35/06/07


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ منجّزية العلم الإجمالي
عرفنا ممّا تقدّم أنّ البحث يجب أن يتركّز على مسألة أنّ حكم العقل بوجوب إطاعة التكليف المعلوم بالإجمال وقبح معصيته، هل هو حكم تنجيزي، أو هو حكم تعليقي ؟ إذا ثبت أنّه حكم تنجيزي؛ حينئذٍ يثبت ما ذكروه من وجود مانعٍ ثبوتي يمنع من جريان الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي؛ لأنّه حكم تنجيزي، ولا إشكال أنّ الترخيص في جميع الأطراف يكون منافياً لهذا الحكم العقلي، وكل ترخيص ينافي الحكم العقلي يسقط ولا يعتنى به؛ لأنّه ينافي الحكم العقلي، فيثبت امتناع الترخيص في جميع أطراف العلم الإجمالي.
وأمّا بناءً على أنّ الحكم تعليقي، الحكم بوجوب إطاعة التكليف المعلوم بالإجمال وقبح معصيته معلّق على عدم ورود ترخيص من قبل نفس الشارع؛ حينئذٍ الترخيص لا ينافي هذا الحكم؛ لأنّه مع الترخيص يرتفع هذا الحكم الشرعي بارتفاع موضوعه وهذا معناه أنّ العلم الإجمالي لا يمنع من جريان الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي.
في هذا البحث اختلفت آرائهم، المحققون كالمحقق العراقي(قدّس سرّه) الذي صرّح بذلك [1]والمحقق النائيني(قدّس سرّه)[2] الذي يُفهم من كلامه أنّه فارغ عن مسألة أنّ الحكم العقلي حكم تنجيزي، ذهبوا إلى أنّه تنجيزي؛ ولذا اعتبروا أنّ الترخيص محال؛ لأنّه يصطدم مع هذا الحكم العقلي التنجيزي. هناك رأي آخر في المقابل اختاره جماعة من المحققين المتأخّرين يرى بأنّ الحكم العقلي في المقام حكم تعليقي وليس حكماً تنجيزياً، معلّق على عدم ورود الترخيص وعدم الأذن من قبل الشارع نفسه.
بالنسبة إلى الراي الثاني وهو أنّ الحكم تعليقي لا تنجيزي، يقرّب ببيان هذا إجماله: أنّ العقل إنّما يحكم بلزوم إطاعة تكليف المولى الواصل إلى المكلّف ولو بالعلم الإجمالي وقبح معصيته إنّما يحكم بذلك لأجل المولى ومراعاة لحقه ولشأنه، فهو حكم لأجل المولى، حكم باعتبار أنّ العقل يراعي شأن المولى وحقّه، فحكم بقبح معصيته ولزوم طاعته، ومن الواضح أنّ هذا الحكم عندما يكون لأجل المولى ورعايةً لحقّه وشأنه قهراً لابدّ من افتراض أنّه تعليقي؛ لأنّ العقل إنّما يحكم بلزوم الطاعة لأجل المولى، فإذا فرضنا أن نفس المولى الذي يحكم العقل بوجوب الطاعة مراعاة لحقّه رخّص في المخالفة، في هذه الحالة لا معنى لافتراض أنّ العقل يبقى مصرّاً على قبح المعصية ولزوم الطاعة؛ لأنّ الحكم هو أساساً حكم لأجل المولى ورعاية لشأنه، فعندما يتنازل المولى نفسه عن ذلك ويُرخّص في المخالفة، فحينئذٍ لا يبقى للعقل حكم، وهذا هو معنى أنّ الحكم العقلي معلّق على عدم إذن الشارع نفسه بالمخالفة؛ لأنّ المولى نفسه إذا رخّص في المخالفة؛ حينئذٍ ليس للعقل حكم بلزوم الإطاعة وقبح المعصية بالرغم من أنّ المولى نفسه رخّص في المخالفة، هذا لا ينسجم مع افتراض أنّ أساس الحكم العقلي هو حكم احترامي ولأجل رعاية شأن المولى وحقّه، فإذن، لا يمكن أن نتصوّر أنّ هذا الحكم العقلي تنجيزي، بمعنى أنّه يثبت حتّى مع الترخيص بحيث يجعل الترخيص محالاً، وإنّما هو حكم تعليقي ولابدّ من افتراض أنّه معلّق على عدم إذن المولى نفسه في المخالفة، فإذا فرضنا أنّ الشارع أذنَ؛ فحينئذٍ لا يحكم العقل بلزوم الطاعة وقبح المعصية، وهذا معناه أنّ الحكم العقلي حكم تعليقي. غاية الأمر أنّ أساس جعل هذا الحكم الظاهري ـــــــــــ الترخيص ــــــــــــ في أطراف العلم الإجمالي هل هو ثابت، بمعنى أنّ أدلة الأصول هل تشمل أطراف العلم الإجمالي ؟ هذا تقدّم بحثه سابقاً بأنّه مبدئياً لا مانع من افتراض شمول أدلّة الترخيص لكل طرفٍ من أطراف العلم الإجمالي، هذا الطرف موضوع الحكم الظاهري فيه محفوظ، وذاك الطرف أيضاً موضوع الحكم الظاهري فيه محفوظ، كلٌ منهما موضوع الترخيص الظاهري فيه محفوظ، وانحفاظ موضوع الحكم الظاهري في كلٍ من الطرفين اعترف به المحققون الذين تقدّم ذكرهم كالمحقق العراقي(قدّس سرّه) والمحقق النائيني(قدّس سرّه)،[3] هل هناك مانع يمنع من جعل الترخيص في كلا الطرفين؟ هذا المانع مبني على أنّ الترخيص في كلا الطرفين مناقض ومضاد للحكم العقلي بوجوب الطاعة وقبح المعصية إذا كان حكماً تنجيزياً. أمّا إذا أنكرنا كونه حكماً تنجيزياً وقلنا أنّه حكم تعليقي وموضوع الحكم الظاهري المجعول في دليله محفوظ في كلا الطرفين ولا مانع منه؛ لأنّ المانع هو عبارة عن الحكم العقلي التنجيزي، والحكم العقلي تعليقي وليس تنجيزياً، فإذن، بالنتيجة ليس هناك مانع ثبوتي يمنع من إجراء الأصول المؤمّنة في جميع أطراف العلم الإجمالي.
بعبارةٍ أخرى: أنّ العلم الإجمالي على أساس المحاذير العقلية، لا يمنع من جريان الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي؛ لأنّ المانعية مبتنية على كون حكم العقل حكماً تنجيزياً، فإذا أنكرنا ذلك، فلا مانع. هذا المانع الثاني.
أصحاب الرأي الأوّل يقولون: أنّ حكم العقل هو حكم تنجيزي ولم يذكروا دليلاً أو برهاناً على ذلك، وإنّما كأنّه أحالوا الأمر على الوجدان وما يدركوه هم، وهم يدركون أنّ الحكم العقلي حكم تنجيزي على نحوٍ يكون الترخيص في تمام الأطراف وفي المخالفة محالاً؛ لأنّ العقل يحكم بأنّ التكليف الواصل للمكلّف ولو بالعلم الإجمالي، هذا التكليف تجب طاعته وتقبح معصيته حكماً تنجيزياً لا تعليقياً، فيكون منافياً للترخيص؛ ولذا يكون الترخيص في تمام الأطراف محالاً؛ لأنّه منافٍ للحكم العقلي التنجيزي. لم يذكروا برهاناً على ذلك.
لكن يمكن أن يُفهم من كلمات المحقق العراقي(قدّس سرّه) بالخصوص أنّه يرى أنّ حكم العقل في محل الكلام تنجيزي؛[4] ولذا يحكم على هذا الأساس باستحالة الترخيص في تمام الأطراف؛ لأنّه يصطدم مع هذا الحكم العقلي التنجيزي بالرغم ممّا قيل من أنّ الحكم العقلي بلزوم الطاعة وقبح المعصية إنّما هو لأجل المولى ورعاية لشأنه ولابدّ أن يكون حكماً تعليقياً لا تنجيزياً، يعني يؤمن بكلا الأمرين، ما هو المقصود بذلك ؟
أقول: يمكن أن يُفهم من بعض كلمات المحقق العراقي(قدّس سرّه) أنّه يرى أنّ المضادّة التي توجب استحالة الترخيص في تمام الأطراف هي المضادة بين الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، ليكن الحكم العقلي أساساً حكماً تعليقياً، حكم معلّق على عدم الترخيص من قِبل نفس الشارع، لكن قد يدّعى بأنّ العقل في نفس الوقت أيضاً يحكم باستحالة هذا الترخيص، أساساً الحكم العقلي هو حكم احترامي، هو حكم لأجل المولى ورعاية لشأنه وحقّه؛ ولذا هو كحكم بهذا الشكل لابدّ أن يكون معلّقاً على عدم ترخيص الشارع، لكن في نفس الوقت يحكم العقل باستحالة جعل الترخيص في تمام الأطراف، ويدرك أنّ الترخيص في تمام الأطراف محال وبهذا يكون الحكم العقلي تنجيزياً لا باعتبار أنّه أساساً ليس معلّقاً، وإنّما باعتبار أنّ شرط التنجيزية تحقق بحكم العقل بالمضادّة بين الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال، الحكم العقلي تعليقي، بمعنى أنّه يكون معلّقاً ومشروطاً بعدم الترخيص من قِبل الشارع، العقل يقول أنا أحرز عدم الترخيص، يستحيل الترخيص في تمام الأطراف؛ لأنّه مضاد للتكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. إذن: هو يحرز شرط تنجيزية الحكم العقلي؛ لأنّ شرط كون الحكم العقلي تنجيزياً هو عدم الترخيص، العقل عندما يحكم باستحالة الترخيص في تمام الأطراف يتحقق شرط كون الحكم العقلي تنجيزياً، صحيح، اساساً الحكم العقلي تعليقي، معلّق على عدم الترخيص؛ لأنّه حكم احترامي، لكن عندما يُدّعى أنّ العقل يُدرك في نفس الوقت استحالة الترخيص، باعتبار أنّ الترخيص في تمام الأطراف مناقض للتكليف المعلوم بالإجمال، المناقضة بين الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف المعلوم بالإجمال، هذه هي التي يدّعيها المحقق العراقي(قدّس سرّه) ويظهر من عباراته ويستدلّ على هذه المناقضة، المناقضة بنظر العالم نفسه، العالم بالتكليف يرى أنّ جعل الترخيص في تمام الأطراف محال؛ للمضادّة بينهما، من يصدّق بالتكليف ويصل إليه التكليف ويعلم به هو لا يكاد يصدّق بجعل الترخيص في تمام الأطراف؛ لأنّه يرى وجود مضادّة بينهما، هذه المضادة إذا تمّت بين الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف المعلوم بالإجمال هي التي تكون منشئاً لكون الحكم العقلي تنجيزياً؛ لأنّها تحرز شرط التنجيزية كما قلنا؛ لأنّ التنجيزية مشروطة ـــــــــــــ بناءً على ما ذكروه ــــــــــــــ بعدم الترخيص، فإذا حكم العقل باستحالة الترخيص على أساس أنّ جعل الترخيص في تمام الأطراف يُضاد التكليف المعلوم بالإجمال، ببيان: أنّه في نظر العالم يستحيل جعل الترخيص في تمام الأطراف، من يصدّق بالتكليف لا يُصدّق بجعل الترخيص في تمام الأطراف، فالمضادّة ولو بنظر العالم بينهما ثابتة والعالم بالتكليف بالإجمال لا يصدّق جعل الترخيص في تمام الأطراف، وهذا هو الذي يكون مانعاً من جعل الترخيص في تمام الأطراف، فإذا ثبت استحالة جعل الترخيص في تمام الأطراف؛ لهذه المضادّة؛ حينئذٍ نحرز شرط كون الحكم العقلي حكماً تنجيزياً وهو عدم الترخيص؛ لأنّ الحكم العقلي المعلّق على عدم الترخيص يصبح تنجيزياً بمجرّد إحراز عدم الترخيص، والعقل يحرز عدم الترخيص بحسب الفرض؛ وحينئذ تكون تنجيزية الحكم العقلي وكون الحكم العقلي حكماً تنجيزياً هو في طول استحالة الترخيص لا العكس، بمعنى أنّ استحالة الترخيص ليست هي في طول التنجيزية حتّى نقول بأنّ حكم العقل ليس تنجيزياً؛ بل هو تعليقي فلا يستحيل الترخيص؛ لأنّ الترخيص يرفع موضوع الحكم العقلي وبالتالي لا يكون منافياً ومضادّاً للحكم العقلي، هذا مبني على افتراض أنّ استحالة الترخيص في طول كون الحكم العقلي تنجيزياً، أولاً نثبت كون الحكم العقلي تنجيزياً؛ حينئذٍ نقول بأنّ الترخيص يكون محالاً، فإذا قلنا أنّ الحكم العقلي تعليقي وليس تنجيزياً، إذن: لا يكون الترخيص محالاً؛ لأنّه يكون رافعاً لموضوع الحكم العقلي، الذي يمكن أن يُفهم من عبارة المحقق العراقي(قدّس سرّه) هو العكس، هو يريد أن يقول أنّ استحالة الترخيص ليست في طول كون الحكم العقلي تنجيزياً، وإنّما الأمر بالعكس، بمعنى لنفترض أنّه يؤمن بأنّ الحكم العقلي أساساً هو تعليقي، معلّق على عدم ورود الترخيص، معلّق على عدم الأذن، لكنّه يقول بأنّ العقل يدرك استحالة الترخيص والأذن ولو بالنسبة إلى العالم نفسه؛ لأنّه لا يكاد يصدّق بجعل الترخيص في تمام الأطراف بعد أن وصل إليه التكليف وصدّق به، وهذا معناه أنّ استحالة الترخيص هي التي تكون منشئاً لصيرورة الحكم العقلي حكماً تنجيزياً. إذن: صيرورة الحكم العقلي تنجيزياً هو في طول استحالة الترخيص لا أنّ الأمر بالعكس كما ذكروا، قد يقال: لا مانع من هذا الافتراض، بأن يقال بأنّ العقل يحكم بقبح المعصية ولزوم الطاعة حكماً معلّقاً على عدم ورود الترخيص، لكن في نفس الوقت نرى بأنّ العقل يحكم باستحالة الترخيص ممّا يؤدي إلى صيرورة هذا الحكم العقلي حكماً تنجيزياً على غرار ــــــــــــــ من باب التوضيح ـــــــــــــــ ما إذا قيل لو كان للباري شريك لوجبت عبادته، لكن في نفس الوقت نعلم باستحالة وجود شريك للباري، لو كان اجتماع النقيضين ممكن لما حصل التعارض بين هذين الدليلين، لكن لا إشكال بأنّه يكون محالاً، هنا أيضاً نقول: لو أمكن جعل الترخيص؛ فحينئذٍ لا يكون منافياً للحكم العقلي، لكنّه يستحيل جعل الترخيص، فيصبح الحكم العقلي تنجيزياً.
والحاصل: يمكن أن يُستفاد من عبارة المحقق العراقي(قدّس سرّه) كقائل بالرأي الأوّل هو أنّ المانع الثبوتي الذي يراه لجعل الترخيص في جميع الأطراف هو عبارة عن المضادّة والممانعة بين الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف المعلوم بالإجمال، هذا هو المانع الثبوتي الذي يراه المحقق العراقي(قدّس سرّه) وهذا يمكن افتراضه حتّى مع فرض كون الحكم العقلي بلزوم الطاعة وقبح المعصية حكماً تعليقياً كما ذكروا؛ لأنّ كونه تعليقياً لا ينفي هذه المضادة؛ لأنّ المفروض أنّ العقل يحكم باستحالة الترخيص، بعدم إمكان جعل الترخيص في تمام الأطراف، باعتبار أنّه منافٍ للتكليف المعلوم بالإجمال وغير قابل للتصديق بنظر العالم نفسه على الأقل، يكون محالاً، هذا لا ينافي أنّ الحكم العقلي أساساً هو حكم تعليقي؛ لأنّ العقل بإحراز استحالة جعل الترخيص في تمام الأطراف هو يحرز شرط كون الحكم العقلي تنجيزياً، فيكون منافياً؛ وحينئذٍ يكون محالاً، هذا الترخيص في تمام الأطراف بهذا الاعتبار. هذا الرأي الثاني في أصل المسألة.
على كل حال، بناءً على هذا الرأي الثاني؛ حينئذٍ يكون المانع في المقام مانعاً ثبوتياً وهو يمنع من جريان الأصول في تمام الأطراف، وبالنسبة إلى هذا البحث تكون النتيجة هكذا:
بالنسبة إلى البحث الأوّل عن منجّزية العلم الإجمالي بمقدار حرمة المخالفة القطعية، قلنا أنّ اصل اقتضاء العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية ممّا لا إشكال فيه ولا خلاف فيه بينهم ولم يُنسب الخلاف إلى أحد، أنّ العلم الإجمالي يقتضي حرمة المخالفة القطعية.
بالنسبة إلى البحث الثاني وهو البحث عن أنّ العلم الإجمالي هل يمنع من جريان الأصول في تمام الأطراف، أو لا، بناءً على هذا الرأي هو يمنع من جريان الأصول في تمام الأطراف، والمانع هو مانع ثبوتي وهو عبارة عن المضادّة بين الترخيص وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. إذا آمنا بالمنجّزية التي يقولون بها بلا هذا التفصيل؛ حينئذٍ أيضاً يكون مانعاً، وإلاّ بناءً على الرأي الثاني الذي ذكرناه؛ حينئذٍ يكون الحكم العقلي تعليقياً صرفاً والمضادّة التي توجب دعوى استحالة جعل الترخيص هي عبارة عن المضادّة بين الترخيص وبين الحكم العقلي، فإذا كان الحكم العقلي تعليقياً، فلا مضادة بين الترخيص في تمام الأطراف وبين الحكم العقلي؛ لأنّ المضادّة مبنية على افتراض أنّ الحكم العقلي حكم تنجيزي، فإذا أنكرنا كونه تنجيزياً وقلنا أنّه تعليقي؛ حينئذٍ لا مانع ثبوتاً من جعل الترخيص في تمام الأطراف، والقائل بهذا لكي يتلافى الإشكال؛ لأنّه لا يمكنه أن يقول بجريان الأصول العملية في تمام الأطراف وجعل الترخيص في تمام الأطراف لابدّ أن يبرز مانعاً آخر؛ بأن يكون المانع مانعاً إثباتياً. هذا بالنسبة إلى منجّزية العلم الإجمالي بمقدار تنجيز حرمة المخالفة القطعية.
الآن ننتقل إلى منجّزية العلم الإجمالي بمقدار وجوب الموافقة القطعية. أيضاً الكلام يقع في جهتين كما في السابق:
الجهة الأوّلى: في أصل اقتضاء العلم الإجمالي للمنجّزية بهذا المقدار وعدمه، وهذا محل خلاف بينهم بخلاف هذا البحث في المسألة السابقة، حيث قلنا أنّ أصل منجّزية العلم الإجمالي بمقدار حرمة المخالفة القطعية لا خلاف ولا نزاع فيه، لكن منجّزية العلم الإجمالي بمقدار وجوب الموافقة القطعية هو محل خلاف بينهم وهناك رأيان في المسألة، رأي يرى عدم الاقتضاء، أنّ العلم الإجمالي لا يقتضي المنجّزية بمقدار وجوب الموافقة القطعية. نعم، يقتضي المنجّزية بمقدار حرمة المخالفة القطعية، لكنّه لا يقتضي المنجّزية بمقدار وجوب الموافقة القطعية، الرأي الآخر يقول أنّه يقتضي المنجّزية بمقدار وجوب الموافقة القطعية كما اقتضى المنجّزية بمقدار حرمة المخالفة القطعية.
الجهة الثانية: أنّ العلم الإجمالي هل يمنع من جريان الأصول في بعض الأطراف، أو لا يمنع ؟ هاتان جهتان لابدّ من بحثهما.
بالنسبة إلى اصل الاقتضاء هناك خلاف:
الرأي الأوّل: يقول أنّ العلم الإجمالي لا يقتضي المنجّزية بمقدار وجوب الموافقة القطعية، وإنّما يقال بالمنجّزية باعتبار تعارض الأصول في الأطراف كما هو ظاهر كلمات المحقق العراقي(قدّس سرّه)[5] والسيد الخوئي(قدّس سرّه)،[6] حيث يرون أنّ اقتضاء العلم الإجمالي للمنجّزية بمقدار وجوب الموافقة القطعية ليس ناشئاً من أنّ العلم الإجمالي يقتضي هذه المنجّزية مباشرةً وبلا واسطة، لو بقينا نحن والعلم الإجمالي لم يقتضِ هذه المنجّزية، وإن كان يقتضي المنجّزية بمقدار حرمة المخالفة القطعية، لكن نلتزم بالمنجّزية باعتبار تعارض الأصول بالأطراف، يعني بعد الفراغ في البحث السابق عن منجّزية العلم الإجمالي لحرمة المخالفة القطعية وبعد الفراغ عن استحالة جعل الترخيص في تمام الأطراف؛ حينئذٍ تتعارض الأصول في الطرفين؛ لأنّ جريان الأصل في الطرفين محال؛ لما تقدّم سابقاً من استحالة جعل الترخيص في تمام الأطراف وأنّ العلم الإجمالي يمنع من جريان الأصول في تمام الأطراف، فلا يمكن جريان الأصل في كلا الطرفين، جريان الأصل في أحد الطرفين هو ترجيح بلا مرجّح؛ فحينئذٍ تتعارض هذه الأصول في الأطراف، بمعنى أنّ شمول دليل الأصل لهذا الطرف يعارضه شمول دليل الأصل للطرف الآخر ولا مرجّح، ويستحيل الشمول لكلٍ منهما بناءً على ما تمّ في البحث السابق، فتتساقط الأصول في الأطراف، فيبقى احتمال التكليف في كلّ طرفٍ احتمالاً بلا مؤّمن؛ لأنّ الأصول تساقطت في الأطراف، فيبقى احتمال التكليف في هذا الطرف بلا مؤمّن، ويبقى احتمال التكليف في الطرف الآخر أيضاً بلا مؤمّن، فيجب على المكلّف الموافقة القطعية من باب بقاء احتمال التكليف في كلّ طرفٍ بلا مؤمّن، ويصرّح بأنّه بلا مؤمّنٍ شرعي ولا عقلي؛ لأنّ كل الأصول المؤمّنة تتساقط في هذا العلم الإجمالي، فيتنجّز التكليف المعلوم بالعلم الإجمالي بمقدار وجوب الموافقة القطعيّة.
الرأي الثاني يرى أنّ العلم الإجمالي هو ينجّز، هو يقتضي هذا المقدار من المنجّزية كما يقتضي المقدار السابق من المنجّزية، هو يقتضي وجوب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال مباشرةً من دون حاجة إلى توسيط مسألة التعارض.