35/05/22


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
المطلب الذي ذكرناه سابقاً على كل حال، تمّ، أو لم يتم علينا أن ندخل في بحث تفسير حقيقة العلم الإجمالي بشكلٍ غير مفصّل. تبين ممّا تقدّم أنّ هناك ثلاث آراء في تفسير العلم الإجمالي وأنّه هل يتعلّق بالجامع، أو يتعلّق بالواقع، أو يتعلّق بالفرد المردّد ؟ كل هذه الآراء هي محل إشكالٍ ومناقشةٍ، كلُ واحدٍ منها هناك اعتراض عليه، نستعرض هذه الاعتراضات على هذه الآراء الثلاثة لنرى أننّا إلى أيّ نتيجةٍ ننتهي.
أمّا الرأي الأوّل الذي يرى بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد المردّد الذي يظهر من كلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه) الميل إليه واختياره، اعتُرض عليه بالاعتراض المعروف، بأنّ من غير المعقول أنّ يتعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد، باعتبار أنّ الفرد المردّد لا يُراد به في المقام مفهوم الفرد المردّد، وإنّما يُراد به واقع الفرد المردّد وما يكون فرداً مردّداً بالحمل الشايع، وهذا لا ثبوت ولا تعيّن له في أيّ وعاءٍ فُرض، سواء كان في الذهن، أو كان في الخارج لا تعيّن له ولا ثبوت له لأنّ الترديد ينافي التعيّن والثبوت، فهو لا تعيّن له في الواقع ولا تعيّن له في الخارج، فإذن: كيف يُعقل أن يتعلّق به العلم والحال أنّه لا تعيّن له ولا ثبوت له في أيّ وعاءٍ، باعتبار أنّ ايّ شيءٍ يُفرض؛ حينئذٍ لابدّ أن يكون مُعيّناً، وحسب تعبير المحققين يكون هو هو لا هو أو غيره، فإذا فرضنا الشيء فلابدّ أن يكون هذا الشيء له تعيّن ولا يُعقل أن يكون مردداً بينه وبين غيره.
وبعبارة أخرى: أنّ كل ماهية لابدّ أن يكون لها تعيّن ما هوي، والماهية التي لا تعيّن ماهوي لها لا وجود لها في الواقع والحقيقة؛ لأنّ الماهيّة لابدّ أن يكون لها تعيّن ماهوي ولا يُعقل أن تكون مرددّة بينها وبين غيرها، فلا يعقل حينئذٍ افتراض وجود فردٍ مرددّ تعلّق به العلم؛ لأنّ الفرد المردّد والمراد به كما قلنا هو واقع الفرد المردّد هذا في أيّ وعاءٍ فُرض لا واقع له؛ لأنّ الشيء في أيّ وعاءٍ فُرض لابدّ أن يكون معيّناً وهو هو لا مردداً هو أو غيره. هذا هو الإشكال الذي يورد على افتراض تعلّق العلم الإجمالي بالفرد المردّد.
أمّا الاعتراض الذي يرد على الرأي الثاني الذي هو تعلّق العلم الإجمالي بالجامع، تعلّق العلم بالجامع أساساً قد يُستدل له بأن يقال أنّ العلم في محل الكلام لا يخلو: إمّا أن يُقال أنّه لا يتعلّق بشيءٍ أصلاً، أو يقال أنّه يتعلّق بشيء، ولا سبيل للأوّل؛ لأنّ العلم من الصفات ذات الإضافة التي لابدّ لها من متعلّق ويستحيل تحققها من دون متعلّق، فلابدّ أن نفترض أنّ العلم يتعلّق بشيء؛ حينئذٍ نقول: أنّ هذا الشيء الذي يتعلّق به العلم في محل الكلام يتردّد أمره بين احتمالات ثلاثة:
الاحتمال الأوّل: أن يكون هو الفرد بحدّه المعيّن.
الاحتمال الثاني: أن يكون هو الفرد بحدّه المرددّ.
الاحتمال الثالث: أن يتعلّق بالجامع.
ولا سبيل إلى الأوّل، أي أن يتعلّق العلم بالفرد بحدّه المعيّن؛ لأنّ هذا خُلف؛ لأنّ هذا يلزم أن يتحوّل العلم الإجمالي إلى علمٍ تفصيلي، بمعنى أن يتعلّق بالفرد بحدّه المعيّن. كما أنّه لا سبيل للثاني، وهو أن يتعلّق العلم بالفرد بحدّه المرددّ ــــــــــــ مثلاً ـــــــــــــ لما تقدّم سابقاً من استحالة تعلّق العلم بالفرد المردد، فيتعيّن الثالث، أي أن يتعلّق بالجامع، فيثبت أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع لاستحالة أن لا يتعلّق بشيء، واستحالة أن يتعلّق بالفرد بحدّه المرددّ، وأيضاً هو لا يتعلّق بالفرد بحدّه المعيّن؛ لأنّه يلزم منه الخُلف وتحوّل العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، فيتعيّن أن يتعلّق بالجامع، فيقف العلم على الجامع.
هذا الاستدلال أيضاً اعتُرض عليه بما حاصله: نحن لا ننكر أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع، بمعنى أنّ الجامع يصبح معلوماً بالعلم الإجمالي، لا ننكر أننا نعلم بالجامع في العلم الإجمالي، لكنّه أيضاً يُدّعى بأننا نعلم بشيءٍ أزيد من الجامع، وهذا أمر وجداني يشعر به الإنسان، أنّه في موارد العلم الإجمالي ليس أنّه فقط يعلم بالجامع، وإنّما يعلم بما هو أكثر من الجامع، باعتبار أنّ الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصية الفرد؛ لأنّ الجامع لا يوجد مستقلاً عن الأفراد كما ثبت في محلّه، ليس للجامع وجود في قبال الأفراد، هو لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصية الفرد، فلا معنى لأن نفترض أنّ للجامع وجود مستقل عن خصوصيات الأفراد، وإنّما هو يوجد ويتحقق في ضمن خصوصية الفرد، وهذا معناه أنّ ما نعلم به هو شيء أزيد من الجامع، نعلم بالجامع في ضمن خصوصيةٍ للفرد، إذن، معنى ذلك أننا تعدّينا من الجامع إلى خصوصيةٍ في الفرد، العلم لم يعد واقفاً على الجامع، وإنّما هو يتعدّى من الجامع إلى خصوصية الفرد ولا معنى لفرض توقّفه على خصوص الجامع؛ لأنّ هذا خلاف الوجدان؛ ولذا في المثال الذي ذكروه وهو أنّه لو علمنا بوجود إنسانٍ في المسجد مرددٍ بين زيدٍ وعمرو، ما نعلم به ليس هو وجود إنسانٍ فقط، هذا الكلّي الجامع في المسجد، وإنّما نعلم بوجود إنسانٍ مرددٍ بين زيدٍ وعمرو، وهذا الإنسان الذي نعلم بوجوده في المسجد ليس هو غير زيد وعمرو، هذه خصوصية زائدة على الجامع نعلمها بالوجدان، نعلم بالوجدان أنّ ما يوجد في المسجد ليس هو الجامع فقط، وإنّما هو الجامع بخصوصية، ما نعلمه هو وجود إنسان ليس غير زيد وعمرو وهذا نعلم به بالوجدان في هذا المثال، وهذا معناه أنّ العلم لا يقف على الجامع وإنّما يتعدّى من الجامع إلى الخصوصية، وهذا شيء يُدّعى أنّ الوجدان يُساعد عليه باعتبار أنّ العلم ليس علماً بوجود إنسان ما في المسجد، وإنّما إنسان بخصوصية أنّه مردد بين زيد وعمرو، إنسان ليس هو غير زيد وعمرو، فالعلم لا يقف على الجامع وإنّما يتعدّى إلى الفرد، فالقول بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالجامع ويقف عليه ولا يتعدّى من الجامع، هذا ليس تامّاً. هذا هو الاعتراض على الرأي الثاني.
ولإكمال الاعتراض وإثبات الراي الآخر نقول: إلى الآن قلنا بأنّ العلم لا يقف على الجامع وإنّما يتعدّى إلى خصوصيةٍ زائدة؛ حينئذٍ لإكمال الاعتراض يقال بأنّ هذه الخصوصية الزائدة التي فرغنا عن أنّ العلم يتعدّى إليها، هذه الخصوصية أيضاً لا تخلو إمّا أن تكون جامعة وإمّا أن تكون خصوصية معيّنة، إذا قلنا أنّ هذه الخصوصية التي تعدّى إليها العلم هي جامع؛ فحينئذٍ يأتي نفس الكلام السابق من أنّ الجامع لا وجود له إلاّ في ضمن خصوصية الفرد، فلابدّ من افتراض خصوصية معلومة بالعلم الإجمالي غير ذلك الجامع وغير تلك الخصوصية الجامعة....وهكذا حتّى يلزم التسلسل، بالنتيجة لابدّ أن ننتهي إلى أنّ الخصوصية الزائدة التي فرضنا تعدّي العلم من الجامع إليها لابدّ أن تكون هي عبارة عن خصوصية الفرد، لكن لابدّ أن تكون هي خصوصية معيّنة، هي جزئي، وهذا معناه أنّ العلم لا يتعلّق بالجامع؛ بل يتعلّق بالواقع وهو الرأي الثالث الآتي، وإنّما يتعلّق بالفرد بخصوصيته المعيّنة، إذن لابدّ من افتراض تعلّقه بالفرد لا أنّه يتعلّق بالجامع؛ لأنّ الجامع كما قلنا لا وجود له إلاّ في ضمن خصوصية، فلابدّ من افتراض تعدّي العلم إلى الخصوصية وهذه الخصوصية إن كانت أيضاً تمثّل جامعاً، أيضاً نفس الكلام يقال فيها أنّه لابدّ أن تتحقق في ضمن خصوصيةٍ للفرد..... وهكذا إلى أن نستقر على خصوصية ليست جامعاً، وإنّما جزئي، وهذا هو معنى تعلّق العلم بالفرد. هذا الاعتراض على الرأي الثاني.
الرأي الثالث الذي يقول بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع يُستدل له بما تقدم من أننا نشعر بالوجدان بأنّ ما نعلم به ليس هو الجامع فقط، وإنّما أزيد من الجامع، باعتبار أنّ الجامع لا يوجد مستقلاً إلاّ في ضمن خصوصية الفرد؛ فحينئذٍ لا معنى ولا مجال لتعلّق العلم بالجامع، فلابدّ من افتراض تعلّقه بالفرد؛ لأنّ هذه الخصوصية كما ذكرنا سابقاً التي فرضنا تعدّي العلم إليها إن كانت جامعاً ننقل الكلام إليه ويلزم التسلسل، فلابدّ أن ننتهي إلى خصوصيةٍ معيّنة هي ليست جامعاً، وهذا هو المراد من تعلّق العلم بالواقع.
هذا الرأي الثالث أيضاً اعتُرض عليه بأنّ هذه الخصوصية المعيّنة التي انتهينا إليها، هذا الحدّ المعيّن للفرد الذي قلنا أنّ العلم يتعدّى إليه وأنّ العلم لا يقف على الجامع، وإنّما يتعدّى إلى الخصوصية للفرد، هذه الخصوصية للفرد التي يتعدّى إليها العلم إن قلنا بأنّها لا تدخل في الصورة في ما ينكشف بهذا العلم، فهذا معناه أننا نرجع إلى أنّ متعلّق العلم هو الجامع وأنّ الخصوصية للفرد لا تدخل في ضمن ما ينكشف بذلك العلم، لا تدخل في الصورة التي تحصل عند الإنسان عند العلم الإجمالي، إذا فرضنا أنّها لا تنكشف بالعلم فهذا معناه أنّ ما ينكشف هو الجامع وليس هو خصوصية الفرد، هذا لابدّ من عزله، لا يوجد هكذا احتمال بناءً على هذا الرأي، أنّها لا تدخل في الصورة العلمية التي تتكوّن عند الإنسان عندما يعلم إجمالاً بشيء؛ بل لابدّ من افتراض دخولها في تلك الصورة، دخولها في الصورة التي تنكشف بالعلم الإجمالي، إذا فرضنا أنّها تدخل في الصورة التي تنكشف بالعلم الإجمالي؛ حينئذٍ نقول أنّ الذي ينكشف بالعلم الإجمالي هل هو الحدّ الشخصي المعيّن للفرد، أو هو الحدّ الشخصي المردد للفرد لا يخلو من أحد الأمرين، فرضنا أنّ العلم الإجمالي لا يقف على الجامع وإنّما يتعدّى إلى خصوصية الفرد، هذه الخصوصية للفرد، أو الحدّ الشخصي للفرد، هل هو الحدّ الشخصي المعيّن، أو هو الحدّ الشخصي المردد ؟ إذا قلنا أنّ ما ينكشف بالصورة هو الحدّ الشخصي المعيّن للفرد، فهذا يلزم منه الخُلف، يلزم انقلاب العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي؛ لأنّ العلم التفصيلي هو الذي يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن، هذا علم تفصيلي.
إذن: لا يمكن أن نفترض في العلم الإجمالي أنّه يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن، إذن، المدّعى أنّه متعلّق بالفرد بحدّه الشخصي المردد بين فردين، او بين أفراد، إذا قلنا بذلك؛ حينئذٍ نقول بأنّ هذا هو عبارة عن تعلّقه بالفرد المردد، عبارة عن الرأي الأوّل وليس شيئاً غير الراي الأوّل الذي يقول بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد المردد، ومقصوده هو هذا، يعني يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصي، لكن بحدّه المردد للفرد، هذا هو عبارة عن الرأي الأوّل، فيرجع الرأي الثالث إلى الرأي الأوّل، فخلاصة الاعتراض على الرأي الثالث هو: إذا فرضنا تعلّق العلم الإجمالي بالواقع وأنّ العلم لا يقف على الجامع، وإنّما يتعدّى إلى خصوصية الفرد؛ حينئذٍ نسأل: هل متعلّق العلم الإجمالي وما ينكشف به هو الفرد بحدّه الشخصي المعيّن ؟ هذا يلزم منه انقلاب العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، وأمّا إذا قلنا أنّه يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصي المردد بين فردين، أو أفراد، فهذا رجوع إلى الرأي الأوّل وهو أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد المردد.
هذه هي الاعتراضات التي تُذكر على هذه الآراء الثلاثة، وهناك محاولة لتفسير الرأي الأوّل بما يسلم من الاعتراض الموجّه إليه، وحاصل هذا التفسير ولعلّنا اشرنا إليه سابقاً: نحن ننقل الترديد الذي ذُكر في تفسير الراي الأوّل بأنّه هو ترديد في الواقع، ننقله من الواقع إلى نظر المكلّف، الترديد ليس هو ترديد في الواقع، وإنّما هو ترديد بنظر المكلّف، الواقع واقع معيّن ليس فيه ترديد، وإنّما بنظر المكلّف يوجد ترديد، أمّا في الواقع فليس هناك ترديد. نعم، الترديد يكون بنظر العالم بالإجمال، فمعنى أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد المردد ــــــــــــ الرأي الأوّل ــــــــــــ يُفسر بأنّ المقصود به بأنّه إنّما يتعلّق بالفرد المردد بنظر العالم لا أنّه يتعلّق بالواقع المردد حتّى يرد الاعتراض السابق ويقال كيف يُعقل الترديد في الواقع، الشيء إذا فُرض لابدّ أن يكون مُعيّناً ولا يُعقل فيه أن يكون مردداً، وإنّما نقول بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالواقع المعيّن، في واقعيته هو معيّن لا تردد فيه، ليس هناك تردد في الواقع في الشيء، الشيء هو هو في الواقع لا هو، أو غيره في الواقع حتّى يلزم الاعتراض، يتعلّق بالواقع المعيّن الذي لا تردد فيه إطلاقاً، وإنّما التردد هو بنظر العالم، العالم حيث أنّه يحتمل أمرين فهو مردد أنّ الواقع هل هو هذا، أو هو هذا ؟ الموجود في المسجد هل هو زيد، او هو عمرو ؟، فالتردد بنظر العالم لا بلحاظ الواقع.
إذا فسّرنا الرأي الأوّل بهذا التفسير؛ حينئذٍ يسلم من الاعتراض السابق؛ لأنّه لم يُفترَض في الرأي الثالث ـــــــــــ بناءً على هذا التفسير ــــــــــــ أن يكون هناك تردد في الواقع، أن يكون هناك شيء مردداً واقعاً وفي مقام تقررّه الماهوي يكون مردداً، كلا هو ليس مردداً؛ بل هو معيّن ولا تردد فيه إطلاقاً واقعاً، وإنّما التردد بنظر العالم نفسه؛ حينئذٍ لا يرد عليه الاعتراض السابق وهذا من قبيل المثال الذي مثّلنا به سابقاً أن يرى شخصاً من بعيد، لكنّه لا يستطيع تمييزه ويدور أمره عنده بين أن يكون زيداً، أو عمرو، الرؤية التي هي بمثابة العلم الإجمالي في محل كلامنا تتعلّق بالفرد المعيّن واقعاً الذي لا تردد فيه واقعاً، لكنّ التردد هو بنظر المكلّف، المكلّف يتردد في أنّ هذا الواقع الشخصي المعيّن الذي رآه هل هو زيد، أو هو عمرو. أو إذا أردنا أن نقرّب الفكرة أنّه يُذكر في باب النيّة في باب العبادات من أنّ المكلّف بإمكانه أن يقصد امتثال الأمر الفعلي المتوجّه إليه وإن كان هو يتردد في أنّ الأمر الفعلي المتوجّه إليه هل هو الأمر الاستحبابي، أو هو الأمر الوجوبي، لكن هو يقصد امتثال الأمر الفعلي المتوجّه إليه والذي اشتغلت به ذمّته، هذا لا تردد فيه، هذا هو شيء معيّن في الواقع، إذن، في الواقع لا يوجد تردد بين هذا وغيره، وإنّما هو شيء معيّن وله تعيّن في الواقع، وإنّما يكون التردد بنظر القاصد، فالقاصد هو متردد في أنّ الأمر الفعلي المتوجّه إليه الذي اشتغلت به ذمّته، هل هو الأمر الوجوبي، أو هو الأمر الاستحبابي، فيكون من هذا القبيل. إذا فسّرنا الرأي الأوّل بهذا التفسير؛ حينئذ سوف يسلم عن الاعتراض الذي توجّه إليه سابقاً؛ وحينئذٍ يقال بأنّ الرأي الأوّل يُفسّر بأنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالخصوصية المعيّنة التي هي مرددة عند العالم، وإلاّ متعلّق العلم الإجمالي هي الخصوصية المعيّنة التي لا تردد فيها في الواقع، فيسلم حينئذٍ عن الاعتراض الذي يتوجّه إليه.
هذا التفسير للرأي الأوّل هل هو بالنتيجة يجعل الرأي الأوّل كالرأي الثالث بحيث يرجع الرأي الأوّل إلى الرأي الثالث ؟ بأن يقال؛ حينئذٍ يتّفق كلٌ من الرأي الأوّل والرأي الثالث على أنّ العلم يتعلّق بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن في الواقع، لكن المردد بنظر المكلّف. يلتقيان في هذا، الرأي الأوّل فُسّر بهذا التفسير، والرأي الثالث الذي يقول بأنّ العلم يتعلّق بالواقع أيضاً يمكن تفسيره بهذا التفسير، مقصوده من (يتعلّق بالواقع) هو أنّه يتعلّق بالواقع المعيّن في علم الله سبحانه وتعالى وفي الواقع، يتعلّق بالواقع المعيّن الذي لا تردد فيه وليس بإمكانه أن ينكر أنّ هناك تردداً عند المكلّف، هذا لا يمكن إنكاره، أنّ العالم يوجد عنده تردد في أنّ الواقع الذي علم به إجمالاً هل هو هذا، أو هو هذا، بالنتيجة هما يلتقيان في أنّ العلم الإجمالي يتعلّق بالفرد، بالخصوصية الفردية التي لا تردد فيها والتي هي معيّنة في الواقع وإن كانت مرددة بنظر العالم نفسه، هذا أمر لا يمكن إنكاره من قبل القائل بالرأي الثالث وهو يدّعي بأنّ العلم يتعلّق بالواقع، ومقصوده الواقع المعيّن لا الواقع المردد مع أنّه لابدّ أن يلتزم بأنّ هناك تردداً بنظر العالم نفسه، فكأنّه يرجع الرأي الأوّل بعد تفسيره بهذا التفسير، أو فلنقل أنّه يكون مشابهاً إلى الرأي الثالث.
على كل حال، يبدو أنّ العمدة من هذه الآراء هو الرأي الثاني والرأي الثالث، التردد بينهما ينشأ من زاوية إذا نظرنا إلى القضية؛ حينئذٍ يأتي الكلام السابق من أنّه ما نعلمه بالعلم الإجمالي ليس هو الجامع فقط بحيث نقف على الجامع بحدّه، كلا هناك شيء أزيد من الجامع ويكون معلوماً بالعلم الإجمالي لا أنّه يقف على الجامع بحدّه، هناك شيء أزيد من الجامع يكون معلوماً بالعلم الإجمالي ببرهان متقدّم من أنّ الجامع لا يوجد إلاّ في ضمن خصوصية الفرد ولا يوجد بشكلٍ مستقلٍ، وهذا كما قلنا يستلزم افتراض أنّ العلم يتعدّى من الجامع إلى ما هو زائد عليه لا أنّه يقف على الجامع؛ ولذا قلنا صحّ أن يقال بأني أعلم بوجود إنسان في المسجد في المثال السابق ليس هو غير زيد وعمرو، هذا معناه أنّ هناك شيئاً زائداً أعلم به بالعلم الإجمالي غير الجامع، وإلاّ لو كنت لا أعلم بالشيء الزائد، فقط أعلم بالجامع، لما صحّ هذا القول، وإنّما يجب أن أقول أنا أعلم بوجود إنسانٍ في المسجد، بينما ما أعلمه في الوجدان هو شيء آخر أكثر من إنسان في هذا المسجد، أعلم بوجود إنسان وهذا الإنسان ليس غير زيد وعمرو. هذا من جهة.
من جهة أخرى إذا نظرنا إلى القضية من زاوية أخرى نجد أنّ هذه الخصوصية التي فرضنا تعدّي العلم إليها لا تخلو إمّا أن تكون خصوصية معينة، أو خصوصية مرددة، فإن كانت خصوصية معيّنة يلزم الخُلف، هذا يلزم انقلاب العلم الإجمالي إلى العلم التفصيلي، وإن فرضناها خصوصية مرددة الإشكال السابق كان يقول بأنّ هذا يعني رجوع إلى الرأي الأوّل، يعني تعلّق العلم بالفرد المردد.