36/01/24


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ انحلال العلم الإجمالي
كان الكلام في أنّه ما هو الوجه في تقديم دليل الإمارة على دليل الأصل الجاري في الطرفين في محل الكلام مع كون كل منهما مجعولاً ظاهرياً وتعبّداً شرعياً، فلماذا نقدّم الإمارة على مجموع الأصلين ؟
كانت هناك أجوبة عن هذا،وانتهى الكلام إلى الجواب الثاني، وكان حاصله إثبات الحكومة، أنّ التقديم من جهة الحكومة بناءً على مسلك جعل الطريقية والعلمية، وذلك بافتراضأنّ مجموع الأصلين مقيّد بعدم العلم بالحكم بالخلاف، والإمارة الدالّة على الحكم الواقعي تكون علماً تعبّدياً بالخلاف، أي بالنجاسة، فيرتفع موضوع الأصل في الطرفين؛ لأنّه موضوعه مقيّد بعدم العلم بالخلاف، وبواسطة قيام الإمارة يصبح المكلّف عالماً بالخلاف؛ وحينئذٍ يرتفع موضوع الأصل.
وذكرنا أنّ السيد الشهيد (قدّس سرّه)[1] اعترض على هذا الجواب وكان الاعتراض يتلخّص في ما يلي: أنّ حكومة الإمارة على الأصل إنّما تتم حينما يؤخذ في لسان دليل الأصل قيد عدم العلم بالخلاف، وأمّا إذا لم يؤخذ في لسان دليل الأصل عدم العلم بالخلاف، فالمشهور بنا على أنّه لا توجد حكومة، وفي محل الكلام لم يؤخذ في مجموع الأصلين عدم العلم بالخلاف في لسان الدليل؛ لأنّ دليل الأصلين الجاريين في الطرفين هو عبارة عن دليل الأصل المتعارف(كل شيء لك طاهر) مثلاً، وأمّا مجموع الأصلين لم يؤخذ في لسانه قيد عدم العلم بالخلاف، دليل أصالة الطهارة يجري في الطرف بعينه، الإناء الذي تشك في نجاسته وطهارته هو لك طاهر حتّى تعلم بقذارته؛ حينئذٍ يكون هذا مأخوذاً في لسان الدليل، لكن هذا الدليل لا يدل على أنّ مجموع الأصلين منوط ومشروط بعدم العلم بالخلاف. نعم، لا إشكال في أنّ هذا قيد في مجموع الأصلين المعارض لدليل الإمارة، لكنّه قيد لبّي وواقعي وليس مأخوذاً في لسان الدليل. هذا هو الإشكال. وبناءً على هذا؛ حينئذٍ كيف تجري الحكومة في محل الكلام ؟ ثمّ ذكر بأنّ هذا هو الوجه الذي أجاب به القوم عن إشكال تقديم الإمارة على الاستصحاب، لماذا تقدّم الإمارة على الاستصحاب ؟ مع أنّ كلاً منهما المجعول فيه هو العلمية والطريقية، وكل منهما أيضاً مقيّد بعدم العلم بالخلاف. الإمارة مقيّدة بعدم العلم بالخلاف، بلا إشكال، وأنّ الإمارة لا تكون حجّة مع العلم بالواقع، الاستصحاب أيضاً مقيّد بعدم العلم بالخلاف، فلماذا تقدّم الإمارة على الاستصحاب ؟
أجابوا عن هذا بأنّ الإمارة وإن كانت مقيّدة بعدم العلم بالخلاف، لكنّ القيد فيها لبّي، لم يؤخذ في لسان دليلها، لسان دليل الإمارة خبر الثقة حجّة، لم يؤخذ في لسان دليلها قيد عدم العلم بالخلاف، بينما الاستصحاب أخذ في لسان دليله عدم اليقين وعدم العلم بالخلاف والشكّ، ومن هنا تكون الإمارة حاكمة على الاستصحاب؛ لأنّ الاستصحاب أُخذ في لسان دليله عدم العلم بالخلاف، ولا يكون الاستصحاب حاكماً على الإمارة؛ لأنّ الإمارة لم يؤخذ في لسان دليلها عدم العلم بالخلاف، وإن كانت مقيّدة به واقعاً. نفس هذا الكلام يقال في المقام، عندنا إمارة وفي مقابلها أصل، هذا الأصل إن جرى في أحد الطرفين كما لو فرضنا أنّ الإمارة أخبرت بنجاسة أحدهما المعيّن، لا مشكلة، هنا يقال بأنّ هذا الأصل أُخذ في لسان دليله عدم العلم بالخلاف، بينما الإمارة لم يؤخذ في لسان دليلها عدم العلم بالخلاف، فتقدّم الإمارة على الأصل، لكن الكلام ليس في الأصل الجاري في أحد الطرفين، وإنّما الكلام في مجموع الأصلين، ومجموع الأصلين مقيّد بعدم العلم بالخلاف بلا إشكال، لكنّ القيد فيه قيد لبّي وواقعي لا في لسان دليل؛ لأنّه ليس لدينا دليل يقول أنّ مجموع الأصلين مقيّد بعدم العلم بالخلاف، وإن كان هو كذلك واقعاً ولبّاً، ومن هنا يشكل تقديم الإمارة على مجموع الأصلين. وبعبارةٍ أخرى: من هنا يشكل تحقق الحكومة في المقام؛ لأنّ كلاً من المتعارضين لم يؤخذ في لسان دليله عدم العلم بالخلاف، لا الإمارة أخذ في لسان دليلها عدم العلم بالخلاف، ولا مجموع الأصلين أخذ فيه عدم العلم بالخلاف. نعم، مجموع الأصلين أخذ فيه عدم العلم بالخلاف لبّاً وواقعاً كما هو الحال في الإمارة، فلا وجه لحكومة الإمارة على مجموع الأصلين. هذا إشكال السيد الشهيد (قدّس سرّه) على الجواب الثاني.
هذا الإشكال مبني على أنّ هناك فرقاً،ولو بنظر العرف، بين أخذعدم العلم بالخلاف في لسان الدليل وبين أخذه لبّاً وواقعاً بحيث أنّ العرف يرى أنّ الحكومة تصدق في الأوّل ولا تصدق في الثاني. والالتزام بهذا صعب، فالعرف لا يُفرّق بينهما؛ لأنّه بعد فرض أنّ المجعول هو العلمية والطريقية، وبعد فرض أنّ المكلّف عندما قامت عنده الإمارة يصبح عالماً بالواقع تعبّداً، العرف يرى أنّ هذا العلم التعبّدي بالواقع يكون رافعاً لمجموع الأصلين، وإن كان مجموع الأصلين لم يؤخذ في دليله عدم العلم بالخلاف، لكن بالنتيجة واقعاً هو مقيّد بعدم العلم بالخلاف، العرف عندما تطرح عليه القضية يقول أنّ من قامت عنده القضية أصبح عالماً بالنجاسة تعبّداً، ويعتبر هذا حاكماً على مجموع الأصلين، ورافعاً لموضوعه؛ لأنّ موضوعه الشك وعدم العلم، وإن لم يؤخذ في لسان دليله، العرف يرى أنّ العلم التعبّدي بالنجاسة نتيجة قيام الإمارة يكون حاكماً على مجموع الأصلين ويكون رافعاً لموضوعه، لا يبقى لدى المكلّف شكّ في ثبوت الطهارة في كلٍ منهما، وإنّما يصبح عالماً بأنّ أحدهما نجس. إذن، لاشك في المجموع، وإنّما هو يعلم بأنّ أحدهما نجس، فيرتفع الشكّ في مجموع الأصلين باعتبار الإمارة القائمة على نجاسة أحد الإناءين والتي هي علم تعبّدي بنجاسة أحد الإناءين. هذا بنظر العرف يمنع من جريان الأصل في كلا الطرفين ويكون حاكماً على ذلك ورافعاً لموضوعه، بنظر العرف هكذا، قد يكون صناعةً يصح ما ذكره، لكن بالنظر العرفي الظاهر أنّه ليس كذلك.
الجواب الثالث: أن يقال أنّه في المقام يوجد عندنا علم إجمالي وليس فقط إمارة قامت على نجاسة أحد الإناءين حتّى يرد الإشكال السابق، حيث الإشكال كان أننا في المقام ليس لدينا علم، وإنّما إمارة قامت على نجاسة أحد الإناءين، فلماذا نقدّم الإمارة على مجموع الأصلين مع أنّ كلاً منهما من الأحكام الظاهرية، وكل منهما تعبّد شرعي. في الجواب الثالث ندّعي أنّ هنا يوجد علم وجداني بثبوت النجاسة في أحد الطرفين الأعم من النجاسة الواقعية والنجاسة الظاهرية؛ لأنّه إن كانت الإمارة مصيبة للواقع، فالنجاسة واقعية، وإن كانت النجاسة غير مصيبة للواقع، فالنجاسة ظاهرية بدليل الحجّية. وقد تقدّم سابقاً أنّ الإمارة الدالّة على نجاسة أحد الإناءين لها مدلول التزامي، مدلولها الالتزامي أنّها تحكم بنجاسة هذا الطرف على تقدير طهارة الطرف الآخر، وتحكم بنجاسة الطرف الآخر على تقدير طهارة الطرف الأوّل، هذا يوجب علماً إجمالياً بأنّ هناك نجاسة متحققة في أحد الإناءين قطعاً، غاية الأمر أنا لا أدري أنّ هذه النجاسة المتحققة هل هي نجاسة واقعية، أو هي نجاسة ظاهرية ؟ إذن، أنا أعلم إجمالاً بنجاسة متحققة في أحد الإناءين أعم من أن تكون نجاسة ظاهرية، أو واقعية، وهذا بلا إشكال يكون مقدّماً على مجموع الأصلين، ويكون بالضبط حاله مع الأصلين الجاريين في الطرفين مع العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما، ولا مشكلة في هذا، عندما نعلم إجمالاً بنجاسة أحدهما، لا إشكال في أنّ العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما يمنع من جريان الأصلين في الطرفين، في ما نحن فيه سوف يكون حاله من هذا القبيل، بمعنى أنّ نسبة الأصلين إلى هذا العلم الإجمالي بالنجاسة الأعم من الظاهرية والواقعية كنسبة الأصلين في أصل البحث بالنسبة إلى العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما كما أنّ العلم الإجمالي هناك يمنع من جريان الأصلين في الطرفين ويقدّم عليهما، كذلك الحال في محل الكلام بعد أن انتزعنا واستفدنا من قيام الإمارة على نجاسة أحد الطرفين حصول علم إجمالي بنجاسة موجودة في البين ومتحققة قطعاً. نعم، هي أعمّ من أن تكون نجاسة ظاهرية أو تكون نجاسة واقعية، وتقديم هذا على مجموع الأصلين وعلى الأصلين في الطرفين واضح جدّاً كما هو الحال في البحث السابق. هذا الجواب الثالث عن أصل الإشكال، وبهذا يتمّ الكلام عن هذا التنبيه.
التنبيه الآخر الذي يقع فيه الكلام: هو العلم الإجمالي في التدريجيات.
الكلام يقع في ما إذا كان أحد طرفي العلم الإجمالي تكليفاً فعلياً، لكنّ الطرف الآخر كان تكليفاً استقبالياً، تكليفاً منوطاً بزمانٍ متأخرٍ.
بعبارةٍ أخرى: إذا كانت المشتبهات ــــــــــــ حسب تعبير الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ـــــــــــ تدريجية، هذا طرف لعلم إجمالي مشتبه الآن يتحقق، الطرف الثاني يتحقق في المستقبل، فهناك تدريجية في أطراف العلم الإجمالي، أو في المشتبهات، يمثّل لذلك بالمرأة المضطربة العادة التي تنسى وقت العادّة وإن كانت تحفظ العدد، هي تعلم أنّ عادتها ثلاثة ايام في الشهر، لكنّها لا تعلم هل أنّها في أول الشهر، أو في وسطه، أو في آخره ؟ أو المرأة التي يستمر معها الدم طيلة الشهر، فهي تعلم إجمالاً بأنّ هناك ثلاثة ايام واقعة في هذا الشهر هي أيام حيضها، لكنّها لا تعلم أيّ الثلاثة هي أيام الحيض، هل هي الثلاثة الأولى، أو الثلاثة الثانية، أو الثالثة.......وهكذا ؟ مثال آخر يُذكر في المقام هو التاجر الذي يعلم أنّه سوف يبتلي في يومه، أو في شهره بمعاملة ربوية، لكنّه لا يعلم أنّ هذه المعاملة التي سوف يبتلي بها في شهره هل هي المعاملة التي يجريها في اليوم الأوّل، أو في اليوم الثاني، أو الثالث.........وهكذا ؟ هذا علم إجمالي بمعاملة ربوية متحققة في الشهر في ضمن المعاملات التي يجريها في الشهر، لكن الأطراف تدريجية، المشتبهات تدريجية، الأمر يدور بين تكليفٍ فعلي، إذا كانت المعاملة الربوية هي هذه المعاملة التي يجريها اليوم، وبين تكليفٍ منوطٍ بزمانٍ متأخّر، على تقدير أن تكون المعاملة الربوية هي المتحققة في المعاملة التي يجريها في وقتٍ لاحقٍ، الكلام يقع في أنّ العلم الإجماليهذا هل ينجّز كلا الطرفين، فيحرم على المرأة ــــــــ مثلاً ـــــــــ دخول المساجد طيلة الشهر ؟ أو يحرم على التاجر الإقدام على المعاملة طيلة الشهر؛ لأنّه يعلم إجمالاً بوجود معاملة ربوية في ضمن المعاملات الطولية التي يجريها خلال الشهر ؟ أو أنّ هذا العلم الإجمالي لا اعتبار به ولا يكون منجّزاً.
في مقام تنقيح محل الكلام السيد الخوئي (قدّس سرّه) ذكر شيئاً لا بأس بعرضه، وحاصل ما ذكره: أنّ تدريجية الأطراف والمشتبهات يمكن تصوّرها على أنحاء تدريجية: [2]
النحو الأوّل: أن نفترض أنّ التدريجية هي تدريجية اختيارية للمكلّف بأن يكون المكلّف متمكنّاً من الجمع بين الأطراف، ولكنّه أرتأى أن يأتي بأحد الأطراف الآن، ثمّ يأتي بالطرف الآخر في اليوم الآخر، ويمثّل له بما إذا علم بغصبية أحد الثوبين، هو الآن متمكن من لبس كلٍ منهما، ليس هناك تدريجية قهرية عليه، يمكنه لبس هذا الثوب كما يمكنه لبس الثوب الآخر، لكن هو أرتأى أن يلبس هذا الثوب اليوم وأن يلبس الثوب الآخر في اليوم الآخر، هنا حصلت تدريجية بين الأطراف، لكنّها تدريجية اختيارية، هنا قال لا إشكال في خروج هذا النحو عن محل الكلام؛ لوضوح أنّ العلم الإجمالي هنا يكون منجّزاً باعتبار أنّ المكلف عالم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، هو يعلم بأنّه مكلّف بالاجتناب عن أحد الثوبين فعلاً، سواء كانت الغصبية موجودة في هذا الثوب، أو موجودة في هذا الثوب، مع فرض تمكّن المكلّف من الموافقة القطعية والمخالفة القطعية، فيتنجّز عليه العلم الإجمالي بلا إشكال، وهذا خارج عن محل الكلام؛ لأننا لا نتكلّم في ما إذا كانت التدريجية اختيارية للمكلّف.
النحو الثاني: أن تكون التدريجية مستندة إلى عدم تمكّن المكلّف منها، يعني عدم التمكّن من الجمع بين الأطراف، فقهراً تكون الأطراف تدريجية، لكنّ المكلّف يتمكّن من ارتكاب كل واحد منهما بالفعل، التدريجية قهرية وليست اختيارية له، لكن يُفترض أنّه متمكّن من ارتكاب هذا الطرف بالفعل، ومتمكّن من ارتكاب الطرف الآخر بالفعل، من قبيل ما إذا علم إجمالاً بوجوب أحدى الصلاتين، إمّا صلاة الجمعة، أو صلاة الظهر، هو لا يمكنه أن يجمع في آنٍ واحد بينهما، في مثال الثياب الغصبية كان يمكنه أن يجمع بينهما في آنٍ واحد، فيلبس الثوبين، أمّا في صلاة الظهر وصلاة الجمعة لا يمكنه أن يصلي الظهر والجمعة في زمان واحد، هو في زمانٍ واحد إمّا أن يصلي الظهر، أو يصلي الجمعة، هنا لا يمكنه الجمع بينهما، فالتدريجية مفروضة عليه، لكنّه يتمكّن من أن يأتي بصلاة الظهر كما يتمكّن أن يأتي بصلاة الجمعة. في هذه الحالة أيضاً ذكر أنّ هذا خارج عن محل الكلام، أيضاً لوضوح أنّ العلم الإجمالي في هذه الحالة يكون منجّزاً لوجوب الموافقة القطعية؛ لأنّه علم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، هو يعلم فعلاً أنّه مكلّف تكليفاً فعلياً على كل تقدير، يعني سواء كان الواجب عليه صلاة الجمعة، فهو مكلّف بها، أو كان الواجب عليه صلاة الظهر فهو مكلّف بها، فيكون حاله حال نجاسة أحد الإناءين، أو خمرية أحد المائعين......وهكذا، التكليف فعلي على كل تقدير، سواء كان في هذا الطرف هو مكلّف، أو كان في هذا الطرف فهو مكلّف، وهذا هو الملاك في منجّزية العلم الإجمالي، وهذا متحقق في المقام؛ لأنّه يعلم أنّه مكلّف فعلاً بتكليفٍ على كل تقدير، سواء كان الواجب الواقعي هو صلاة الظهر هو مكلّف بها، أو كان الواجب الواقعي هو صلاة الجمعة هو أيضاً مكلّف بها، والمفروض أنّه قادر على الإتيان بكل واحدٍ منهما، غير قادر على الجمع بينهما في زمان واحد، إلاّ أنه قادر على الإتيان بهذا، وقادر على الإتيان بهذا، فيتنجّز عليه العلم الإجمالي بلا إشكال، وهذا أيضاً خارج عن محل الكلام.
النحو الثالث: أن تكون التدريجية مستندة إلى عدم تمكّن المكلّف، أي أنّ التدريجية مفروضة على المكلّف، فهو لا يتمكّن من الجمع بين الطرفين في زمانٍ واحد بسبب تقيّد أحد الطرفين بزمانٍ متأخّر، أو بقيدٍ زماني متأخّر، يعني قيد زماني يحصل في الزمان، لكنّه متأخّر، فهنا لا يتمكّن المكلّف من الجمع بينهما في زمانٍ واحد، التدريجية مفروضة على المكلّف، لكن هنا يفترض عدم قدرة المكلّف على ارتكاب كل واحدٍ منهما كما فرضناه في النحو الثاني حيث كان يمكنه أن يصلي الجمعة كما يمكنه أن يصلي الظهر، أمّا في النحو الثالث فنفترض أنّه غير قادر على كلٍ من الطرفين، وإنّما قدرته فقط تتعلّق بأحد الطرفين بعينه، أمّا الطرف الآخر فهو غير قادر عليه بالفعل، وهذا هو العلم الإجمالي في التدريجيات، المكلّف غير قادرٍ إلاّ على أحد الطرفين بعينه، وأمّا الطرف الآخر، فهو غير قادرٍ عليه؛ لأنّ الطرف الآخر يكون منوطاً ومقيّداً بزمانٍ متأخّرٍ، أو بقيّدٍ متأخّر الحصول.
إذن: المأخوذ في محل الكلام أن تكون هناك تدريجية في الأطراف، وأنّ هذه التدريجية ليست اختيارية، وأن يكون المكلّف غير قادرٍ على اختيار كلٍ من الطرفين، أمّا كونه غير قادرٍ على الجمع، فهذا فرضناه في نفس افتراض التدريجية، لكن هو غير قادرٍ على هذا الطرف مع قدرته على الطرف الآخر كما هو الحال في صلاتين، وإنّما هو قادر على طرفٍ واحدٍ كما هو الحال في الأمثلة السابقة، التاجر غير قادرٍ إلاّ على إجراء معاملةٍ في هذا اليوم؛ لأنّ المعاملة الثانية منوطة بزمانٍ متأخّرٍ ولا تتحقق إلاّ في زمانٍ متأخّر. إذن، هو اليوم قادر على طرفٍ واحدٍ، وغير قادر على الطرف الآخر، وإنّما هذه تدريجية وهو لا يكون قادراً إلاّ على أحد الطرفين دون الطرف الآخر، وقال: أنّ هذا هو محل الكلام، وهذا هو الذي يجري فيه الكلام.
ثمّ ذكر بأنّ هذا النحو الثالث ينقسم إلى قسمين، وأنّه تارةً نفترض أنّ التكليف يكون فعلياً على كل تقديرٍ وأخرى لا يكون كذلك؛ بل يكون فعلياً على تقدير ولا يكون فعلياً على تقديرٍ آخرٍ.
أمّا الأوّل: وهو أن يكون التكليف فعلياً على كل تقدير، ذكر بأنّه لا ينبغي الإشكال في منجّزية العلم الإجمالي فيه، مادام التكليف فعلياً على كل تقديرٍ، وإن كان أحد الطرفين منوطاً بزمانٍ متأخّرٍ، وإن كان هناك تدريجية في أطراف العلم الإجمالي بحسب تحققها في عمود الزمان، لكن ما دام التكليف فعلياً على كل تقدير، سواء كانت المعاملة الربوية في هذا اليوم، أو كانت بعد خمسة أيام، لكن التكليف بحرمة تلك المعاملة يكون فعلياً. إذن، هو يعلم بتكليفٍ فعليٍ سواء كانت المعاملة الربوية في هذا اليوم، أو كانت بعد خمسة أيام، لكن التكليف فعلي، إذا كان التكليف فعلياً على كل تقدير، فهذا لا ينبغي الإشكال في منجّزية العلم الإجمالي فيه، وكأنّه يريد أن يقول أنّ هذا أيضاً خارج عن محل الكلام، والسرّ فيه هو أننا نفترض العلم بالتكليف الفعلي على كل تقدير، وحيث أنّ الملاك في التكليف هو أن يكون المكلّف عالماً بتكليفٍ فعليٍ متوجّه إليه، سواء كانت النجاسة في هذا الطرف، أو كانت النجاسة في الطرف الآخر، وفرضنا هذا العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي على كل تقدير، فلابدّ من الالتزام بالتنجيز، ومثّل لذلك بمسألة النذر، إذا نذر المكلّف أن يقرأ سورة معينة، لكنّه لا يعلم هل أنّه نذر في هذا اليوم أن يقرأ سورة معينة، أو نذر أن يقرأ سورة معينة في اليوم الآتي، قطعاً هو نذر أن يقرأ سورة معينة، لكنّه لا يعلم أنّه نذرها في هذا اليوم، أو في اليوم الآتي، هذا علم إجمالي بالتدريجية، في هذه الحالة بناءً على إمكان الواجب المعلّق؛ حينئذٍ لا مشكلة في الفصل بين التكليف وبين المكلّف به، بأن يكون الزمان المكلّف به استقبالياً، لكن التكليف به فعلياً، فيكون واجباً معلّقاً ــــــــــــ بناءً على إمكان الواجب المعلّق ـــــــــــ حينئذٍ هنا يكون مثالاً لهذا القسم الأوّل، وهو أنّ التكليف فعلي على كل تقدير، سواء هو نذر أن يقرا سورة في هذا اليوم، فيجب عليه قراءتها، أو نذر أن يقرأ السورة في اليوم الآتي أيضاً يجب عليه قراءتها، التكليف فعلي والقيد والزمان إنّما هو قيد للواجب المكلّف به وليس للتكليف، فالتكليف فعلي، هو فعلاً مكلّف بأن يقرأ السورة أمّا اليوم، أو غداً، يقول: في هذه الحالة لا ينبغي الإشكال في تنجيز العلم الإجمالي، فينجّز العلم الإجمالي كلا الطرفين عليه، فيجب عليه الاحتياط بأن يقرأ السورة في هذا اليوم ويقرأها في اليوم الآتي؛ لأنّ التكليف فعلي على كل تقديرٍ.
وأمّا الثاني: يعني علم إجمالي بالتدريجيات لكن التكليف ليس فعلياً على كل تقدير، وإنّما هو فعلي على تقدير، وليس فعلياً على تقديرٍ آخرٍ، على تقدير أن يكون التكليف في هذا الطرف المتحقق الآن، فهو تكليف فعلي، وأمّا على تقدير أن يكون متحققاً في الطرف الموجود في المستقبل فهو ليس فعلياً الآن، وإنّما سيكون فعلياً في وقته وزمانه، فإذن، التكليف ليس فعلياً على كل تقدير، وإنّما هو فعلي على تقدير وليس فعلياً على تقديرٍ آخر، يقول: هذا هو محل الكلام، وهو الذي وقع فيه النزاع والخلاف، أنّ هذا العلم الإجمالي ينجّز الطرفين، أو لا ينجّزهما ؟ أو نقول بالتفصيل كما سيأتي.