35/11/04


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة/ تنبيهات العلم الإجمالي/ الشبهة غير المحصورة
كان الكلام في الشبهة غير المحصورة، وكان الكلام يتركّز عن أنّ العلم الإجمالي فيها يسقط عن المنجّزية، فلا تجب موافقته القطعية؛ بل قد لا تحرم مخالفته القطعية، لو فُرض التمكّن منها. الكلام يقع في أنّه ما هو الوجه في سقوط المنجّزية عن هذا العلم الإجمالي، مع أنّه علم إجمالي حاله حال العلم الإجمالي في شبهةٍ محصورة ؟ ما هو الدليل على سقوط المنجّزية عن هذا العلم الإجمالي؟
تكلّمنا عن الدليل الأوّل، وأكملنا الكلام عنه، وللتذكّر فقط كان الدليل هو ما ذكره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) من أنّ سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية في الشبهة غير المحصورة ناشئ من كون احتمال انطباق المعلوم بالإجمال على هذا الطرف وذاك الطرف احتمالاً ضعيفاً جدّاً وغير معتدٍّ به؛ لكثرة الأطراف التي يتردد المعلوم بالإجمال في ما بينها، لنفترض أنّ الأطراف ألف طرف، فاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال على هذا الطرف هو عبارة عن واحد من ألف، وهو احتمال ضعيف يقوم على خلافه الاطمئنان، يعني هناك اطمئنان بعدم الانطباق على هذا الطرف، وهذا الاطمئنان حجّة عقلائية، وحجّة شرعاً أيضاً، ولو باعتبار أنّه مورد عمل العقلاء ولم يردع عنه الشارع، فهناك اطمئنان بعدم ثبوت التكليف في هذا الطرف، فيكون حاله حال العلم بعدم التكليف في هذا الطرف. لو علم بعدم وجود تكليفٍ في هذا الطرف، لا إشكال في أنّه يجوز له ارتكابه، الاطمئنان حاله حال العلم، والاطمئنان ينشأ باعتبار ما قلنا من أنّ احتمال الانطباق المعلوم بالإجمال على هذا الطرف عندما تكون الأطراف كثيرة يكون احتمالاً ضعيفاً جدّاً؛ ولذا يسقط العلم الإجمالي عن المنجّزية، وبهذا يختلف عن العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة؛ لأنّ احتمال الانطباق في الشبهة المحصورة احتمال معتدّ به، وليس هناك اطمئنان بعدم الانطباق على هذا الطرف، أو ذاك الطرف في الشبهة المحصورة.
أجيب عن هذا الدليل بأجوبة ثلاثة، تقدّمت مفصّلاً، وتقدّم ردّها أيضاً، ولا داعي للتكرار، وتبيّن ـــــــــــ بحسب النتيجة التي تقدّمت ــــــــــ أنّه لا بأس بهذا الدليل للاستدلال به على سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية في الشبهة غير المحصورة.
الكلام الآن عن الدليل الثاني، ولعلّنا ذكرنا شيئاً قليلاً منه في الدروس السابقة، وهو ما تقدّم سابقاً نقله عن المحقق النائيني(قدّس سرّه)[1] من جعل الميزان في الشبهة غير المحصورة هو عدم التمكّن من المخالفة القطعية، باعتبار كثرة الأطراف، بمعنى أننا نفترض في الشبهة غير المحصورة كثرة الأطراف إلى درجةٍ لا يتمكّن المكلّف من ارتكابها جميعاً، فلا يكون قادراً على المخالفة القطعية. بعد أن ذكر هذا الميزان رتّب عليه سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية بلحاظ أدلّة الأصول الترخيصية؛ إذ لا مانع حينئذٍ من إجراء الأصول الترخيصية في جميع هذه الأطراف؛ لأنّ جريان الأصول في جميع الأطراف لا يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية؛ لعدم تمكّن المكلّف من المخالفة القطعية بحسب الفرض، إنّما نمنع من جريان الأصول الترخيصية في أطراف العلم الإجمالي باعتبار أنّ ذلك يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية للمعلوم بالإجمال، فنمنع من جريان الأصول الترخيصية في أطراف العلم الإجمالي، هذا إنّما يتحقق في الشبهة المحصورة؛ لأنّ جريان الأصول الترخيصية في تمام الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، لتمكّن المكلّف من المخالفة القطعية، والأصول إذا جرت في أطراف العلم الإجمالي ترخّص له في المخالفة القطعية، لكن في محل الكلام لا؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف غير قادر على المخالفة القطعية، فأيّ ضير في إجراء الأصول في تمام الأطراف ؟ وهذا هو سبب سقوط العلم الإجمالي عن المنجّزية.
ذكرنا سابقاً أنّ بعض عبارات المحقق النائيني(قدّس سرّه) قد يُستفاد منها شيء آخر، لكن قلنا أنّ التعويل هو على هذا الوجه الذي ذكرناه، وحاصله: أنّه لا مانع من جريان الأصول الترخيصية في جميع أطراف العلم الإجمالي في الشبهة غير المحصورة؛ لأنّ ذلك لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية؛ باعتبار عدم قدرة المكلّف على المخالفة القطعية، فيسقط العلم الإجمالي عن التنجيز، وكأنّه يرى أنّ المانع من إجراء الأصول في جميع الأطراف هو فقط وفقط أنّه يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، وحيث أننا فرضنا في الشبهة غير المحصورة عدم قدرة المكلّف على المخالفة القطعية، فلا مانع من إجراء الأصول في جميع الأطراف. هذا هو الدليل الثاني.
أورد السيد الخوئي(قدّس سرّه) على هذا الدليل بإيرادين:[2]
الإيراد الأوّل: أنّ عدم التمكّن من المخالفة القطعية لا يُلازم الشبهة غير المحصورة، وإنّما قد يتحقق في الشبهة المحصورة أيضاً، على ما ذكرنا سابقاً من المثال بأنّه لو فرضنا أنّه علم بحرمة الجلوس في أحد مكانين في آنٍ واحدٍ، فهو لا يتمكّن من المخالفة القطعية، عدم التمكّن من المخالفة القطعية لا يُلازم كون الشبهة غير محصورة؛ لأنّه قد يتحقق مع الشبهة المحصورة، فهل نلتزم في الشبهة المحصورة بجواز إجراء الأصول في أطرافها ؟ باعتبار أنّ إجراء الأصول في أطرافها لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية؛ لعدم قدرة المكلّف عليها، وهذا أمر يمكن فرضه في الشبهة المحصورة كما مثّلنا، المكلّف غير قادر على أن يجلس في مكانين في آنٍ واحدٍ، إذن: هو غير قادر على المخالفة القطعية مع كون الشبهة محصورة، فلازم هذا الكلام أن نجوّز له إجراء الأصول في الطرفين، والحال أنّه لا أحد يقول بإمكان إجراء الأصول العملية في أطراف العلم الإجمالي إذا كانت الشبهة محصورة. هذا الإيراد الأوّل، وهو اشبه بالإيراد النقضي.
الإيراد الثاني: المحذور الذي يلزم من إجراء الأصول في جميع الأطراف لا ينحصر في أنّ إجراء الأصول في جميع الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، ليس هذا هو المحذور فقط حتّى يقال أنّ المكلّف إذا كان غير قادر على المخالفة القطعية، فلا محذور في إجراء الأصول في جميع الأطراف؛ لأنّ إجراءها لا يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية؛ بل هناك محذور آخر يلزم من إجراء الأصول في جميع الأطراف وهو ما يسمّيه بالترخيص القطعي بالمخالفة، وإن لم يؤدِّ إلى الترخيص في المخالفة القطعية لعدم قدرة المكلّف عليها ـــــــــ بحسب الفرض ــــــــــ لكنّه ترخيص قطعي بالمخالفة، إجراء الأصول في جميع الأطراف، والالتزام بالترخيص في هذا الطرف وذاك الطرف وذاك الطرف.... الالتزام بالترخيص الشرعي الظاهري الثابت باعتبار الأصول الجارية في هذه الأطراف هو ترخيص قطعي بالمخالفة؛ لأنّ المفروض أنّ المكلّف يعلم بثبوت الإلزام في واحد من هذه الأطراف على الأقل، فكيف يُرخّص له الشارع في جميع الأطراف ؟! وهذا محذور آخر غير مسألة أنّ إجراء الأصول في جميع الأطراف يؤدّي إلى الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال؛ بل، وإن لم يؤدِّ إلى الترخيص في المخالفة القطعية لعدم قدرة المكّلف عليها كما فرضه في الشبهة غير المحصورة، وفرضه السيد الخوئي(قدّس سرّه) في المثال المتقدّم في الشبهة المحصورة، وإن لم يؤدِّ إلى الترخيص في المخالفة القطعية، لكن نفس الترخيص في الطرفين مع علم المكلّف بأنّ أحدهما حرام هذا ترخيص قطعي بالمخالفة، ولا يمكن أن يصدر من الشارع ترخيص قطعي بالمخالفة للتكليف الذي يعلم به المكلّف، وإن لم يكن متمكّناً من المخالفة القطعية، لكن نفس ترخيص الشارع له في ارتكاب هذا الطرف في مثال حرمة الجلوس في أحد مكانين، ترخيصاً ظاهرياً مستفاداً من أدلّة الأصول العملية الترخيصية، ويرخّص له الجلوس في هذا الطرف مع افتراض أنّ أحدهما حرام شرعاً، يقول: هذا غير ممكن، ولا يمكن الالتزام به، هذا محذور في حدّ نفسه وهو يمنع من إجراء الأصول في جميع الأطراف حتّى لو فُرض عدم قدرة المكلّف على المخالفة القطعية.
بالنسبة إلى الإيراد الأوّل ــــــــ النقضي ــــــــ لعلّه تقدّم دفعه، وحاصله: أنّ المحقق النائيني(قدّس سرّه) عندما ذكر هذا الدليل ذكر أنّ الشبهة غير المحصورة يعتبر فيها أمران: عدم التمكّن من المخالفة القطعية وكثرة الأطراف، يعني أنّ الشبهة غير المحصورة عنده هي الشبهة التي تكون أطرافها كثيرة جدّاً بحيث لا يتمكّن المكلّف من المخالفة القطعية. يعني كلامه في عدم التمكّن من المخالفة القطعية الناشئ من كثرة الأطراف، فلا معنى للإيراد عليه بالشبهة المحصورة في مثال حرمة الجلوس في أحد مكانين، هو يقول في مورد عدم التمكّن من المخالفة القطعية الناشئ من كثرة الأطراف لا مانع من إجراء الأصول في جميع الأطراف. يظهر أنّ الإيراد عليه كأنّه إيراد عليه بموردٍ آخر هو قد لا يلتزم بجواز إجراء الأصول في جميع الأطراف في ذلك المورد؛ لأنّه يرى أنّ عدم التمكّن من المخالفة القطعية الموجب لسقوط العلم الإجمالي عن التنجيز هو خصوص ما كان ناشئاً من كثرة الأطراف وسعتها، وهذا كلام يختص بالشبهة غير المحصورة، ولا يشمل الشبهة المحصورة. هكذا يُدفع الإيراد الأوّل للسيد الخوئي(قدّس سرّه).
وأمّا إيراده الثاني، فيُدفع بأن يقال: لماذا يكون الترخيص القطعي بالمخالفة محذوراً يمنع من إجراء الأصول في جميع الأطراف ؟ بل الترخيص القطعي بالمخالفة ليس محذوراً يمنع من إجراء الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي، والوجه في ذلك مبني على الرأي الذي يرى بأنّه لا يوجد هناك قبح ذاتي ومحذور عقلي في جريان الأصول في جميع أطراف العلم الإجمالي مطلقاً، فضلاً عن إجراءها في بعض الأطراف، مع افتراض عدم أداء ذلك إلى الترخيص في المخالفة القطعية كما هو المفروض في محل كلامنا.
توضيح المطلب: باعتبار أنّ القبح والمحذور إنّما هو باعتبار أنّ الترخيص في تمام الأطراف بعد إجراء الأصول العملية المؤمّنة في تمام الأطراف ينافي التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال. قد يقال أنّ إجراء الأصول المؤمّنة في تمام الأطراف يلزم منه محذور ذاتي، ومحذور عقلي باعتبار هذه المنافاة للتكليف المعلوم بالإجمال. الجواب يقول لا توجد منافاة بينهما؛ لأنّ المنافاة بينهما كالمنافاة بين الأحكام الظاهرية والأحكام الواقعية، إمّا أن تكون المنافاة بلحاظ عالم الجعل، وإمّا أن تكون المنافاة بلحاظ عالم المبادئ، وإمّا أن تكون المنافاة بلحاظ عالم ما يترتّب على هذا التكليف من أحكامٍ عقليةٍ من قبيل وجوب الموافقة القطعية، أو حرمة المخالفة القطعية، ويدّعى بعدم وجود المنافاة في جميع هذه العوالم بين الترخيص في تمام الأطراف، وبين التكليف الإلزامي المعلوم بالإجمال.
أمّا بلحاظ عالم الجعل: فقالوا أنّه أمر واضح؛ لأنّ عالم الجعل سهل المئونة وليس فيه مؤنة زائدة إذا جرّدناه عن كل شيء، عن مبادئه، وعن ما يتطلّبه في مقام الامتثال، إذا جرّدناه عن كل ذلك، ولاحظناه كجعلٍ هو سهل المئونة، لا توجد منافاة بين جعل الحكم الظاهري الذي هو الترخيص في تمام الأطراف وبين التكليف الواقعي المعلوم بالإجمال.
وأمّا بلحاظ عالم المبادئ: أيضاً لا منافاة بينهما، إمّا باعتبار ما هو المعروف عن السيد الخوئي(قدّس سرّه) من أنّه يرى أنّ مبادئ الأحكام الظاهرية هي في نفس جعلها لا في متعلّقاتها، يعني في نفس جعلها يوجد مبدأ ومصلحة وملاك، بينما مبادئ الأحكام الواقعية هي في المتعلّقات، وهذا معناه أنّ الموضوع متعدد، يعني مبدأ الحكم الظاهري قائم في الجعل لا في المتعلّق، بينما مبدأ الحكم الواقعي قائم في الفعل، وفي المتعلّق، فلا تضاد؛ لتعدد الموضوع؛ لأنّ التضاد والمنافاة إنّما تكون حينما يجتمع المبدآن المتضادان في شيءٍ واحدٍ، الحكم الإلزامي ــــــــــــ فرضاً ــــــــــــ ينشأ من مفسدةٍ هي المبدأ، والحكم الترخيصي ينشأ من مصلحةٍ في إطلاق العنان، عندما يجتمع هذان المبدآن في الفعل يحصل التضاد والمنافاة؛ إذ لا يُعقل أن يكون الشيء الواحد فيه مصلحة الإلزام، وفيه مصلحة الترخيص. أمّا إذا قلنا أنّ مبدأ الحكم الظاهري قائم في نفس جعله لا في المتعلّق، والمتعلّق يختص بمبدأ الحكم الواقعي فقط؛ فحينئذٍ يتعددّ الموضوع، وترتفع المنافاة، فلا تضاد بينهما. هذا على رأي السيد الخوئي(قدّس سرّه).
ويمكن حلّ المنافاة على رأي آخر تقدّم سابقاً في بحث الأحكام الظاهرية، وهو أن يقال: أنّ الأحكام الظاهرية أصلاً ليس لها مبادئ مستقلّة في قِبال مبادئ الأحكام الواقعية، وإنّما مبادئها هي نفس مبادئ الأحكام الواقعية، وذلك لما تقدّم سابقاً من أنّ الأحكام الظاهرية تُعبّر عن أهمية المبادئ الواقعية المناسبة لها عندما يقع هناك تزاحم في مقام الحفظ بينها وبين المبادئ الأخرى، الأحكام الظاهرية تعبّر عن اهتمام الشارع بالمبدأ الواقعي المناسب لها عندما يحصل تزاحم حفظي بين نوعين من المبادئ الواقعية، الحكم الظاهري هو تعبير، وكاشف عن أهمية المبادئ الواقعية المناسبة لها في قِبال المبادئ الأخرى. الترخيص الظاهري هو يعبّر عن اهتمام الشارع بالمباحات الواقعية، واهتمام الشارع بمصلحة إطلاق العنان الذي هو مبدأ المباحات الواقعية، عندما تختلط وتشتبه مع مبادئ الأحكام الإلزامية ويتحيّر المكلّف ولا يعلم ما هو الثابت واقعاً؛ حينئذٍ يحصل تزاحم حفظي، أن كيف تُحفظ هذه المبادئ ؟ إلزام المكلّف بالاحتياط تُحفظ به مبادئ الأحكام الإلزامية، لكن على حساب مبادئ المباحات الواقعية؛ لأنّه يحصل فيه إلزام للمكلّف؛ وحينئذٍ لا إطلاق للعنان، وسوف ترتفع مصلحة إطلاق العنان وتُقدّم عليها مصلحة الأحكام الواقعية الإلزامية. أمّا جعل الترخيص الظاهري فمعناه بالعكس، أنّ مبادئ المباحات الواقعية أهم في نظر الشارع؛ ولذا جعل الترخيص حتّى لو أدّى ذلك إلى فوات مبادئ الأحكام الإلزامية؛ لأنّه يرى أنّ مبادئ الأحكام الترخيصية أهم من مبادئ الأحكام الإلزامية.
إذن: الترخيص الظاهري هي أحكام ظاهرية ليس لها مبادئ مستقلّة في قِبال مبادئ الأحكام الواقعية؛ بل أنّ مبادئها هي نفس مبادئ الأحكام الواقعية؛ وحينئذٍ يمكن أن يقال في المقام بأنّه لا محذور في افتراض الترخيص في جميع الأطراف، وإجراء الأصول المؤمّنة في جميع الأطراف، ولا مشكلة في ذلك حتّى بلحاظ عالم المبادئ؛ لأنّ هذا الترخيص يُعبّر عن اهتمام الشارع بمصلحة إطلاق العنان، أنّ الشارع يريد للمكلّف أن لا يقع في الضيق، وأن يكون مطلق العنان، في موارد الاشتباه يقدّم هذه المصلحة ولو على حساب مبدأ الحكم الواقعي الإلزامي؛ لأنّه إذا أجرى الأصول في جميع الأطراف، سوف يؤدّي هذا إلى فوات مبدأ الحكم الإلزامي المعلوم بالإجمال، يقول لا محذور في ذلك؛ لأنّ الشارع يهتم بمبادئ المباحات الواقعية بالنسبة إلى مبادئ الأحكام الإلزامية التي تختلط وتشتبه معها.
إذن: لا يوجد هناك منافاة بين علمنا إجمالاً بثبوت التكليف في أحد هذه الأطراف، وبين الترخيص الظاهري في جميع الأطراف؛ لأنّ هذا يعني أنّ الشارع لاحظ ووازن في مقام التزاحم الحفظي، وقدّم مصلحة إطلاق العنان، قال: أنا أرى أنّ المصلحة تقتضي أن يكون المكلّف مطلق العنان في جميع هذه الأفعال حتّى إذا استلزم ذلك فوات الغرض الإلزامي، فلا يكون هناك أيضاً منافاة بينهما.
وأمّا بلحاظ ما يتطلّبه التكليف في مقام الامتثال: فأيضاً يقال بعدم وجود تنافٍ بين الترخيص الظاهري في تمام الأطراف، وبين التكليف الإلزامي المعلوم بالإجمال، لا يوجد تنافٍ بينهما أصلاً؛ وذلك باعتبار أنّ ما يتطلّبه التكليف عقلاً في مقام الامتثال هو أحد شيئين: إمّا حرمة المخالفة القطعية، وإمّا وجوب الموافقة القطعية، بلحاظ حرمة المخالفة القطعية، صحيح التكليف الإلزامي المعلوم بالإجمال هو بذاته يتطلّب في مقام الامتثال حرمة المخالفة القطعية، بمعنى أنّ هناك حكم عقلي يترتب على هذا التكليف المعلوم بالإجمال، إذا علم المكلّف بالتكليف الإلزامي يحكم العقل بحرمة مخالفته، لكن في محل كلامنا لا معنى لأن يقال أنّ الترخيص الظاهري في تمام الأطراف ينافي حكم العقل بحرمة مخالفة التكليف المعلوم بالإجمال؛ لأننا فرضنا أنّ المكلّف غير قادر على المخالفة القطعية، في كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) فرض أنّ الشبهة غير المحصورة هي الشبهة التي لا يتمكّن المكلّف فيها من المخالفة القطعية نتيجة كثرة الأطراف. فإذن: الترخيص في تمام الأطراف لا يكون منافياً لهذا الحكم العقلي؛ لعدم قدرة المكلّف على المخالفة القطعية بحسب الفرض، فإذن: لا يوجد تنافٍ.
نعم، في موردٍ آخر يمكن أن يقال في موارد العلم الإجمالي في الشبهة المحصورة، هذا التكليف المعلوم بالإجمال الدائر بين طرفين يتطلّب حرمة المخالفة القطعية، وجعل الترخيص في كلا الطرفين، والأذن للمكلّف في اقتحام كلا الطرفين ينافي حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، لكن في محل كلامنا المفروض أنّ المكلّف غير قادرٍ على المخالفة القطعية، فلا يكون الترخيص في تمام الأطراف منافياً لهذا الحكم العقلي. هذا بالنسبة إلى هذا الأثر العقلي للتكليف.
الأثر الثاني العقلي للتكليف ــــــــــ إذا قيل به ــــــــــــ وهو وجوب الموافقة القطعية، أنّ التكليف المعلوم بالإجمال تجب موافقته القطعية، هذا أيضاً لا ينافي الترخيص في تمام الأطراف؛ لأنّ المفروض أننا نتكلّم في كل هذا الكلام بناءً على الاقتضاء وليس بناءً على العلّية التامّة بلحاظ وجوب الموافقة القطعية الذي هو أيضاً مبنى المحقق النائيني(قدّس سرّه) وكلامه مبني عليه، والاقتضاء بلحاظ وجوب الموافقة القطعية يعني أنّ العقل يحكم بأنّ التكليف المعلوم بالإجمال تجب موافقته القطعية ما لم يُرخّص الشارع في ترك الموافقة القطعية، والاقتضاء دائماً هذا معناه، والمفروض أنّ أدلّة الأصول هي ترخيص شرعي في ترك الموافقة القطعية. مثل هذا الترخيص لا يكون منافياً حينئذٍ لحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية؛ لأنّ حكم العقل بوجوب الموافقة القطعية معلّق على عدم ورود الترخيص، إذا لم يرخّص الشارع تجب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، لو ورد الترخيص من الشارع لا يكون منافياً لهذا الحكم المعلّق، وحيث أنّ الترخيص الذي يُراد إثباته في محل الكلام هو ترخيص مستفاد من الأدلّة الشرعية، أدلّة الأصول المؤمّنة، فهو ترخيص شرعي في ترك الموافقة القطعية، فلا يكون منافياً لحكم العقل بوجوب الموافقة القطعية.