35/03/19


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ البراءة/ تنبيهات البراءة/ التنبيه الرابع
ذكرنا في الدرس السابق ملاحظة على ما نقلناه عن المحقق النائيني(قدّس سرّه) وخلاصة هذه الملاحظة: أنّ الميزان في جريان البراءة في الشبهة الموضوعية ليس هو انحلال الحكم إلى أحكام عديدة؛ لأننّا نجد أنّه في حالاتٍ يكون الحكم فيها واحداً غير متعددّ وغير منحل، مع ذلك تجري البراءة في الشبهة الموضوعية، وذُكر مثال لذلك بمسألة العام المجموعي، إذا قال(أكرم مجموع العلماء)، أو(أكرم العلماء) لكن لاحظ العلماء على نحو العام المجموعي، هنا لا يوجد إلاّ حكم واحد، ولا يوجد أحكام انحلالية، بخلاف العام الاستغراقي هناك تكون أحكام انحلالية، فإذا لم يكن هناك إلاّ حكم واحد وشككنا في زيد أنّه عالم، أو لا ؟ هنا تجري البراءة مع أنّه لا يوجد إلاّ تكليف واحد، وافتراض أنّ هذا المشكوك عالم في الواقع والحقيقة لا يعني ثبوت تكليف زائد على ما علمنا به؛ بل هو نفس التكليف باقٍ، كما أنّ عدم كونه عالماً في الواقع والحقيقة لا يعني نقصاناً في التكليف، فالتكليف واحد، وبالرغم من ذلك تجري البراءة، ليس الميزان هو الانحلال، وإنّما الميزان هو الشمولية.
هذه الملاحظة يمكن دفعها عن المحقق النائيني(قدّس سرّه) بأنْ نفترض أنّ مقصوده من التكليف في كلامه المتقدّم الذي جعل الشكّ في الموضوع شكّاً في التكليف، إذا قلنا أنّ مقصوده من التكليف ما يعمّ التكليف الضمني، فسوف تندفع هذه الملاحظة. ما يعمّ التكليف الضمني ولا يختص بخصوص التكليف الاستقلالي؛ حينئذٍ الشكّ في الموضوع في مثال العام المجموعي، الشكّ في أنّ هذا عالم، أو لا، وإن كان لا يستلزم الشكّ في أصل التكليف المستقل، لكنّه يستلزم الشكّ في التكليف الضمني، باعتبار أنّ التكليف وإنْ كان تكليفاً واحداً وله موضوع واحد، لكن التكليف الواحد المتعلّق بالموضوع الواحد الذي هو المجموع ــــــــــ بحسب الفرض ــــــــــ يستلزم تكاليفاً ضمنية بعدد أفراد ذلك المجموع، إذا لم نعبّر عن ذلك بالتكليف الضمني، فأننّا يمكن أنْ نعبّر بما تقدّم من أنّه يستلزم التحريك المولوي نحو هذا الفرد وذاك الفرد، وذاك الفرد من أفراد المجموع، وهذه عبارة عن التكاليف الضمنية، ففي الحقيقة هنا يمكن الحفاظ على الميزان الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه)، لكن بتعميم التكليف إلى التكاليف الضمنية وعدم الالتزام باختصاص التكليف في كلامه بالتكاليف الاستقلالية، فأنّ الميزان يكون محفوظاً حتّى في هذا المثال؛ لأنّ الميزان هو تعددّ الحكم وانحلال التكليف، أنّ التكليف يكون انحلالياً، فإذا كان انحلالياً يتحقق هذا الميزان لجريان البراءة، وهذه الانحلالية بعد تعميم التكليف إلى التكليف الضمني موجودة؛ لأنّ هذا الذي نشكّ في أنّه عالم، أو لا، إنْ كان عالماً في الواقع يثبت له تكليف ضمني، يثبت له تحريك مولوي، وإنْ لم يثبت أنّه عالم في الواقع، فلا يثبت له تكليف ضمني ولا يثبت له تحريك مولوي، فالشكّ فيه يكون شكّاً في التكليف. أو قل بعبارة أخرى: الشكّ فيه يكون شكّاً في التحريك المولوي بالنسبة إليه، وهذا بالنتيجة شكّ في التكليف، فيتحقق الميزان الذي ذكره لجريان البراءة، الميزان هو أنْ يكون الحكم انحلالياً، لكن الحكم الذي يكون انحلالياً أعمّ من الحكم الاستقلالي والحكم الضمني، والحكم الضمني حتّى في مثال العامّ المجموعي أيضاً يكون انحلالياً، باعتبار أنّ المفروض أنّ العنوان المأخوذ مأخوذ على نحو الشمولية، وهذا يستلزم التحريك المولوي نحو كل فردٍ من أفراد ذلك المجموع، أو قل: يستلزم التكاليف الضمنية المتعددّة بعدد أفراد ذلك المجموع، فالانحلالية كميزان لجريان البراءة يمكن أنْ نلتزم بتحققها حتّى في هذا المثال، فلا يكون نقضاً على ما ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه).
الملاحظة الثانية التي ذُكرت على كلامه ترتبط بما ذكره في صورة الدوران بين الأقل والأكثر، حيث ذكر هناك أنّ الصحيح هو التفصيل بين الشبهة الوجوبية وبين الشبهة التحريمية، وأنّه في الشبهة الوجوبية تجري أصالة الاشتغال، وفي الشبهة التحريمية تجري البراءة، وعللّ ذلك بما تقدّم من أنّ مطابقة الفعل الصادر من المكلّف للعنوان داخلة في دائرة الطلب في الشبهة الوجوبية كما في مثال وجوب الوقوف في عرفات، المطلوب من المكلّف هو أنْ يكون الوقوف الصادر منه وقوفاً في عرفات؛ حينئذٍ إذا شكّ في بقعةٍ من الأرض لشبهة موضوعية أنّها من عرفات، أو لا، لا يجوز له الوقوف بها؛ لأنّ ذمّته اشتغلت بأنْ يكون وقوفه وقوفاً في عرفات، وإذا اقتصر على الوقوف في هذا الموقف المشكوك؛ فحينئذٍ لا يحرز أنّ العنوان ــــــــ الوقوف في عرفات ــــــــ قد انطبق على وقوفه؛ فلذا لابدّ من الاحتياط، بينما في الشبهة التحريمية أنكر هذا، قال أنّ انطباق العنوان على الفعل لا يدخل في دائرة المطلوبية، وإنّما الانطباق شرط في اتّصاف الفعل بكونه حراماً، الإفاضة إنّما تكون محرّمة إذا كانت إفاضة من عرفات، والاستقبال إنّما يكون محرّماً إذا كان استقبالاً للقبلة في حالات التخلّي، وأمثال ذلك. فانطباق العنوان على الفعل ليس مطلوباً، ولا داخلاً في دائرة التكليف، فإذا لم يكن داخلاً في دائرة التكليف، وإنّما هو شرط لاتّصاف الفعل بالحرمة؛ حينئذٍ الشكّ فيه يكون شكّ في ثبوت التكليف بالنسبة إلى هذا الفعل الصادر من المكلّف، فهو شكّ في التكليف، فتجري فيه البراءة. هكذا ذكر.
الملاحظة على هذا الأمر هو أنّه قد يقال: لا فرق بين الوجوب وبين التحريم من هذه الجهة، في كلٍ منهما الظاهر أنّ المطابقة داخلة في دائرة التكليف، بمعنى أنّ التكليف يتعلّق بها سواء كان ذلك في الشبهة الوجوبية، أو كان ذلك في الشبهة التحريمية، كما أنّه في الشبهة الوجوبية ـــــــــ كما قرّبه هو ـــــــــ أن انطباق العنوان على الفعل مطلوب من المكلّف وداخل في التكليف، ويتعلّق به التكليف، فيُطلب من المكلّف أنْ يكون وقوفه في عرفات، كذلك انطباق العنوان على الفعل في الشبهة التحريمية أيضاً يكون داخلاً في دائرة التكليف، بمعنى أنّه هو المنهي عنه(تحرم الإفاضة من عرفات)، المنهي عنه هو كون الإفاضة من عرفات، أمّا إذا لم تكن الإفاضة من عرفات؛ فحينئذٍ لا يدخل في دائرة النهي، إذا لم يكن الاستقبال إلى القبلة لا يكون داخلاً في دائرة النهي، ما يُنهى عنه، وما يزجر عنه الشارع في الشبهات التحريمية هو عبارة عن أنْ يكون الفعل الصادر من المكلّف ينطبق عليه العنوان، هذا داخل في التكليف، غاية الأمر أنّه داخل في التكليف التحريمي، وفي دائرة النهي، ما ينهى عنه الشارع هو كون الفعل مطابقاً للعنوان، كون الإفاضة إفاضة من عرفات، هذا شيء يزجر عنه الشارع، كما أنّ كون الوقوف وقوفاً في عرفات يأمر به الشارع، كون الإفاضة إفاضة من عرفات هذا ينهى عنه الشارع، يعني يدخل في دائرة التكليف التحريمي، فأيّ فرقٍ بينهما من هذه الناحية ؟ في كلٍّ منهما متعلّق التكليف هو انطباق العنوان على الفعل الصادر من المكلّف، أو مطابقة الفعل للعنوان المذكور في الدليل، في كلٍ منهما متعلّق التكليف هو هذا، إذا فهمنا من(قف في عرفات) أنّ متعلّق التكليف هو كون الوقوف وقوفاً في عرفات أيضاً نفهم من قوله(تحرم الإفاضة من عرفات) هو أنّ متعلّق النهي هو كون الإفاضة إفاضة من عرفات لا كون الإفاضة إفاضة من غيره، وكون الاستقبال استقبالاً للقبلة، هذا هو متعلّق النهي، فأيّ فرقٍ بينهما، لماذا نجعل المطابقة في الشبهات التحريمية في التحريم شرطاً لاتّصاف الفعل بالتحريم ؟ بل نقول أنّ متعلّق الزجر ومتعلّق النهي هو أنْ يكون الفعل مطابقاً للعنوان وأنْ ينطبق عليه العنوان(لا تجعل إفاضتك إفاضة من عرفات)، و(لا تجعل استقبالك في حال التخلّي استقبالاً للقبلة) فيكون هو متعلّق التكليف، لكن متعلّق التكليف التحريمي، كما أنّ الانطباق والمطابقة في الشبهة الوجوبية هو متعلّق للوجوب وللتكليف الوجوبي، فالفرق بينهما ليس واضحاً، فإذا التزمنا في الشبهة الوجوبية للنكتة التي قالها بجريان الاشتغال، باعتبار أنّ الذمّة اشتغلت بهذه المطابقة بدخولها في دائرة المطلوبية، فلابدّ من الاشتغال عند الشك، هذا الكلام لابدّ من تطبيقه في الشبهة التحريمية أيضاً ولا مجال لجريان البراءة. هذه أيضاً ملاحظة على الكلام الذي ذكره.
صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في التنبيه الثالث من تنبيهات البراءة [1] ذكر كلاماً يُفهم منه أنّ الميزان في جريان البراءة هو تعددّ الحكم الذي نستطيع أنْ نعبّر عنه بالانحلال، أي كون الحكم حكماً انحلالياً متعددّاً في مقابل كون الحكم واحداً وعدم انحلاله، ففي حالة تعددّ الحكم والانحلال التزم بجريان البراءة، بينما في حالة وحدة الحكم وعدم الانحلال التزم بالاشتغال، وطبّق هذا الكلام في النهي، وكلامنا في الأعمّ من كون الحكم وجوب، أو تحريم، هو طبّقه على التحريم، وذكر في عبارته أنّ النهي عن شيء إذا كان بمعنى طلب تركه في زمانٍ، أو مكانٍ هنا لابدّ من إحراز أنّه تركه في ذلك الزمان، وذلك المكان، فإذا شكّ فيه بنحو الشبهة الموضوعية؛ فحينئذٍ لا يمكنه فعل هذا المشكوك؛ بل لابدّ من تركه؛ لأنّه لا يحرز أنّه ترك ذلك الفعل في هذا الزمان إلاّ إذا ترك المشكوك كونه من ذلك الفعل الذي نهى عنه، أو لا، فلو نهاه عن فعلٍ وهو يشك بنحو الشبهة الموضوعية أنّ هذا هل هو منه، أو لا ؟ يقول: هنا لا يمكنه أنْ يُحرز الخروج عن عهدة ما اشتغلت به الذمّة إلاّ بترك هذا المشكوك، فلابدّ من الاحتياط؛ لأنّ الاشتغال يجري في المقام، باعتبار أنّ هذا التكليف تكليف واحد غير متعدد، طلب منه ترك الأكل في هذا الزمان، فإذا شكّ في شيءٍ أنّه أكل، أو لا بنحو الشبهة الموضوعية، يجب عليه الاحتياط بترك هذا المشكوك؛ لأنّ الذمّة اشتغلت بترك هذا الفعل في هذا الزمان، وهو لا يحرز أنّه قد استجاب لذلك وترك هذا الفعل إذا ارتكب هذا المشكوك، فلابدّ من تركه باعتبار أنّ القاعدة تقتضي الاشتغال. وأمّا إذا كان النهي بمعنى طلب ترك كل فرد من المنهي عنه على حدا، أنّه معنى النهي عن الأكل يعني النهي عن كل فردٍ من أفراد المتعلّق على حدا، والذي يُستفاد منه تعدد الحكم والانحلال، أنّه يطلب منه ترك هذا الفعل بمعنى ترك كل فردٍ من أفراده بحيث أنّ هذا الفرد من أفراده يتعلّق به النهي ويُطلب تركه، والفرد الثاني أيضاً يتعلّق به النهي ....وهكذا. فإذن: هناك نواهي متعددة، أو طلب ترك متعدد بعدد أفراد هذا المتعلّق، فالفرد الذي يُعلم أنّه ينطبق عليه المتعلّق أنّه أكلٌ، هذا يتعلّق به نهي، ذاك أكل، يتعلّق به نهيٌ....وهكذا، يقول: حينئذٍ تجري البراءة في المقام، يعني إذا شُكّ بنحو الشبهة الموضوعية في أنّ هذا أكل، أو لا، هنا تجري البراءة؛ لوضوح أنّ الشكّ في أنّ هذا أكل، أو لا، يعني الشكّ في تعلّق النهي به؛ لأنّ هذا على تقدير أنْ يكون أكلاً في الواقع، إذن: هناك تكليف زائد غير ما عُلم، وإنْ لم يكن أكلاً في الواقع فلا يوجد تكليف زائد، فالشكّ في أنّ هذا أكل، أو لا يكون شكّاً في التكليف الزائد، فتجري البراءة. يقول هذا هو الميزان في جريان البراءة، ميزان جريان البراءة هو الانحلال وتعددّ الحكم. هذا الكلام لصاحب الكفاية(قدّس سرّه) لعلّه يتّحد مع ما نقلناه عن المحقق النائيني(قدّس سرّه) في الميزان الذي ذكره في بعض الموارد من أنّه جعل الميزان هو الانحلال، والانحلال يساوي افتراض تعدد الحكم، فيرجع إلى ذاك.
الملاحظة التي ذُكرت سابقاً أيضاً تجري في المقام، وهي أنّ الميزان ليس تعدد الحكم؛ لأننّا قد نفترض وحدة الحكم وبالرغم من ذلك تجري البراءة في الشبهة الموضوعية على ما تقدّم مثاله(أكرم العلماء) لكن بنحو العام المجموعي، هذا حكم واحد وتكليف واحد، وافتراض أنّ هذا المشكوك عالم لا يعني زيادة في التكليف، فالتكليف واحد متعلّق بالمجموع، وبالرغم من هذا تجري البراءة عند الشكّ في أنّ هذا عالم، أو لا ممّا يعني أنّ الميزان في جريان البراءة ليس هو تعددّ الحكم والانحلال.
الجواب عن هذه الملاحظة هو نفس ما ذكرناه اليوم، وهو أننّا إذا عممّنا وقلنا أنّ مقصود صاحب الكفاية (قدّس سرّه) من تعدد الحكم هو أننّا نعممّ الحكم الذي فرض أنّ تعددّه هو الميزان في جريان البراءة نعممّه للحكم الضمني، فإذا عممّناه تنتهي المشكلة؛ لأنّ هذا الميزان يبقى محفوظاً حتّى في مثل(أكرم العلماء) بنحو العام المجموعي؛ لأنّه بالرغم من كون أصل الحكم واحداً، وافتراض أنّ هذا المشكوك كونه عالماً، أو لا، افتراض أنّه عالم في الواقع لا يعني زيادة التكليف المستقل والتعددّ، لكنّه يعني التعدد في الأحكام الضمنية؛ لأنّ التكليف الواحد المتعلّق بالمجموع المأخوذ على نحو الشمولية يستلزم قطعاً تكاليفاً ضمنية متعلّقة بكل فردٍ من أفراد ذلك المجموع، يستلزم تحريكاً مولوياً متعلّقاً بكلّ فردٍ من أفراد ذلك المجموع، فالشكّ في أنّ هذا عالم، أو لا هو شكّ في التكليف الضمني الزائد على ما عُلم، شكّ في التحريك المولوي بالنسبة إليه زائداً على ما عُلم تحريك المولى نحوه من الأفراد المعلوم انطباق العنوان عليها. إذن: هو شكّ في التكليف، شكّ في التحريك المولوي، والميزان متحقق وهو تعددّ الحكم، إذا عممّنا الحكم في كلامه إلى ما يشمل الحكم الضمني والأحكام الضمنية كما هو الحال بالنسبة إلى كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه).
نعم، ذكر صاحب الكفاية (قدّس سرّه) [2] أنّ المرجع هو الاشتغال فيما إذا أريد بالنهي طلب ترك الشيء الذي يتعلّق به النهي في زمانٍ، أو مكانٍ، يقول هنا تجري قاعدة الاشتغال، مرّة يكون المراد بالنهي طلب ترك كل فردٍ من أفراد ذلك الشيء على حدة ـــــــــ كما في عبارته ـــــــــ هذا يعني الانحلال والتعددّ وتجري فيه البراءة، ومرّة يكون المراد به هو طلب ترك الفعل المنهي عنه في زمانٍ، أو مكانٍ، هنا قال تجري قاعدة الاشتغال، فلابدّ أنْ يترك الفعل الذي يشكّ في انطباق العنوان المنهي عنه عليه؛ لأنّه لا يحرز أنّه ترك الفعل في هذا الزمان إلاّ إذا ترك المشكوك بالإضافة إلى الأفراد المعلوم كونها منه. هذا قد ينافي هذا التوجيه الذي ذكرناه، إذا فسّرنا كلامه الذي هو مورد لقاعدة الاشتغال بالنهي المتعلّق بالمجموع كما فُسّر كلامه بالنهي المتعلّق بمجموع التروك في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان، تعلّق النهي بمجموع التروك في ذلك الزمان، أو في ذلك المكان يكون مثل تعلّق الأمر بالإكرام بمجموع العلماء، يكون نظيره لكن ذاك أمر وهذا نهي، كما قلنا هناك(أكرم العلماء إذا كانوا علماء) ملحوظ بنحو العام المجموعي يكون هناك تكليف واحد، وجوب واحد متعلّق بالمجموع، إذا فسّرنا كلامه هذا بالنهي بمعنى تركه في زمانٍ، أو مكانٍ، يعني تعلّق النهي بمجموع التروك التي تتأتى للمكلّف خلال هذا الزمان، مجموع التروك يكون هو المنهي عنه، هذا يكون بمثابة تعلّق الأمر بالعامّ المجموعي، هنا هو يصرّح بالاشتغال، هو يقول هنا يجري الاشتغال، فلا يمكن أنْ نوجّه كلامه السابق بأنّ مقصوده من التكليف ما يعمّ التكليف الضمني، وأنّه يكون مجرى للبراءة؛ لأنّه في هذا بالرغم من أنّ هذا يشبه(أكرم العلماء) إذا كان مأخوذاً على نحو العام المجموعي، لكنّه اختار فيه جريان الاشتغال. قد يكون هذا ينافي التوجيه الذي ذكرنا لكلامه، لتصحيح أنّ الميزان في جريان البراءة هو تعددّ الحكم والانحلال، لكن الذي يمكن أنْ يقال هو أنّ كلامه هنا في مورد الاشتغال هل يتعيّن تفسيره بما ذُكر، يعني عندما يقول بأنّه إنْ فسّرنا النهي عن الشيء بطلب تركه في زمانٍ، أو في مكانٍ، هل معنى ذلك أنّ المطلوب هو مجموع التروك ؟ هل مقصوده أنّ النهي يتعلّق بمجموع التروك على غرار تعلّق وجوب الإكرام بمجموع العلماء ؟ أو أنّ تفسيره يكون بتفسيرٍ آخر، وهو أنّ مقصوده تعلّق النهي بصرف وجود الشيء في هذا الزمان، لا أنّ النهي يتعلّق بمجموع التروك، وإنّما النهي يتعلّق بصرف وجود الشيء، وهناك فوارق بينهما ولا يشكّل ذلك مانعاً من التوجيه السابق المتقدّم.