35/04/01


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ أصالة التخيير
كان الكلام في الأقوال التي ذكرناها سابقاً وهي خمسة، وفي أنّه ما هو مقتضى القاعدة، ومقتضى الأصل عند دوران الأمر بين المحذورين، القول الأوّل كان هو أنّه تجري في المقام البراءتان الشرعية والعقلية، باعتبار أنّ دليل البراءتين يشمل المقام ولا مانع من جريان البراءة في محل الكلام
اعتُرض على جريان البراءتين في محل الكلام، أمّا الاعتراض على جريان البراءة الشرعية في محل الكلام، فله وجوه:
الوجه الأوّل: هو ما عن المحقق النائيني(قدّس سرّه)[1] من أنّ الحكم الظاهري لابدّ له من أثر شرعي، وإلاّ يكون جعله من قبل الشارع لغواً، ومن الواضح أنّ جعل البراءة في المقام لا اثر له؛ لأنّ المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك قهراً، فيكون جعل البراءة له من قبل الشارع لغواً؛ إذ لا أثر لهذا الحكم الظاهري في محل الكلام.
قد يُضاف إلى ذلك: أنّ لغوية الحكم الظاهري المستفاد من أدلّة البراءة الشرعية لعلّها باعتبار أنّ العقل يحكم بالتخيير بين العقل والترك، ومع حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك يكون جعل البراءة والإباحة لغواً وبلا فائدة.
السيد الخوئي(قدّس سرّه) كأنّه فهم من كلام المحقق أنّ اللّغوية ناشئة من أنّ المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك، فجْعل الإباحة الظاهرية من قبل الشارع في حقّه يكون لغواً؛ لأنّه ماذا تصنع هذه الإباحة سوى أنْ تبيح له الفعل، أو تبيح له الترك، وهذا شيء حاصل وقهري بالنسبة إليه؛ فلذا يكون جعلها لغواً؛ ولذا اعترض على المحقق النائيني(قدّس سرّه) بأنّ هذا لا يصلح مناطاً للغويّة،[2] وإلاّ لزم أن نحكم بلغوية جعْل الإباحة في سائر الموارد الأخرى؛ إذ في هذه الموارد أيضاً المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك، في الشبهات التحريمية ـــــــــ مثلاً ــــــــــ أيضاً المكلف لا يخلو إمّا أنْ يفعل، أو يترك، ومجرّد أن المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك، هذا لا يعني أنْ يكون جعْل الإباحة لغواً، وإلاّ للزم الالتزام بلغوية جعْل الإباحة في جميع الموارد، وليس فقط في دوران الأمر بين المحذورين؛ بل في غير دوران الأمر بين المحذورين أيضاً يلزم هذه اللّغوية؛ لأنّ المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك. هذا إذا قلنا بأنّ المحقق النائيني(قدّس سرّه) كان ناظراً إلى هذه المسألة لإثبات اللّغوية، مجرّد أنْ يكون المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك، هذا وحده يثبت لغوية جعْل الإباحة الظاهرية في حقّه. وأمّا إذا قلنا بأنّ منظور المحقق النائيني(قدّس سرّه) هو الشيء الآخر، أنّ لغوية جعْل الإباحة في حقّه باعتبار أنّ العقل يحكم بالإباحة ويحكم بالتخيير بين الفعل وبين الترك، بعد حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك كما اختاره المحقق النائيني(قدّس سرّه)؛ لأنّه يرى أنّ التخيير في المقام عقلي، بعد أنْ حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك، فجعْل الإباحة من قبل الشارع يكون لغواً، فاللّغوية إنّما تنشأ ليس من جهة أنّ المكلّف لا يخلو من الفعل، أو الترك، وإنّما تنشأ من حكم العقل بالتخيير بين الفعل والترك، باعتبار أنّ هذا التخيير يعني الترخيص من قبل العقل، وبعد فرض أنّ هذا الترخيص موجود من قبل العقل؛ حينئذٍ يكون جعل الترخيص والإباحة من قبل الشارع لغواً.
إذا كان هذا هو المقصود بالوجه الأوّل من الإشكال في جريان البراءة في محل الكلام، فجوابه هو نفس الجواب عندما يُستشكل في جريان البراءة في سائر الموارد؛ لأنّ العقل لا يحكم بالترخيص فقط في هذا المقام؛ بل حتّى في سائر الموارد العقل أيضاً يحكم بالترخيص بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فالعقل يحكم بالبراءة في موارد الشبهة التحريمية وفي موارد الشبهة الوجوبية في غير محل الكلام، بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان هناك حكم عقلي بالبراءة وبقبح العقاب، وهناك أيضاً يرد هذا الإشكال، وهو ما معنى أنّ الشارع يتصدّى ويجعل الإباحة ويجعل الترخيص الظاهري ؟ أليس جعل الترخيص الظاهري في موارد حكم العقل بالبراءة وباستحالة العقاب على الفعل، أو على الترك على اختلاف الموارد، أليس جعل الترخيص هذا من قبل الشارع يكون لغواً ؟! وبلا فائدة، وليس له أيّ اثر، فأنّ الأحكام الظاهرية إنّما تُجعل من قبل الشارع إذا كان لها أثر شرعي يترتب عليها، وهذا ليس له أثر، وليس له فائدة.
هذا الإشكال لا يختص بمحل الكلام؛ بل في كل موردٍ يحكم العقل فيه بالبراءة وباستحالة العقاب، أيضاً يقال: ما فائدة جعل الإباحة الظاهرية والترخيص الظاهري من قبل الشارع ؟ فأيضاً يلزم أنْ يكون جعله لغواً، ولعلّ هذا هو مقصود السيد الخوئي(قدّس سرّه)،يعني يريد أنْ يقول بأنّه لا يمكن الالتزام بلغوية جريان البراءة في محل الكلام لمجرّد أنّ العقل يحكم بالتخيير بين الفعل والترك، وإلاّ لابد أنْ نلتزم بذلك في سائر موارد جريان البراءة بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، في كل موردٍ يحكم فيه العقل بذلك الحكم؛ حينئذٍ يكون جعل ذلك الحكم من قبل الشارع لغواً؛ لأنّه بلا فائدة، وليس له أيّ أثر.
في الحقيقة الجواب هو الجواب، يعني إذا كان هذا هو الإشكال، فالجواب هو الجواب السابق، وهو أنّ هناك آثاراً تترتب على جعل الإباحة الظاهرية، فالعقل في موارد جريان البراءة لا يحكم بالإباحة، بينما الشارع يحكم بإباحةٍ ظاهريةٍ وهو حكم شرعي كسائر الأحكام الشرعية له ملاكاته وله مبادئه، هذه أحكام ظاهرية، والأحكام الظاهرية كالأحكام الواقعية، فهي أيضاً لها مبادئ، بالنتيجة لها مصالح ومفاسد؛ لأنّها أحكام ظاهرية، بينما الحكم العقلي ليس هكذا، الحكم العقلي فقط يخيّر المكلّف بين الفعل وبين الترك، هذا شيء وأنْ نقول أنّ هذا الفعل محكوم بالإباحة وأنّه مباح بإباحةٍ شرعية ظاهريةٍ مجعولةٍ من قبل الشارع، هذا حكم ظاهري يكون مجعولاً من قبل الشارع، ولم يستشكل أحد في جعل البراءة الشرعية، وفي شمول أدلّة البراءة الشرعية في موارد حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، كما أنّه لم يستشكل هناك في جريان البراءة في موارد حكم العقل، فالمقام أيضاً ينبغي أن لا نستشكل في جريان البراءة في محل الكلام في موارد حكم العقل بالتخيير بين الفعل وبين الترك.
الوجه الثاني: الذي مُنع على اساسه من جريان البراءة هو ما يقال من أنّ رفع الإلزام في مرحلة الظاهر إنّما يكون في المورد القابل للوضع، فكلّ موردٍ يكون قابلاً للوضع الظاهري يكون قابلاً للرفع الظاهري، والوضع الظاهري كما هو واضح هو عبارة عن إيجاب الاحتياط، ووضع التكليف في مرحلة الظاهر هو عبارة عن إيجاب الاحتياط تجاه التكليف المشكوك، هذا يُطلق عليه أنّه وضع للتكليف المشكوك في مرحلة الظاهر، فالتكليف الذي يمكن وضعه ظاهراً يمكن رفعه ظاهراً، والتكليف الذي يمكن جعل وجوب الاحتياط تجاهه عندما يكون مشكوكاً يمكن رفع وجوب الاحتياط تجاهه عندما يكون مشكوكاً، أمّا التكاليف التي لا يمكن وضعها ظاهراً، لا يمكن إيجاب الاحتياط بلحاظها، فلا يمكن رفعها أيضاً، فلا تشملها الأحاديث الدالّة على البراءة بلسان الرفع؛ لأنّ الرفع يقابل الوضع، والرفع والوضع أمران متقابلان تقابل الملكة والعدم، فالرفع إنّما يمكن حيث يمكن الوضع، حيث يكون الوضع ممكناً ومقبولاً؛ عندئذٍ يكون الرفع ممكناً، وأمّا حيث لا يمكن الوضع الظاهري للتكليف المشكوك؛ فحينئذٍ لا يمكن الرفع؛ فحينئذٍ لا يصحّ الاستدلال بالأدلّة والأحاديث الدالّة على البراءة إذا كانت واردة بلسان الرفع من قبيل حديث الرفع. وفي المقام لا يمكن وضع التكليف ظاهراً؛ لأنّ الوضع الذي يعني إيجاب الاحتياط غير ممكن؛ لأنّ المكلّف لا يتمكّن من الموافقة القطعية، المكلّف في محل كلامنا لا يمكنه الاحتياط؛ لأنّه غير قادر على الفعل والترك في آنٍ واحد، فهو لا يتمكّن من الاحتياط، ولا يتمكّن من الموافقة القطعية، وهذا معناه أنّ التكليف المشكوك لا يمكن وضعه ظاهراً، فإذن: لا يمكن رفعه ظاهراً، فلا تكون الأحاديث والروايات ـــــــــــ مثل حديث الرفع ــــــــــ شاملة لمحل الكلام. هذا الوجه الثاني لمنع جريان البراءة الشرعية في محل الكلام وهو كما هو واضح يختص بنمطٍ خاصٍ من أدلّة البراءة الذي هو وارد بلسان الرفع.
ويجاب عن هذا الوجه: بأنّ البراءة الشرعية، ولو كانت مستندة إلى حديث الرفع، عندما نريد إجراءها في محل الكلام، فنحن نجريها بالنسبة إلى كلّ طرفٍ على حِدة، فالبراءة تجري بلحاظ الوجوب المحتمل، وتجري بلحاظ الحرمة المحتملة في محل الكلام في دوران الأمر بين محذورين، ومن الواضح أنّ كلّ براءة عندما نجريها في طرفٍ، فالاحتياط في ذلك الطرف يكون أمراً ممكناً وليس محالاً، فأيّ ضير في أن يجعل الشارع الاحتياط بلحاظ احتمال الوجوب ؟ وأيّ ضيرٍ في أنْ يجعل الشارع الاحتياط بلحاظ احتمال التحريم، كل منهما أمر ممكن وليس محالاً، أن يقول الشارع(يجب عليك الاحتياط بلحاظ احتمال الوجوب) يعني يُلزم المكلّف احتياطاً بالفعل، هذا أمر ممكن ولا محذور فيه، أو يلزم المكلّف احتياطاً بالترك، أنْ يلزم المكلّف بالاحتياط بلحاظ احتمال التحريم. إذن: جعل الاحتياط في المورد الذي نريد إجراء البراءة فيه أمر ممكن، وعلى هذا الأساس نقول أنّ رفع الاحتياط بإجراء البراءة في هذا الاحتمال أمر ممكن، كما أنّ رفع الاحتياط بإجراء البراءة في الاحتمال الآخر أيضاً يكون أمراً ممكناً؛ لأنّ الشارع قادر على وضع وجوب الاحتياط في هذا الطرف ووضع وجوب الاحتياط في ذاك الطرف، فإذا كان قادراً على وضع وجوب الاحتياط، ووضع التكليف المشكوك في مورد احتماله، فهو قادر على رفع التكليف المشكوك ظاهرياً بنفي وجوب الاحتياط وبجعل البراءة.
بعبارةٍ أخرى: أنّ من الواضح جدّاً أنّ جعل الاحتياط بالنسبة إلى كل طرفٍ أمر ممكن وليس محالاً، وإنّما المحال هو أنْ يُجعل الاحتياط بلحاظ كلٍ منهما في آنٍ واحدٍ بأن يُطلب من المكلّف أنْ يحتاط بلحاظ الفعلٍ والترك في آنٍ واحدٍ، هذا هو الغير ممكن، أمّا أن يُجعل الاحتياط بلحاظ التحريم، فهذا ليس فيه محذور، أو يُجعل الاحتياط بلحاظ الوجوب، هذا أيضاً ليس فيه محذور، وهذا المقدار، يعني إمكان جعل الاحتياط بلحاظ هذا الطرف، وإمكان جعل الاحتياط بلحاظ هذا الطرف، هذا يكفي للقدرة على رفع الاحتياط في كلٍ منهما، يعني إجراء البراءة في كلٍ منهما، باعتبار أنّ القدرة على ترك الجميع لا تتوقّف على القدرة على فعل الجميع، وإنّما تتوقّف على القدرة على كل واحدٍ من أفراد ذلك الجميع، ولا تتوقّف على القدرة على فعل الجميع في عرضٍ واحد حتّى نقول أنّ هذا قادر على ترك الجميع، ترك الجميع يكفي فيه القدرة على فعل كل واحدٍ واحدٍ من الجميع، إذا كان الإنسان قادراً على فعل هذا، وفعل هذا، وفعل هذا، إذن: هو قادر على ترك الجميع، القدرة على ترك الجميع لا تتوقّف على افتراض القدرة على فعل الجميع في عرضٍ واحد؛ بل حتّى إذا كان غير قادر على أنْ يجمع بين الأفراد في عرضٍ واحدٍ، ما دام هو قادر على فعل كل واحد من هذه الأفراد كلٌ على حِدة، فهو قادر على ترك الجميع، إذن: القدرة على ترك الجميع يكفي فيه القدرة على هذا الفرد، والقدرة على هذا الفرد.....وهكذا، ولا تتوقّف على القدرة على جميع الأفراد في عرضٍ واحد حتّى يقال أنّ هذا غير قادر على الإتيان بجميع الأفراد في آنٍ واحد. إذن: هو غير قادر على الترك. هذا الكلام نفسه نطبّقه في محل الكلام، يقال في الإشكال: رفع التكليف المشكوك في مرحلة الظاهر لإجراء البراءة بالنسبة إلى كلٍ من الطرفين محال وغير ممكن؛ لأنّ الشارع غير قادر على أنْ يضع هذا التكليف المشكوك ظاهرياً، ويضع هذا التكليف المشكوك ظاهرياً، يعني هو غير قادر على الجمع بين هذين الوضعين، هذا صحيح، هو غير قادر على الجمع بين الأمرين، بمعنى أنْ يجعل الاحتياط بلحاظ كلٍ منهما في آنٍ واحد، هذا محال، لكنّ الرفع الظاهري لكلٍ منهما لا يتوقّف على أنْ يكون قادراً على الوضع بلحاظ كلٍ منهما في آنٍ واحد، وإنّما يتوقّف على أنْ يكون قادراً على هذا الوضع، وأن يكون قادراً على هذا الوضع، ولا إشكال في أنّ إيجاب الاحتياط أمر ممكن بلحاظ كل من الاحتمالين، بلحاظ التحريم يمكن جعل وجوب الاحتياط، وبلحاظ الوجوب يمكن جعل وجوب الاحتياط، هذا يكفي في القدرة على رفع وجوب الاحتياط في كلٍ منهما، فيكون رفع وجوب الاحتياط بلحاظ كلٍ منهما أمراً مقدوراً؛ لأنّ وضع وجوب الاحتياط بلحاظ كلٍ منهما أمر مقدور، فيكون رفع وجوب الاحتياط بلحاظ كل واحد منهما أيضاً أمراً مقدوراً، فلا مانع من شمول دليل الرفع لمحل الكلام، وإنْ كان الجمع بين هذين الوضعين في آنٍ واحدٍ ليس أمراً مقدوراً، لكن الرفع لكلٍ منهما لا يتوقّف على ذلك، وإنّما كما قلنا يتوقّف على إمكان وضع التكليف في كل واحدٍ منهما، وهذا أمر مقدور وممكن في محل الكلام، فيكون الرفع أيضاً أمراً ممكناً. في فعل الضدين ــــــــــ مثلاً ــــــــــ لا إشكال في أنّ المكلّف غير قادر على الجمع بينهما، لكنّه قادر على تركهما؛ لأنّ القدرة على ترك الضدّين يكفي فيها القدرة على فعل كل منهما، هو قادر على فعل هذا الضد، وقادر على فعل هذا الضد، فإذن: هو قادر على تركهما، فالقدرة على تركهما لا تتوقّف على فعلهما معاً وفي عرضٍ واحد حتّى يقال أنّ القدرة على فعلهما معاً وفي عرض واحد محال، إذن: هو غير قادر على تركهما؛ بل هو قادر على تركهما لمجرّد أنْ يكون قادراً على فعل هذا وقادراً على فعل هذا. في محل الكلام إيجاب الاحتياط بلحاظ التحريم أمر ممكن من قبل الشارع بلا إشكال، وإيجاب الاحتياط بلحاظ الوجوب أمر ممكن من قبل الشارع بلا إشكال، إذن: رفع إيجاب الاحتياط في كلٍ منهما أمر ممكن، وإجراء البراءة والتمسّك بحديث الرفع في محل الكلام هو عبارة عن إثبات الرفع الظاهري، والبراءة في كلٍ منهما، وهذا أمر ممكن؛ لأنّ الوضع الظاهري أيضاً ممكن في كلٍ منهما.
الوجه الثالث: هذا الوجه يختص بما إذا كان مفاد الدليل هو الحلّية؛ لأنّ بعض أدلّة البراءة مفادها الرفع كما في حديث الرفع، وبعضها مفاده كل شيءٍ لك حلال وأمثاله، بناءً على إمكان الاستدلال وصحّة الاستدلال بها على الإباحة والبراءة. حاصل هذا الوجه الذي يمنع من إجراء هذه الأدلّة في محل الكلام: هو أنّ مفاد أدلّة الحلّية هو جعل الحلّية الظاهرية، والمأخوذ فيها احتمال المطابقة للواقع، وأمّا إذا فرضنا أنّ الإباحة الظاهرية التي نريد إثباتها في محل الكلام لم تكن مطابقة للواقع؛ بل نجزم بأنّها ليست مطابقة للواقع؛ حينئذٍ لا يمكن جعل هذه الإباحة الظاهرية، لا يمكن إثبات الإباحة الظاهرية من أدلّة الحل؛ لأنّ جعل الإباحة الظاهرية مشروط باحتمال مطابقة الإباحة للواقع، وأمّا إذا جزمنا بعدم المطابقة، وأنّه لا إباحة في الواقع؛ حينئذٍ لا يمكن جعل الإباحة الظاهرية، وفي محل الكلام ـــــــــــ دوران الأمر بين المحذورين ـــــــــــ نحن نجزم بعدم الإباحة في الواقع؛ لأنّ الأمر يدور بين الوجوب والتحريم، قطعاً هذا ليس مباحاً لأنّ أمره ـــــــــــ بحسب الفرض ــــــــــــ يدور بين الوجوب وبين التحريم، فإذا كانت الإباحة الواقعية غير محتملة أصلاً، فكيف يمكن جعل الإباحة الظاهرية، فكأنّ من شرائط إثبات الإباحة كحكم ظاهري أن يكون المكلّف يحتمل مطابقتها للواقع كما هو الحال في الشبهات التحريمية، وكما هو الحال في الشبهات الوجوبية، احتمال الإباحة واقعاً موجود، ويُعقل جعل الإباحة الظاهرية، أمّا حيث لا يُحتمل الإباحة الظاهرية، فلا يُعقل ولا يمكن جعل الإباحة الظاهرية. هذا نظير ما يُقال في باب الإمارات، فأنّ الحجّية أيضاً حكم ظاهري، هناك يُقال أيضاً بأنّ جعل الحجّية للإمارة إنّما يُعقل حيث يُحتمل مطابقة الإمارة للواقع، ولا معنى لجعل الحجّية للإمارة حيث لا يُحتمل ذلك كما إذا علمنا بعدم مطابقة الإمارة للواقع، أو علمنا بمطابقتها للواقع، على كلا التقديرين لا معنى لجعل الحجّية للإمارة. إذا علمنا بعدم مطابقتها للواقع، فجعل الحجّية لها لا محل له للعلم بكذبها، كما أنّه عند العلم بمطابقة الإمارة للواقع أيضاً لا تحتاج إلى جعل الحجّية، فإنّما يمكن جعل الحجّية عند احتمال مطابقة الإمارة للواقع. نظير هذا كأنّه يُقال في محل الكلام؛ لأنّ جعل الإباحة الظاهرية في محل الكلام مشروط باحتمال مطابقة ما هو المجعول للواقع، وفي محل الكلام لا يُحتمل المطابقة للقطع بعدم الإباحة، فلا معنى لجعل الإباحة الظاهرية.