المعلول نستكشف العلّة كما ذكر صاحب الكفاية(قُدّس سرّه).
 هذا الإشكال الذي يريد المحقق الأصفهاني(قُدّس سرّه) دفعه عن الجواب الأوّل. حيث أنّ صاحب الكفاية(قُدّس سرّه) كان يقول في الجواب الأوّل: حتّى لو سلّمنا أنّ الأوامر بالتوقّف إرشادية، نحن لا نريد أنْ نثبت وجوب الاحتياط من الأمر بالتوقّف باعتباره أمراً مولوياً، وإنّما نسلّم أنّها أوامر إرشادية، لكن الأخبار ظاهرة في وجود هلكة في الاقتحام في هذه الشبهة بحسب الإطلاق. إذن: هذه شبهة في اقتحامها هلكة، والهلكة معلولة للمنجِّز الذي هو وجوب الاحتياط، فنستكشف العلّة من المعلول. هذا هو الجواب الأوّل. والإشكال كان يقول: لا يُعقل أنْ يكون وجوب الاحتياط بوجوده الواقعي هو المنجّز، وإنّما المعقول هو أنْ يكون وجوب الاحتياط بوجود الواصل منجّزاً؛ وحينئذٍ: إمّا أنْ نفترض وصول وجوب الاحتياط إلى المكلّف، أو نفترض عدم وصوله، فإذا افترضنا وصول وجوب الاحتياط إلى المكلّف؛ فحينئذٍ تتنجّز الشبهة ويجب الاحتياط فيها بلا إشكال، لكنّ الدليل على ذلك ليس هو أخبار التوقّف، وإنّما الدليل على ذلك هو وجوب الاحتياط الّذي فُرض وصوله إلى المكلّف، فأنّه هو الذي يُنجّز الشبهة، أمّا أخبار التوقّف فلا تأثير لها. وأمّا إذا فرضنا عدم وصول وجوب الاحتياط؛ فحينئذٍ بمسلك قبح العقاب بلا بيان يُقطع بعدم الهلكة في ارتكاب هذه الشبهة؛ لعدم تمام البيان على ما يستوجب العقاب، فيكون العقاب مؤمّناً، ويُقطع بعدم الهلكة، ومع القطع بعدم الهلكة في الشبهة محل الكلام لعدم وصول البيان على وجوب الاحتياط بحسب الفرض؛ حينئذٍ لا مجال لأنْ يقال نحن نستكشف من وجود الهلكة العلّة وهي وجوب الاحتياط؛ لأنّه ليس هناك هلكة، فكيف تستكشف وجود الهلكة، ثمّ تنتقل منها إلى العلّة، بينما بناءً على عدم وصول وجوب الاحتياط إلى المكلّف، حينئذٍ لا هلكة، ولا عقاب في اقتحام الشبهة؛ بل يُقطع بعدم العقاب في اقتحام الشبهة. فلا معنى لأنْ نستكشف وجوب الاحتياط من الهلكة. هذا الإشكال على الجواب الأوّل.
 كأنّ المحقق الأصفهاني(قُدّس سرّه) ناظر إلى دفع هذا الإشكال، فيريد أنْ يُقرّب الجواب الأوّل تقريباً بحيث يدفع عنه هذا الإشكال، وحاصل ما يريد أنْ يقوله في مقام التخلّص من هذا الإشكال هو: أنْ يفترض أنّ من وصل إليه وجوب الاحتياط غير من يريد استكشاف وجوب الاحتياط من أخبار التوقّف، الذي وصل إليه وجوب الاحتياط هو المخاطَب بأخبار التوقّف، والذي يريد استكشاف ذلك هو غير المخاطَب بالبيان الذي ذكرناه، باعتبار أنّ المخاطبين بأخبار التوقّف يجب عليهم الاحتياط لوصول وجوب الاحتياط إليهم، وهو ما ذكره بقوله لا محذور في أنْ نفترض أنّ وجوب الاحتياط وصل إلى المخاطَبين بأخبار التوقّف، والموجودين في زمان صدور هذه الأخبار الذين يوجّه لهم خطاب(قف عند الشبهة)، وغير المخاطَب بهذا الخطاب يجب عليهم الاحتياط لاستكشاف الأمر الطريقي من أخبار التوقّف بضميمة قاعدة الاشتراك؛ فحينئذٍ لا يرِد الإشكال السابق.
 


[1] كفاية الأصول، الآخوند الخراساني، ص 346.
[2] نهاية الدراية في شرح الكفاية، الشيخ الأصفهاني، ج 2، ص 476.