35/05/10


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ أصالة التخيير
قلنا بأنّ قد يُلاحظ على الرأي الذي اختاره المحقق النائيني(قدّس سرّه) من تقديم الأهم على المهم، يُلاحظ عليه بأنّه لا ينسجم مع المبنى الذي يبني عليه القائلون بتنجيز العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية بنحو العلّية التامّة الذي يعني استحالة الترخيص في المخالفة القطعية مع فرض بقاء العلم بالتكليف، وهذا المحذور يلزم من القول بتقديم الأهم، تقديم الأهم يعني أن نقدّم الأهم ونلتزم بوجوب الموافقة القطعية للأهم وإن استلزم ذلك المخالفة القطعية للمهم، فإذن، نحن بتقديم الأهم سوف نرخّص للمكلّف في أن يرتكب المخالفة القطعية للتكليف المهم، والمفروض أنّ التكليف المهم وصل إلى المكلّف ولو إجمالاً، والمفروض أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال على نحو العلّية التامّة الغير القابلة للانفكاك؛ وحينئذٍ كيف يُعقل الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال.
ولا يرد على هذا الإشكال بأنّه كيف رخّصوا في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم في موارد التزاحم الامتثالي، حيث رخّصوا في موارد التزاحم الامتثالي في مخالفة التكليف المهم وقدّموا الأهم ؟ قلنا أنّ الجواب عن هذا هو ما ذكروه من أنّ التكليف المهم يرتفع حقيقة في باب التزاحم الامتثالي عند الاشتغال بالأهم، فإذا ارتفع حقيقة ولم يعد التكليف بالمهم فعلياً عند الاشتغال بالأهم؛ حينئذٍ لا مشكلة في مخالفته، الترخيص في مخالفة تكليفٍ من هذا القبيل لا يكون حينئذٍ ترخيصاً في المعصية القبيحة بنظر العقل؛ لأنّ هذا التكليف لم يعد فعلياً عند الاشتغال بالأهم، فلا مشكلة في الترخيص في مخالفته، هذا نقوله في موارد التزاحم الامتثالي، لكن في محل الكلام إلى هنا يبدوا أنّ التكليف المهم فعلي؛ لأنّ التكليف المهم في موارد التزاحم الامتثالي إنّما خرج عن الفعلية باعتبار سقوط إطلاق خطابه؛ لأننّا قلنا باستحالة بقاء إطلاق الخطابين على حاله، وحيث أنّ أحدهما مهم، فيسقط، يتعيّن خطاب المهم للسقوط، فيكون هو الساقط في حالة الاشتغال بالأهم يسقط الخطاب بالمهم؛ فلذا قالوا بأنّ التكليف بالمهم يسقط في حال الاشتغال بالأهم؛ وحينئذٍ لا محذور في مخالفة تكليفٍ ساقطٍ عن الفعلية، لا خطاب به فعلاً، ولا يلزم من ذلك الترخيص في المعصية القبيحة بنظر العقل، فلا مشكلة هناك، لكن في محل الكلام المفروض أنّ إطلاق خطاب المهم باقٍ على حاله؛ لأنّه لا يوجد تزاحم امتثالي بين الامتثالين؛ لأنّ المفروض في محل الكلام قدرة المكلّف على الجمع بين الامتثالين، هو يتمكن أن يجمع بين امتثال الوجوب وامتثال التحريم في كل علمٍ إجمالي، يتمكن من أن يجمع بين امتثال المحتملين، إذن، لا تزاحم امتثالي يستوجب سقوط الإطلاق في الخطابين معاً، أو في أحدهما، وهذا معناه أنّ إطلاق خطاب المهم يبقى على حاله كما هو الحال في إطلاق خطاب الأهم، فإذا كان إطلاق خطاب المهم باقياً على حاله حتّى في حالة الاشتغال بالأهم يرد هذا الإشكال فيقول أنّ هذا المكلّف علم بهذا التكليف بالإجمال، ووصل إلى المكلّف ولو إجمالاً، مقتضى العلّية التامّة هي حرمة مخالفته القطعية، هو تكليف فعلي وإطلاق خطابه باقٍ على حاله، فتحرم مخالفته القطعية بحكم العقل ويستحيل بحكم العقل الترخيص في مخالفته، فكيف رُخّص في مخالفته بالالتزام بتقديم الأهم، هذا هو الإشكال.
ومن جهة أخرى مسألة استحالة الترخيص في مخالفة التكليف الواصل إلى المكلّف والذي يعلم به المكلّف ولو علماً إجمالياً، لا فرق فيها بين الترخيص الشرعي والترخيص العقلي؛ لأنّ كلاً منهما يكون محالاً، الترخيص الشرعي الظاهري محال، والترخيص العقلي أيضاً يكون محالاً؛ لأنّه أساساً لماذا يُقال باستحالة الترخيص ؟ باعتبار أنّ الترخيص هو ترخيص في المعصية القبيحة بنظر العقل، أنّ مخالفة التكليف المعلوم قبيحة، فالترخيص فيها ترخيص في المعصية القبيحة بنظر العقل؛ فحينئذٍ لا يمكن للعقل أنّ يُرخّص فيما يحكم بقبحه؛ لأنّه بحسب الفرض العقل يحكم بقبح المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال ويحكم باستحالة ذلك، ويحكم بامتناعه، فإذن: لا يُعقل أن يحكم العقل بالترخيص، كما لا يُعقل أن نفترض أنّ الشارع يحكم بالترخيص الظاهري في هذا المقام؛ لأنّ الشارع لا يحكم بالترخيص في الأمر الذي يدرك العقل قبحه ويكون ممتنعاً.
هذا الإشكال في الحقيقة لا يمكن تجاوزه إلاّ بأن نفترض أنّ محل الكلام من قبيل التزاحم الامتثالي كما أننّا هناك تخلّصنا من الإشكال بالالتزام بعدم فعلية التكليف بالمهم، هنا أيضاً نلتزم بعدم فعلية التكليف بالمهم، إذا أمكن الالتزام بذلك حينئذٍ لا يرد الإشكال على المحقق النائيني(قدّس سرّه)، فكما قدّمنا الأهم في موارد التزاحم الامتثالي بأن التزمنا بأنّ المهم في موارد التزاحم لا يكون فعلياً، فالترخيص في مخالفته ليس أمراً قبيحاً، وليس محالاً، فيُرخّص في مخالفته، إذا أمكن الالتزام بذلك في محل الكلام؛ حينئذٍ يرتفع الإشكال، بأن نقول بأنّ التكليف بالمهم، يعني الحرمة في المثال الذي فرضناه ليست فعلية عندما تتزاحم مع الوجوب ـــــــــــ التزاحم بلحاظ وجوب إحراز الامتثال لا بلحاظ أصل الامتثال ــــــــــ هذه الحرمة لا تكون فعلية، وإنّما تخرج عن الفعلية؛ وحينئذ يرتفع الإشكال والترخيص في مخالفتها يكون غير ممتنع ولا يكون قبيحاً بنظر العقل، لكن هل يمكن الالتزام بهذا ؟
بعبارة أخرى: هل يمكن إثبات هذا المعنى الرافع للإشكال في محل الكلام عن طريق الالتزام بخروج المهم عن دائرة حقّ المولوية ودائرة حق الطاعة هل يمكن ذلك ؟ الالتزام بخروج المهم عن دائرة حق الطاعة وحقّ المولوية هل يرفع الإشكال ؟ هذا الشيء الذي فرضه السيد الشهيد(قدّس سرّه) سابقاً، قلنا أنّه أجاب به الجواب الثاني كان عن الوجه الأوّل، كان يقول أنّ المهم يخرج عن حق الطاعة وعن دائرة حق المولوية، إذا فرضنا ذلك، أنّ المهم في حالةٍ من هذا القبيل يخرج عن حقّ الطاعة والمولوية، هذا يرفع الإشكال، أو لا ؟
قد يقال بأنّه يرفع الإشكال، بقطع النظر عن أنّنا نؤمن به، أو لا، هذا سيأتي، لكن على فرض أننا آمنّا بأنّ التكليف المهم يخرج عن دائرة حق الطاعة والمولوية، باعتبار أنّ الأهم هو الأقرب طاعةً إلى الله(سبحانه وتعالى)، وحينما يتزاحمان ولو تزاحماً في مقام إحراز الامتثال؛ فحينئذٍ يكون إحراز موافقة ذاك أهم من موافقة المهم، فيّقدم إحراز موافقة الأهم وإن استلزم ذلك المخالفة القطعية للمهم، هو ذكر أنّ هذا إنّما يكون جائزاً باعتبار أنّ المهم في حالة من هذا القبيل يخرج عن دائرة حق الطاعة وحق المولوية، الظاهر أنّ هذا يرفع الإشكال، باعتبار أنّ معنى خروج المهم عن حقّ الطاعة هو أنّ التكليف بالمهم لا يثبت فيه حقّ الطاعة لله(سبحانه وتعالى)، ليس له حقّ الطاعة في هذا التكليف، وهذا معناه أنّ المكلّف لو عصى المهم؛ حينئذٍ لا يكون مستحقاً للمؤاخذة والعقاب من قبل المولى؛ لأنّ المولى ليس مولى بلحاظه، ليس له حقّ الطاعة بلحاظ هذا التكليف؛ لأنّنا حكمنا بخروج هذا التكليف عن دائرة حق الطاعة، فليس له حق الطاعة بالنسبة إلى هذا التكليف، فلو خالف المكلّف ولم يمتثل هذا التكليف؛ حينئذٍ لا يكون مستحقاً للمؤاخذة؛ لأنّ المولى ليس له حق الطاعة في هذا التكليف، وهذا معناه في الحقيقة أنّ مخالفة مثل هذا التكليف ليست قبيحة بنظر العقل بعد افتراض خروجه عن دائرة حق الطاعة، نكتة القبح التي يحكم العقل بها هي المعصية، هذا يعصي المولى ومعصية المولى قبيحة بنظر العقل، فالترخيص في المعصية أيضاً يكون قبيحاً، النكتة هي إدراك العقل بقبح المعصية، والترخيص في القبيح قبيح، فالترخيص في المعصية يكون قبيحاً، لكن حيث يخرج التكليف عن دائرة حق الطاعة وحق المولوية ولا يكون للمولى فيه حق الطاعة، الذي معناه أنّ العقل لا يرى قبحاً في مخالفة تكليفٍ من هذا القبيل، إذن، لا تكون مخالفته قبيحة بنظر العقل، إّنـ الترخيص في مخالفة مثل هذا التكليف ليس ترخيصاً في المعصية ولا يرى العقل قبحه ولا يرى أنّه ترخيص في المعصية، ولا يرى أنّه أمر ممتنع؛ لأنّه خرج عن دائرة حقّ الطاعة والمولوية، في المهم هو أن نرى أنّ العقل ماذا يحكم؛ لأنّ العقل هو الحاكم في هذا المقام، هو الذي حكم بحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم ولو إجمالاً، لكن إنّما يحكم بذلك عندما يكون التكليف فعلياً واصلاً في دائرة حق الطاعة، فيحكم بقبح مخالفته وامتناع الترخيص في مخالفته، أمّا عندما لا يكون فعلياً كما في موارد التزاحم الامتثالي، باعتبار عدم ثبوت إطلاق خطابه في حالة التزاحم الامتثالي، أو لا يكون داخلاً في دائرة حقّ الطاعة كما هو المدّعى في محل الكلام، على كِلا التقديرين العقل لا يرى أنّ مخالفة مثل هذا التكليف أمراً قبيحاً، ولا يرى أنّ الترخيص في مخالفة مثل هذا التكليف ترخيص في المعصية؛ لأنّه خارج عن دائرة حق الطاعة، ليس للمولى حقّ الطاعة فيه حتّى تكون مخالفته معصية، والترخيص في المخالفة ترخيص في المعصية وهذا قبيح في نظر العقل. إذن: يبدو أنّ الالتزام بخروج التكليف المهم في حالة التزاحم مع الأهم في محل الكلام، التزاحم كما قلنا بلحاظ وجوب إحراز الامتثال لا في أصل المثال، الظاهر أنّه يدفع الإشكال أيضاً؛ لأنّ الحاكم بوجوب الطاعة وحرمة المخالفة ووجوب الموافقة القطعية للتكليف المولوي هو العقل، فلابدّ أن نرجع إلى العقل، لماذا يحكم بوجوب الطاعة ؟ لماذا يحكم بحرمة المخالفة ؟ لأنّ المخالفة معصية للمولى، وهو يرى أنّ معصية المولى(سبحانه وتعالى) أمر قبيح، فيحكم بقبح معصية المولى(سبحانه وتعالى) هذا هو أساسها، عندما يفترض أنّ التكليف خارج عن دائرة حق الطاعة، العقل لا يرى في مخالفته معصية، ولا يرى أنّ الترخيص في المخالفة ترخيص في المعصية القبيحة بنظر العقل؛ فحينئذٍ يندفع الإشكال؛ لأنّ الإشكال يقول لا يمكن افتراض العلم بالتكليف مع افتراض عدم حرمة مخالفته، أو الترخيص في مخالفته، هذا صحيح، أنّ التكليف المعلوم ولو إجمالاً تحرم مخالفته القطعية بنظر العقل، والعقل يرى أنّ الترخيص في مخالفته القطعية ترخيص في المعصية القبيحة ويراه ممتنعاً، لكن هذا حيث لا يكون التكليف خارجاً عن دائرة حق الطاعة، وحيث يكون التكليف فعلياً وداخلاً في دائرة حق الطاعة، العقل يقول بذلك. أمّا إذا لم يكن التكليف فعلياً، وليس داخلاً في دائرة حقّ الطاعة، العقل لا يرى قبحاً في الترخيص، ولا يرى قبحاً في المخالفة؛ فحينئذٍ لا مانع من افتراض تقديم الأهم وإن استلزم ذلك الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المهم.
إلى هنا يتبيّن أنّه لا يوجد مانع، إذا افترضنا كما قلنا أنّ التكليف المهم يخرج عن دائرة حقّ الطاعة في حالات التزاحم في الامتثال ليس هناك مانع من ناحية العقل في تقديم وجوب الموافقة القطعية للتكليف الأهم على حرمة المخالفة القطعية للتكليف المهم، يعني لا مانع من تقديم وجوب المخالفة القطعية للتكليف الأهم وإن استلزم ذلك الوقوع في ارتكاب المخالفة القطعية للتكليف المهم، لا يوجد مانع بنظر العقل، لكن هذا عندما نفترض خروج التكليف المهم عن دائرة حق الطاعة.
وأمّا ما تقدّم سابقاً من أنّ تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية تعليقي، بينما تأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية تنجيزي؛ فحينئذ تتقدّم المخالفة القطعية على الموافقة القطعية؛ لأنّ وجوب الموافقة القطعية معلّق على عدم حرمة المخالفة القطعية، فإذا ثبتت حرمة المخالفة القطعية تكون مانعة من وجوب الموافقة القطعية، فكيف تقدّمون وجوب الموافقة القطعية على حرمة المخالفة القطعية ؟ الذي هو معناه تقديم الأهم. هذا الكلام الذي تقدّم في الوجه الأوّل، وجوابه أيضاً تقدّم، جوابه هو الجواب الأوّل المتقدّم، حيث تقدّم سابقاً أنّ التعليقية في وجوب الموافقة القطعية صحيحة، لكن ليس معناها هو أنّ تأثير العلم الإجمالي معلّق على عدم حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية حتّى يقال أنّ حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية تنجيزي، فإذا ثبت يكون مانعاً من وجوب الموافقة القطعية، ليس معناها ذلك، وإنّما معناها أنّها معلّقة على عدم ورود ترخيص من الشارع في ترك الموافقة القطعية، العقل يحكم بلزوم الموافقة القطعية للتكليف المعلوم مالم يرخّص الشارع في ترك الموافقة، هذا معنى التعليقية؛ ولذا يكون الترخيص الشرعي في ترك الموافقة القطعية أمراً معقولاً ومقبولاً، ورافعاً لموضوع حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية، ومن الواضح أنّ المعلّق عليه حاصل في محل الكلام بالفرض، إذ المفروض أنّه لا يوجد لدينا دليل شرعي يدل على الترخيص في ترك الموافقة القطعية، فيكون تأثير العلم الإجمالي في وجوب الموافقة القطعية تنجيزياً كتأثير العلم الإجمالي في حرمة المخالفة القطعية، فلا تكون المخالفة القطعية رافعة ومانعة من وجوب الموافقة القطعية، كل منهما تنجيزي فيقع التزاحم بينهما لا أنّ أحدهما يكون رافعاً لموضوع الآخر. هذا هو الجواب عن ما قيل سابقاً.
الشيء الوحيد الذي يبقى هو أنّه هل نحن ندرك بعقولنا أنّ المهم في حالة من هذا القبيل، في محل الكلام يخرج عن دائرة حقّ الطاعة وحق المولوية ؟ هل يدرك العقل بأنّه ليس للمولى حقّ الطاعة في المهم ؟ حتّى يتمّ هذا الكلام ويندفع الإشكال ونلتزم بما ذكرهالمحقق النائيني(قدّس سرّه) من لزوم تقديم الأهم. الحقيقة لأجل الجواب عن ذلك لابدّ أن نرجع إلى العقل الحاكم في هذا المقام لنسأله أنّه في حالة من هذا القبيل وقع تزاحم بلحاظ كيفية الامتثال لا بلحاظ أصل الامتثال، بلحاظ إحراز الامتثال بين الوجوب المعلوم بالإجمال وبين الحرمة المعلومة بالإجمال مع افتراض أنّ الوجوب أهم، أو محتمل الأهمية، وحينما نقول أهم، أو محتمل الأهمية مقصودنا عند الشارع، بمعنى أنّ الشارع يهتم به، الغرض الذي يترتب على الوجوب هو أهم بنظر الشارع من الغرض الذي يترتّب على التحريم، أو محتمل الأهمية، في هذه الحالة يقول العقل بأنّ المهم في هذه الحالة عندما يقع التزاحم في كيفية الامتثال وفي إحراز الامتثال، المهم يخرج عن دائرة حقّ الطاعة ويحكم العقل بلزوم مراعاة الأهم وموافقته القطعية وإن استلزم ذلك المخالفة القطعية للمهم.
بعبارة أخرى: يقدّم لزوم إحراز الامتثال للأهم على لزوم إحراز الامتثال للمهم؛ لأنّ الغرض الذي يترتب على الوجوب أهم بنظر الشارع من الغرض الذي يترتب على التحريم المهم، اهم منه أو محتمل الأهمية، هل يحكم العقل بهذا الشكل، وخروج المهم عن دائرة حق الطاعة، وأنّ المولى ليس له حق الطاعة في هذا التكليف المحتمل، أو لا ؟
في الحقيقة إذا رجعنا إلى العقل لا يبعد أن يقال بذلك، باعتبار أنّ التزاحم سوف يكون بين غرضين شرعيين، هناك غرض يترتّب على هذا التشريع، وهناك غرض يترتب على ذاك التشريع مع افتراض أنّ أحد الغرضين أهم عند الشارع وبنظر الشارع، العقل عندما يُلاحظ هذه الحالة، لو فرضنا أنّ الغرض كان مراداً تكوينياً للشارع نفسه، العقل يرى بأنّ الشارع نفسه سوف يتحرك نحو غرضه الأهم، وإن فاته الغرض المهم، وكل عاقل يقوم بذلك عندما يقع التزاحم بين غرضين أحدهما مهم والآخر أهم، نجد أنّ الإنسان العاقل سوف يتحرك لإحراز الإتيان بالغرض الأهم، وإن لزم من ذلك تفويت الغرض المهم؛ لأنّ هذا أهم وإحرازه يكون لازماً بنظر العقل، العقل يرى أنّ العبد بمنزلة الآلة للمولى في أغراضه التكوينية، فالعقل يدرك بأنّه على العبد أن يتحرك لإحراز الغرض الأهم بالنسبة إلى المولى سبحانه وتعالى، أن يتحرّك نحوه ويحرز امتثاله وإن كان يلزم من ذلك تفويت الغرض المهم، إذا فرضنا أنّ العقل يحكم بذلك؛ حينئذٍ يقال في محل الكلام يمكن دفع الإشكال المتقدّم بالالتزام بأنّ التكليف المهم يخرج عن دائرة حق الطاعة والمولوية في حالة التزاحم التي نتكلّم عنها. وبالنتيجة هذا الكلام نقوله عندما تكون أهمية الغرض المعلومة، أو المحتملة تكون بدرجة بحيث يدرك العقل فيها هذا الشيء، يدرك أنّه لابد من تقديم إحراز تحصيل الغرض الأهم على الغرض المهم، عندما لا يمكنه إحراز كل منهما، يقول أنّه لابدّ من تقديم إحراز الغرض الأهم، إذا كانت درجة الأهمية عند المولى واصلة إلى هذه الحالة؛ حينئذٍ هذا هو الكلام المتقدّم، وأمّا إذا فرضنا أنّ درجة الأهمية ليست واصلة إلى هذه الدرجة، فرضاً أنّه محتمل الأهمية، لكنّها أهمية ليست بالغة إلى درجة بحيث أنّ العقل يحكم فيها بلزوم الموافقة القطعية للتكليف الأهم، وتحصيل الغرض الأهم؛ حينئذٍ في هذه الحالة يدور الأمر بين إمّا لزوم الموافقة القطعية للتكليف الأهم، هذا احتمال، أو نقول بلزوم الموافقة الاحتمالية لكِلا الغرضين، الذي قلنا أنّها تحصل بالإتيان بالفعل في كلا اليومين، أو الترك في كِلا اليومين، هذا احتمال آخر، أو نقول بالتخيير الاستمراري، التخيير مطلقاً، يعني في اليوم الأوّل هو مخيّر بين الفعل والترك، في اليوم الثاني هو أيضاً مخيّر بين الفعل والترك، وتحقيق هذه الأمور على ماذا يُبنى ؟ سيأتي في بحث أصالة الاشتغال. وبهذا يتمّ الكلام عن هذا الفرع.