36/04/12


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ خروج بعض الأطراف عن محل الابتلاء.
تبيّن من الدرس السابق أنّ هناك تقريبين لمنع صحّة التمسّك بالإطلاق في محل الكلام؛ لأننا قلنا في بداية البحث أنّه قد يُدّعى التمسّك بإطلاق دليل التكليف لإثبات فعلية التكليف في الفرد الذي يُشكّ في كونه داخلاً في محل الابتلاء، أو ليس داخلاً في محل الابتلاء.
قلنا أنّهم اختلفوا في صحّة التمسّك بالإطلاق وعدمه على قولين، القول الأوّل لصاحب الكفاية(قدّس سرّه) الذي يمنع من التمسّك بالإطلاق مطلقاً، لكن كلامنا فعلاً في الشبهة المفهومية، وقد تقدّم التقريب الأوّل لمنع الإطلاق الذي هو تقريب صاحب الكفاية(قدّس سرّه). التقريب الثاني الذي ذكره المحقق العراقي كتفسيرٍ آخر لكلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه).
التقريب الثالث: ما هو مذكور في كلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) وغيره من أنّ المخصص في المقام لبّي فيكون كالمخصص المتّصل، ومن الواضح أنّه عندما يكون المخصص المتّصل مجمل مفهوماً يسري الإجمال إلى العام، فيكون العام مجملاً فلا يجوز التمسّك به.
توضيح التقريب: أصل المبنى واضح أنّ المخصص المتّصل بالعام إذا كان مجملاً مفهوماً يسري إجماله إلى العام ولا ينعقد للعام ظهور في جميع الأفراد حتّى الأفراد المشكوكة من دون فرقٍ في هذا المخصص المتّصل المجمل بين أن يكون مخصصّاً لفظياً مجملاً مفهوماً، وبين أن يكون مخصصّاً عقلياً ضرورياً؛ لأنّ المخصص العقلي الضروري هو بمنزلة المخصص المتّصل، فإذا كان مجملاً مفهوماً؛ حينئذٍ يسري إجماله إلى العام، ويقال حينئذٍ أنّه من الواضح أنّ المخصص في محل الكلام هو من الأحكام العقلية الضرورية، باعتبار أنّ ضرورة العقل قائمة على استهجان النهي عن ما هو خارج عن محل الابتلاء، واعتبار الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف من الأمور الواضحة عند العقلاء وعند العرف، فإذا كان هذا المخصص الواضح عند العرف والعقلاء، إذا تردد بين الأقل والأكثر، باعتبار إجمال المفهوم كما هو المفروض، الخارج عن محل الابتلاء مخصص للتكليف؛ لأنّ التكليف لا يشمل ما هو خارج عن محل الابتلاء بحكم العقل؛ لأنّه أصبح من القضايا الواضحة والضرورية أن يستهجن العقلاء النهي عن ما هو خارج عن محل الابتلاء، فيكون مخصصّاً لدليل النهي، هذا المخصص تردد عندنا بين الأقل والأكثر، بمعنى أنّ الأفراد الخارجة من دليل النهي، هناك افراد نتيقّن بخروجها؛ لأنّه واضح فيها أنّها خارجة عن محل الابتلاء، لكن هناك أفراد نشكّ في أنّها خارجة عن محل الابتلاء، أو ليست خارجة. إذن، الخارج عن محل الابتلاء، أي المخصص لإجمال مفهومه يتردّد بين الأقل والأكثر، لا نعلم هل يشمل الأفراد التي نشكّ في خروجها، أو دخولها، أو لا يشمل هذه الأفراد، وإنّما يختص بما نتيقن خروجه عن محل الابتلاء؛ وحينئذٍ هذا بمثابة المخصص المتّصل، فيسري إجماله إلى العام، فلا يجوز التمسّك بالعام ويسقط العام عن قابلية التمسّك به في موارد الشكّ في الابتلاء وعدمه.
نعم، إذا كان المخصص منفصلاً، فلا مشكلة في التمسك بالعام؛ لأنّ الإجمال في المخصص المنفصل لا يسري إلى العام، ويبقى العام حجّة وقابلاً للتمسّك به في الفرد المشكوك، لكن المخصص في محل الكلام بمثابة المخصص المتّصل لا المنفصل.
اعتُرض على التقريب الثالث:
الاعتراض أول: بإنكار الصغرى بعد تسليم الكبرى القائلة بأنّ كل مخصص متصل إذا كان مجملاً مفهوماً فإجماله يسري إلى العام، لكن تطبيق الصغرى على محل الكلام ليس واضحاً، باعتبار أنّ اشتراط الدخول في محل الابتلاء في صحّة التكليف ليس من الوضوح بدرجة بحيث يكون من الضروريات المرتكزة في أذهان الناس بحيث تكون مقترنة بالخطاب عند صدوره، بمجرّد أن يصدر الخطاب يكون المخصص الضروري مقترناً به، فيكون بمثابة المخصص المتصل، لم تبلغ إلى درجة من الوضوح بحيث تصيّر اعتبار الدخول في محل الابتلاء بمثابة الأحكام العقلية الضرورية التي هي مقترنة بدليل الخطاب، كلا، ليست بهذه المثابة. صحيح بأنّه بالنتيجة هو حكم عقلي، أو حكم يعتبره العقلاء، لكن هذا لا يجعله بمثابة الأحكام العقلية الضرورية التي يفترض حضورها والالتفات إليها عند صدور الخطاب قهراً، وإنّما هو بحاجة إلى شيءٍ من التأمّل والتدبّر؛ حينئذٍ يُحكم باعتبار الدخول في محل الابتلاء، الدخول في محل الابتلاء ليس من الأمور الضرورية البديهية التي تقترن بالخطاب حتّى تكون بمنزلة المخصص المتصل، أو هي مخصص متّصل في الواقع، وإنّما هي بحاجة إلى نوعٍ من التأمّل والتدبّر؛ حينئذٍ يحكم العقلاء، أو العرف باعتبار الدخول في محل الابتلاء، وأنّ ما هو خارج عن محل الابتلاء لا يشمله إطلاق الخطاب، فالمناقشة في الصغرى، في كون المخصص في محل الكلام بمثابة المخصص المتّصل، ونحن ننكر ذلك، المخصص في المقام ليس بمثابة المخصص المتّصل، وإنّما هو بمثابة المخصص المنفصل؛ لأنّه بمجرّد أن يحتاج إلى تدبّر وتأمّل يعتبر بمثابة المخصص المنفصل، والمخصص المنفصل لا يمنع من التمسّك بالعام.
هذا الاعتراض ذكره المحقق العراقي والمحقق النائيني(قدّس سرّه)وكل منهما التزم باستهجان النهي عن ما هو خارج عن محل الابتلاء، هذا الامتناع المستند إلى الاستهجان هل يصل إلى درجةٍ من الوضوح بحيث يعتبر بمثابة المخصص المتّصل، أو ليس هكذا ؟ الظاهر من هذين العلمين إنكار وصول هذا الامتناع إلى حد الأحكام العقلية الضرورية. صحيح أنّ العرف يستهجن النهي عن ما هو خارج عن محل الابتلاء، لكنّه ليس من الأحكام الضرورية البديهية، وإنّما هو بحاجة إلى نوعٍ من التأمّل والتدبّر، فهو لا يصل إلى حدّ الأحكام الضرورية، وبالتالي لا يمكن عدّه بمثابة المخصص المنفصل.
الاعتراض الثاني: إنكار الكبرى بعد تسليم الصغرى، وهذا الاعتراض يذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه)، يقول: لو سلّمنا تحقق الصغرى وأنّ المخصص في المقام مخصص متّصل، أو بمثابة المخصص المتّصل، لكن نحن لا نؤمن بالكبرى على إطلاقها، وأنّ كل مخصصٍ متّصلٍ إجماله وترددّه بين الأقل والأكثر من جهة إجمال مفهومه يمنع من التمسّك بالعام. نعم، نسلّم هذا في حالة ما إذا كان الخارج عن العموم عنواناً واقعياً غير مختلف المراتب وترددّ مفهومه بين الأقل والأكثر. يقول هنا صحيح، إجمال المخصص وتردّده بين الأقل والأكثر من جهة إجمال المفهوم يسري إلى هذا الإجمال إلى العام ويمنع منه، باعتبار أنّ الخارج عن العموم بالمخصص هو عنوان واقعي لا تختلف مراتبه، هذا العنوان الواقعي الذي ليست له مراتب متعددّة ترددّ بين الأقل والأكثر، هنا يقول نؤمن بهذه الكبرى، والإجمال يسري إلى العام ويمنع من التمسّك به إذا كان المخصص متصلاً، ويمثّل لذلك بالمثال المعروف، وهو ما إذا ورد(أكرم العلماء) وخرج منه الفاسق(إلاّ الفسّاق) وكان متّصلاً به، هنا الخارج من العام هو عنوان(الفاسق)، وهو عنوان واقعي ليس له مراتب متعددّة. نعم، يدور أمره باعتبار الإجمال ـــــــــــــ بحسب الفرض ـــــــــــــــ بين الأقل والأكثر، بين خصوص مرتكب الكبيرة، أو الأعم منه ومن مرتكب الصغيرة، لكن هذا العنوان الخارج عن العام ليس له مراتب على كلا التقديرين، سواء كان المراد به خصوص مرتكب الكبيرة وليس له مراتب، أو كان المراد به هو الأعم من مرتكب الكبيرة ومن مرتكب الصغيرة، عنوان واقعي ليس له مراتب، يدور أمره بين الأقل والأكثر لإجمال مفهومه لا أكثر، في هذه الحالة إجمال الخاص يسري إلى العام ويمنع من التمسّك به، وأمّا إذا كان الخارج من العموم عنواناً ذا مراتب، وعُلم بخروج بعض مراتبه عن العام وشُك في خروج البعض الآخر، وهذا المخصص الخارج عن العام له مراتب، ونعلم بخروج بعض مراتبه عن العام، لكن البعض الآخر من مراتبه نشكّ في خروجها عن العام، يقول في مثل ذلك، بالرغم من أنّ المخصص متّصل لا مانع من الرجوع إلى العام والتمسّك به، وإجمال المخصص لا يسري إلى العام؛ بل في الحقيقة، يقول أنّ هذا الشك يرجع في واقع الأمر إلى الشكّ في التخصيص الزائد لأننا نعلم أنّ بعض مراتبه خارجة من العام قطعاً ونشك في خروج مراتب أخرى، هذا الشك في خروج هذه المراتب الأخرى شكّ في التخصيص الزائد، بمعنى أنّ هذا العام خُصص ببعض هذه المراتب من هذا العنوان الخارج من العام، ونشك في تخصيصه بما هو أزيد من تلك المراتب، هل خُصص بهذه المراتب التي أزيد من المراتب المتيقنة، أو لا، شكّ في التخصيص الزائد ولا شكّ أنّه عند الشك في التخصيص الزائد يُرجع إلى العام، يظهر من هذا الكلام أنّه يُفرّق بين ما إذا كان عنوان الخارج من العام عنواناً ليس له مراتب متعددّة نعلم بخروج بعضها ونشكّ في دخول البعض الآخر، كلا، فالفاسق ليس مراتب، غاية الأمر أنّ مفهومه ليس واضحاً لدينا، ويدور بين مرتكب الكبيرة فقط وبين الأعم منه ومن مرتكب الصغيرة، لكن هو على التقديرين ليس له مراتب، يقول: هنا يسري الإجمال إلى العام، وبين ما إذا كان الخارج بالتخصيص عنواناً له مراتب، ونحن نعلم بأنّ بعض مراتبه خارجة عن العام قطعاً، ونشك في خروج ما زاد على ذلك، أو مراتب أخرى عن العام، وهذا شك في التخصيص الزائد، وعند الشك في التخصيص الزائد حتّى في المتّصل لا إشكال في أنّه يمكن الرجوع إلى العام، ولا يسري الإجمال إلى العام. هو يريد أن يقول أنّ مانحن فيه هو من هذا القبيل، الخارج عن الدليل هو عنوان الخارج عن محل الابتلاء، يخصص دليل التكليف بالخروج عن محل الابتلاء التي يحكم بها العقلاء والعرف ويستهجنون التكليف بما هو خارج عن محل الابتلاء، وإشكال اللّغوية وتحصيل الحاصل .....الخ من المحاذير السابقة، فالخارج عن العام هو عنوان الخروج عن محل الابتلاء، هذا الخارج عن محل الابتلاء والخروج عن محل الابتلاء له مراتب، بعض مراتبه قطعاً العرف والعقلاء يحكمون بخروجها عن العام وعدم صحّة التكليف بها، والبعض الآخر من مراتب الخروج عن محل الابتلاء نشكّ في أنّها أيضاً خارجة عن الدليل ولا يشملها إطلاق التكليف، أو ليست خارجة ؟
إذن: الخارج من تحت العام هو عنوان له مراتب نعلم بخروج بعض مراتبه من إطلاق دليل التكليف، ونشكّ في خروج بعضٍ آخر. يقول هذا شكّ في التخصيص الزائد، وهنا لا مانع من الرجوع إلى العام. إذن: المحقق النائيني(قدّس سرّه) يرى أنّ التقريب الثالث غير تام صغرى وكبرى.
أجيب عن هذا الاعتراض: بأنّ هذا البيان الذي ذكره وهو مسألة اختلاف المراتب، وأنّ العنوان الخارج في محل الكلام له مراتب متعددة نعلم بخروج بعضها عن إطلاق، ونشك في خروج البعض الآخر، وهذا غاية ما يقتضيه، هو أنّ الشك في التخصيص في المقدار الزائد يكون شكّاً بدوياً؛ لأنّ هناك مراتب لدينا يقين بخروجها عن العام، بينما مراتب أخرى نشكّ في خروجها عن العام، وهذا غاية ما ينتجه هو أنّ هذا قدر متيقن خارج عن العام، الشك في ما زاد عليه شكّاً بدوياً. يقول المعترض: أنّ هذا ينفع لدعوى انحلال العلم الإجمالي بوجود أفراد خارجة عن إطلاق الدليل مرددة، ينحل هذا العلم الإجمالي إلى علمٍ تفصيلي بخروج هذه المراتب وشكٍ بدوي في خروج ما زاد عليها، فيوجب انحلال العلم الإجمالي، غاية ما يثبته هذا البيان هو انحلال العلم الإجمالي، وأنّ الشكّ في التخصيص الزائد هو شك بدوي غير مقرون بالعلم الإجمالي، لكن هذا ليس هو محل الكلام، هذا لا يرفع الإجمال وسرايته من الخاص إلى العام؛ لأنّ الملاك في دعوى إجمال العام هو اتّصال المخصص المنفصل بالعام، المسألة مسألة اتّصال المجمل بالعام، عندما يكون متّصلاً بالعام، الإجمال الموجود في المخصص يسري إلى العام. ما دام هناك إجمال في المخصص المتصل، ولو بنحو الشكّ البدوي، فهذا الإجمال لابدّ أن يسري إلى العام، فإذا قلت بأننا نرفع هذا الإجمال بأن نحلّه إلى علم تفصيلي بخروج بعض المراتب، وشك بخروج البعض الآخر، لكن بالنتيجة هذا لا يرفع الإجمال، بالنتيجة أنت تبقى شاكاً وليس لديك وضوح بأنّ الخارج عن العام يشمل هذه الأفراد المشكوكة، أو لا يشملها ؟ حتّى إذا كان الشكّ في خروج هذه الأفراد الزائدة عن القدر المتيقّن شكّاً بدوياً، بالنتيجة ليس لديك وضوح بدخولها في العام، أو خروجها منه، وكون الشك فيها مقروناً بالعلم الإجمالي، أو أنّ الشك فيها شكّ بدوي انحلّ بالعلم الإجمالي بالبيان الذي ذكره، هذا لا يؤثر في رفع سراية الإجمال من المخصص إلى نفس الدليل، فيبقى الإجمال على حاله؛ لأنّ ملاك الإجمال موجود وهو اتّصال المخصص المنفصل بالدليل، فيسري الإجمال من المخصص إلى الدليل، يعني نبقى شاكّين في أنّ العام يشمل الأفراد المشكوكة، أو لا يشملها . صحيح صار لدينا يقين بأنّ العام لا يشمل بعض المراتب، لكن لدينا شك في أنّه هل يشمل البعض الآخر من المراتب، أو لا ؟ هذا إجمال في العام، وهذا الإجمال في العام يمنع من التمسّك به لإثبات حكمه في الأفراد المشكوكة، ويقول أنّ هذا هو مبنى الفقهاء في مسألة الاستثناء المتعقّب لجملٍ متعددة، استثناء يتعقب جملاً متعددة، لديهم كلام في أنّه إلى من يرجع ؟ هل يرجع إلى خصوص الجملة الأخيرة، أو يرجع إلى جميع الجمل ؟ وهذا بالضبط من قبيل ما نحن فيه، مخصص متصل، وقدره المتيقن على ما قالوا هو الرجوع إلى خصوص الجملة الأخيرة، وإنّما الشك في رجوعه إلى باقي الجمل، هناك حكموا بالإجمال، وليس واضحاً أنّ هذا الاستثناء يرجع إلى جميع الجمل بالرغم من وجود قدر متيقّن والشكّ في ما زاد عليه، وهذا معناه أنّ وجود القدر المتيقّن والشك في ما زاد عليه لا يمنع من الالتزام بإجمال الدليل وسراية الإجمال إلى نفس الدليل. ما نحن فيه من هذا القبيل، وغاية ما فعل المحقق النائيني(قدّس سرّه) هو أنّه قال بأنّ الخارج عن العام له مراتب، وهذه المراتب بعضها نعلم بخروجها عن العام، والبعض الآخر نشكّ، فكأنّه حل العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي وشكٍ بدوي، وهذا لا يوجب منع السراية وتصحيح التمسّك بالدليل الدال بإطلاقه على ثبوت التكليف في مورد الشكّ. هذان اعتراضان على التقريب الثالث.