36/05/03


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ ملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي.
الكلام في إمكان تنجيز وجوب الاجتناب عن ملاقي أحد أطراف الشبهة بالعلم الإجمالي الثاني الذي طرفاه نفس الملاقي والطرف الآخر في العلم الإجمالي الأوّل، إذا تمّ هذا العلم الإجمالي ودفعنا ما سيأتي من الموانع التي أبرزت عن منجزيته لوجوب الاجتناب عن الملاقي؛ حينئذٍ يكون هذا وجهاً مقبولاً ولا يتوقف على القول بالتبعية وأمثاله ممّا ذُكر في العلم الإجمالي الأوّل، يعني حتى بناءً على أنّ وجوب الاجتناب عن الملاقي هو حكم مستقل غير وجوب الاجتناب عن الملاقى، كونه حكماً مستقلاً لا يمنع من تنجيز العلم الإجمالي الثاني له؛ لأنّه طرف في هذا العلم الإجمالي الثاني، بخلاف العلم الإجمالي الأوّل، فأنّ الملاقي ليس طرفاً فيه؛ ولذا حينما يكون وجوب الاجتناب عن الملاقي حكماً مستقلاً ــــــــــــ على فرض أن يكون حكماً مستقلاً ــــــــــــ فهذا يقدح في تنجيز العلم الإجمالي الأوّل له؛ لأنّه ليس طرفاً في هذا العلم الإجمالي، بينما هو طرف في العلم الإجمالي الثاني، فإذا تمّ هذا العلم الإجمالي الثاني؛ حينئذٍ سوف ينجّز وجوب الاجتناب عن الملاقي حتّى إذا قلنا أنّ هذا الوجوب حكم مستقل وجديد غير وجوب الاجتناب عن الملاقى، فالكلام في هذا، علم إجمالي ثانٍ حصل بعد الملاقاة مع فرض دخول الطرف الآخر في محل الابتلاء، فالطرف الآخر داخل في محل الابتلاء، والملاقي داخل في محل الابتلاء، فلا مشكلة في هذا العلم الإجمالي، علم إجمالي حاصل بالوجدان بعد فرض الملاقاة، ونجاسة الملاقي للنجس قضية واضحة ومفروغ عنها، فيحصل علم إجمالي وجداني بنجاسة أحد الأمرين، إمّا الملاقي، أو الطرف الآخر؛ حينئذٍ ينبغي أن يكون منجزاً لكلا الطرفين، من يقول بعدم تنجيزه لوجوب الاجتناب عن الملاقي يحتاج إلى بيان مانعٍ يمنع من منجزية هذا العلم الإجمالي للملاقي، وإلاّ لو لم يكن هناك مانع، أو لم تتمّ الموانع التي سيأتي ذكرها، هذا العلم الإجمالي تام الاقتضاء لإثبات وجوب الاجتناب عن الملاقي لكونه طرفاً فيه، ومن هنا ذُكرت عدّة وجوه لإثبات وجود المانع عن منجّزية هذا العلم الإجمالي لوجوب الاجتناب عن الملاقي:
الوجه الأوّل: هو ما ذكره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) في رسائله، وخلاصة ما ذكره هو: أنّ الأصل المؤمّن الذي هو أصالة الطهارة في المقام تجري في الملاقي ولا تُعارض بأصالة الطهارة في الطرف الآخر، فإذا تمّ ذلك سقط العلم الإجمالي عن التنجيز؛ لأنّ تنجيز العلم الإجمالي هو فرع تعارض الأصول في الطرفين، فإذا جرت الأصول في الطرفين وتعارضت وتساقطت، فالعلم الإجمالي يكون منجّزاً، أمّا إذا لم تتعارض الأصول في الطرفين وكان أحد الطرفين لا يجري فيه الأصل والطرف الآخر يجري فيه الأصل؛ فحينئذٍ لا يكون العلم الإجمالي منجزاً بناء على مسلك الاقتضاء؛ لأنّه بناءً على مسلك الاقتضاء لا مانع من أن يجري الأصل في أحد الطرفين، المشكلة في وجود معارض له، فإذا لم يكن له معارض فلا مشكلة في جريان الأصل في أحد الطرفين، بخلاف القول بالعلّية التامة، فأنّه يمنع من جريان الأصل في أحد الطرفين ولو لم يكن له معارض، فعلى القول بالاقتضاء يقول الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) أنّ الأصل يجري في الملاقي بلا معارض، يعني أصالة الطهارة فيه ليست معارضة بأصالة الطهارة في الطرف الآخر، وعللّ عدم جريان أصالة الطهارة في الطرف الآخر بمسألة التقدّم الرتبي، بمعنى أنّ أصالة الطهارة في الملاقي هي في طول أصالة الطهارة في الملاقى؛ لأنّها أصل جاري في الشك المسببي، بينما أصالة الطهارة الجارية في الملاقى هي أصل جاري في الشك السببي، باعتبار أنّ الشك في طهارة ونجاسة الملاقي مسبب عن الشك في طهارة ونجاسة الملاقى، يعني أنني أشك في نجاسة الملاقي لأنّي أشك في نجاسة ما لاقاه، فيكون الشك في طهارة ونجاسة الملاقى شكّاً سببياً، بينما الشك في نجاسة وطهارة الملاقي شكاً مسببياً، والأصل الجاري في الشك السببي يكون حاكماً على الأصل الجاري في الشكّ المسببي، وهذا معناه أنّ هناك طولية بين الأصل الجاري في الشك المسببي وبين الأصل الجاري في الشك السببي، بمعنى أنّ النوبة لا تصل إلى الأصل الجاري في الشك المسببي إلاّ عند عدم جريان الأصل في الشكّ السببي، أمّا مع جريان الأصل في الشك السببي لا تصل النوبة إلى الأصل الجاري في الشكّ المسببي من دون فرقٍ على رأي الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) بين أن يكون الأصلان متخالفين، أو يكونا متوافقين كما في محل الكلام، يعني أصالة الطهارة في الملاقى وأصالة الطهارة في الملاقي متوافقان، يقول حتّى في هذه الحالة أصالة الطهارة في الشك السببي حاكمة على أصالة الطهارة في الشك المسببي، ومن الواضح أنّ النوبة لا تصل إلى هذا الأصل المحكوم إلاّ عند عدم جريان الأصل الحاكم لوجود طولية بينهما، وهذا ينتج أنّ النوبة لا تصل إلى أصالة الطهارة في الملاقي؛ لكون الأصل الجاري فيه أصلاً جارياً في الشك المسببي إلاّ عند سقوط الأصل الجاري في الشك المسببي، إذا سقط الأصل الجاري في الشك السببي تصل النوبة إلى الأصل في الشك المسببي، وأمّا إذا جرى الأصل في الشك السببي؛ فحينئذٍ لا تصل النوبة إليه أصلاً، وهذا معناه أننا عندما نريد أن نجري الأصل في الشك المسببي لا يكون ولا يصح هذا إلاّ عند سقوط الأصل في الشك السببي، والأصل الجاري في الشك المسببي، أي أصالة الطهارة في الملاقى تسقط بمعارضتها بأصالة الطهارة في الطرف الآخر، أصالة الطهارة في الطرف الآخر هي في رتبة أصالة الطهارة في الملاقى، أصلان في رتبةٍ واحدة وليس هناك طولية بينهما، فيتعارضان ويتساقطان؛ وعندئذٍ تصل النوبة إلى الأصل في الرتبة المتأخّرة التي هي أصالة الطهارة في الملاقي، فتصل النوبة إلى الملاقي، ومن الواضح أنّه في هذه الحالة لا معارض لأصالة الطهارة في الملاقي؛ لأنّ المعارض المتوهم هو اصالة الطهارة في الطرف الآخر بحسب العلم الإجمالي الثاني، وأصالة الطهارة في الطرف الآخر سقطت بالمعارضة مع أصالة الطهارة في الملاقى؛ لأنّها في رتبتها، فلا يعارض أصالة الطهارة في الملاقي شيء.
إذن: العلم الإجمالي بنجاسة الملاقي، أو الطرف الآخر غير منجّز، لا ينجز وجوب الاجتناب عن الملاقي؛ لأنّ الأصل المؤمّن يجري في الملاقي بلا معارض؛ لأنّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر سقطت في رتبة سابقة، في رتبة سابقة على جريان الأصل في الملاقي سقطت أصالة الطهارة في الطرف الآخر بالمعارضة مع أصالة الطهارة في الملاقى، أصلان في رتبةٍ واحدةٍ تعارضا وتساقطا؛ وحينئذٍ تصل النوبة إلى الأصل في الشك المسببي الذي هو الأصل في الملاقي، وهذا الأصل ليس معارَضَاً؛ لأنّ ما يُتخيّل كونه معارِضاً قد سقط بالمعارضة في رتبةٍ سابقةٍ مع أصالة الطهارة في الملاقى، وبهذا يثبت أنّ الأصل في الملاقي يجري بلا معارض وهذا يوجب سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز، هذا مانع يمنع من منجزية العلم الإجمالي لوجوب الاجتناب عن الملاقي.
هذا الوجه الأوّل يبتني على القول بالاقتضاء، فعلى القول بالاقتضاء نستطيع أن نقول أن الأصل يجري في أحد الطرفين بلا مانع، وهذا يوجب سقوط العلم الإجمالي؛ لأنّ منجزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية هو من نتائج تعارض الأصول في الأطراف، فإذا لم تتعارض الأصول في الأطراف بأن كان الأصل لا يجري في أحد الطرفين فلا مانع على القول بالاقتضاء من جريانه في الطرف الآخر، بينما على العلّية التامّة نفس العلّية التامّة يعني أنّ الأصل ممنوع أن يجري في أحد الطرفين حتى لو لم يكن له معارض؛ لأنّ العلم الإجمالي علّة تامّة بنفسه ومن دون الاستعانة بشيءٍ آخر لوجوب الموافقة القطعية، هو يمنع من إجراء الأصل المؤمّن في أحد الطرفين بغض النظر عن وجود معارض، أو عدم وجود معارض، فهو يبتني على القول بالاقتضاء، وحيث أنّ القول بالاقتضاء هو الرأي السائد والصحيح؛ فحينئذٍ ننتقل بعد ذلك إلى الاعتراضات الواردة على هذا الوجه الأوّل لبيان المانع من التنجيز لهذا العلم الإجمالي الثاني:
الاعتراض الأوّل: ما يُعرف بالشبهة الحيدرية على ما ذكر السيد الخوئي(قدّس سرّه) وغيره، وهي الشبهة التي أثارها السيد حيدر الصدر والد السيد الشهيد الصدر(قدّس سرّهما)، هذه الشبهة تتلخّص في أنّه كما أنّ جريان أصالة الطهارة في الملاقي في طول جريان أصالة الطهارة في الملاقى، كذلك جريان اصالة الحل في الطرف الآخر ـــــــــــــ فيما لو كان الطرف الآخر ممّا يثبت له الحل كما لو كان مأكولاً، أو مشروباً وأمثال هذه الأمور ــــــــــــــ هي في طول جريان أصالة الطهارة فيه، أي في الطرف الآخر بنفس البيان السابق، باعتبار أنّ الشك في حلّية هذا الطرف وحرمته مسببّ عن الشك في نجاسته وطهارته؛ لماذا أشك في حلّيته وحرمته ؟ لأني أشك في طهارته ونجاسته، فإن كان نجساً فهو حرام، وإن كان طاهراً فهو حلال، إذن: الشكّ في الحرمة والحلّية هو شك مسببي، والشك في طهارة الطرف الآخر ونجاسته هو شك سببي، وأصالة الطهارة في الطرف الآخر أصل سببي، وأصالة الحلّية في الطرف الآخر أصل مسببي، وبينهما طولية، إذن: الطولية محفوظة، وكما هي موجودة بين أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الطهارة في الملاقى، كذلك هناك طولية بين أصالة الحل في الطرف الآخر وبين أصالة الطهارة في الطرف الآخر، هناك بينهما طولية وبينهما حكومة من دون فرقٍ بينهما، وبناءً على هذا؛ حينئذٍ تكون أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الحل في الطرف الآخر يكونان في رتبةٍ واحدةٍ بلا طولية فيما بينهما، وإنّما الطولية موجودة بين أصالة الحل في الطرف الآخر وأصالة الطهارة في الطرف الآخر، بين أصالة الطهارة في الملاقي وبين أصالة الطهارة في الملاقى، أمّا أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الحل في الطرف الآخر، فهما في رتبةٍ واحدة وليس بينهما طولية، وهذان الأصلان متعارضان، أصالة الحل في الطرف الآخر وأصالة الطهارة في الملاقي متعارضان؛ لأني أعلم إجمالاً بأنه إمّا الملاقي نجس، أو الطرف الآخر حرام، هناك علم إجمالي بأنّه إمّا أن يكون هذا الملاقي نجساً، أو الطرف الآخر حرام، وهذا العلم الإجمالي واضح ووجداني؛ لأنّ النجاسة إن كانت موجودة في الملاقى، إذن: الملاقي نجس، وإن كانت النجاسة موجودة في الطرف الآخر، فهو حرام، إذن: أنا أعلم تبعاً لعلمي بأنّ أحد الطرفين نجس بأنّه إمّا هذا الملاقي نجس على تقدير أن تكون النجاسة في الملاقى، أو الطرف الآخر حرام على تقدير أن تكون النجاسة فيه.
إذن: هما أصلان متعارضان في رتبةٍ واحدة، فيتساقطان، أصالة الطهارة في الملاقي ليس معارضها فقط هو أصالة الطهارة في الطرف الآخر حتى تقول هنا يوجد تعدد رتبة؛ لأنّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر في رتبة أصالة الطهارة في الملاقى، ولا تصل النوبة إلى أصالة الطهارة في الملاقي إلاّ بعد سقوطهما، فإذا وصلت النوبة إلى أصالة الطهارة في الملاقي لا معارض لها؛ لأنّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر سقطت بالمعارضة مع ما هو في رتبتها، كلا، يقول: نحن نبرز معارضاً لأصالة الطهارة في الملاقي في رتبة أصالة الطهارة في الملاقي وليس في رتبةٍ سابقةٍ عليه، وبينهما تعارض؛ للعلم الإجمالي الذي ذكرناه، فيتعارضان ويتساقطان، فتسقط أصالة الطهارة في الملاقي، فإذن: لا يصح قول صاحب الوجه الأوّل بأنّ أصالة الطهارة في الملاقي ليس لها معارض؛ بل لها معارض وقد أبرزنا وجود معارض لأصالة الطهارة في الملاقي وفي رتبتها. هذا الكلام ــــــــــــــ الوجه الأوّل ـــــــــــــ يتم إذا لم يكن هناك أصل في الطرف الآخر في طول أصالة الطهارة فيه، كما إذا فرضنا أنّ الطرف الآخر ليس شيئاً يُشكّ في حلّيته وحرمته وغير قابل لذلك، لا يُشك في حلّيته وحرمته من جهة النجاسة، كما إذا كان قطعة فراش لا يُشك في حلّيته وحرمته من جهة النجاسة؛ حينئذٍ إذا لم يكن هناك أصل طولي في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر هذا الكلام يتم؛ لأنّ أصالة الطهارة في الملاقي ليس لها معارض إلاّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر، والمفروض أنّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر سقطت بالمعارضة مع أصالة الطهارة في الملاقى، فتصل النوبة إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض، فيصح كلامه، لكن عندما يكون هناك أصل طولي في الطرف الآخر في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر هذا يكون في رتبة أصالة الطهارة في الملاقي، كما أنّ أصالة الطهارة في الملاقي في طول أصالة الطهارة في الملاقى، أصالة الحلّية في الطرف الآخر في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر، فيكونان في رتبةٍ واحدةٍ، فيتعارضان، لما قلناه، فيتساقطان، فلا تكون أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض؛ بل لها معارض، ويوجب سقوطها فلا يتمّ هذا الوجه.
الاعتراض الثاني: من قال أنّ أصالة الطهارة في الملاقي هي في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر ؟ نعم نسلّم أنّ أصالة الطهارة في الملاقي هي في طول أصالة الطهارة في الملاقى، فلا تصل النوبة إليها إلاّ بعد سقوط أصالة الطهارة في الملاقى، وإلاّ لا تصل النوبة إليها، لكن من قال أنّ أصالة الطهارة في الملاقي هي في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر ؟ هذا أمر ممنوع وغير ثابت؛ بل هما في عرضٍ واحدٍ، أصالة الطهارة في الطرف الآخر وأصالة الطهارة في الملاقي في عرضٍ واحدٍ ولا طولية بينهما، ومن الواضح أنّ أصل الوجه يبتني على افتراض الطولية بينهما، على افتراض أنّ أصالة الطهارة في الملاقي كما هي في طول أصالة الطهارة في الملاقى هي أيضاً في طول أصالة الطهارة في الطرف الآخر. إذن: في رتبة جريان أصالة الطهارة في الطرف الآخر لا مجال لجريان أصالة الطهارة في الملاقي؛ لأنّها أيضاً في طولها، كما لا مجال لجريانها عندما تجري أصالة الطهارة في الملاقى كذلك عندما تجري أصالة الطهارة في الطرف الآخر، لا مجال لجريان أصالة الطهارة في الملاقي.
إذن: اصل الوجه مبني على افتراض الطولية بين أصالة الطهارة في الملاقي وبين أصالة الطهارة في الطرف الآخر، فإذا كانت هناك طولية، فالنوبة لا تصل إلى أصالة الطهارة في الملاقي إلاّ بعد سقوط أصالة الطهارة في الطرف الآخر، فإذا سقطت أصالة الطهارة في الطرف الآخر بالمعارضة مع أصالة الطهارة في الملاقى تصل النوبة إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض، فيتم هذا الوجه. أمّا إذا أنكرنا الطولية، وقلنا أنّ أصالة الطهارة في الملاقي هي في رتبة وفي عرض أصالة الطهارة في الطرف الآخر وإن كانت في طول أصالة الطهارة في الملاقى؛ حينئذٍ في عرضه، أصلان متعارضان في رتبةٍ واحدة، فيتساقطان.
وبعبارةٍ أخرى: أنّ أصالة الطهارة في الملاقي معارضة بأصالة الطهارة في الطرف الآخر، وهذه المعارضة توجب سقوط أصالة الطهارة في الملاقي، وبالتالي تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الاجتناب عن الملاقي. هذا الاعتراض الثاني وهو مبني على إنكار الطولية بين أصالة الطهارة في الملاقي وبين أصالة الطهارة في الطرف الآخر، كلاهما في عرضٍ واحدٍ، فيتعارضان ويتساقطان.
الاعتراض الثالث: هنا ترقّي أكثر، وهو إنكار الطولية بين أصالة الطهارة في الملاقي وبين أصالة الطهارة في الملاقى، ليس هناك طولية بين أصالة الطهارة في الملاقي وبين أصالة الطهارة في الملاقى، إمّا بدعوى كونهما متوافقين كما هو كذلك، ونبني في الأصول المتوافقة بأنّها لا توجد حكومة فيما بينها، بمعنى أنّ أصالة الطهارة في الملاقى ليست حاكمة على أصالة الطهارة في الملاقي؛ لأنّ منشأ الطولية هو الحكومة، أنّ هذا حاكم على هذا ورافع لموضوعه تعبّداً، ومن الواضح أنّه مع جريان الأصل الحاكم لا مجال لجريان الأصل المحكوم، فتتحقق الطولية على اساس أنّ الأصل في الملاقى حاكم على الأصل في الملاقي، يعني يكون رافعاً لموضوعه، فلا معنى لجريانه مع جريان الأصل الحاكم. إذن: إنّما يُعقل جريان الأصل المحكوم إذا لم يجرِ الأصل الحاكم، فتحصل الطولية بينهما، فإذن: الطولية مبنية على الحكومة، فإذا أنكرنا حكومة الأصل الجاري في السبب على الأصل الجاري في المسبب إذا كانا متوافقين؛ فحينئذٍ يثبت الاعتراض الثالث، حيث الاعتراض الثالث يقول: الأصلان في محل الكلام، يعني أصالة الطهارة في الملاقى وأصالة الطهارة في الملاقي أصلان متوافقان ولا حكومة بين الأصلين المتوافقين ولا طولية بينهما، إمّا إنكار الطولية في الاعتراض الثالث يكون من هذه الجهة، أي لكونهما متوافقين، وإمّا أن يُذكر سبباً آخر لإنكار الطولية، وحاصله: هو إنكار أن يكون الأصل الجاري في الشكّ السببي حاكماً على الأصل الجاري في الشك المسببي، لكن لا بقولٍ مطلقٍ، نعم، هذا قد يكون مسلّماً في مثل الاستصحاب، الاستصحاب الجاري في الشك السببي والاستصحاب الجاري في الشكّ المسببي، يمكن هناك أن يقال أنّ الاستصحاب الجاري في الشكّ السببي حاكم على الاستصحاب الجاري في الشك المسببي، لكن فيما نحن فيه نحن لا نتكلّم عن الاستصحاب، وإنّما نتكلّم عن أصالة الطهارة، أصالة الطهارة في الملاقى، وأصالة الطهارة في الملاقي، هل بينهما طولية، وحكومة ؟ هل تكون أصالة الطهارة في الملاقى حاكمة على أصالة الطهارة في الملاقي، بقطع النظر عن مسألة توافقهما، حتّى لو كانا ــــــــــــ فرضاً ـــــــــــــ متخالفين، هل يكون حاكماً عليه، أو لا ؟ هذا محل تأمّل، باعتبار أنّ الحكومة إمّا أن تكون بملاك الرفع التعبّدي لموضوع الأصل المحكوم، أي أن يكون الأصل الحاكم رافعاً لموضوع الأصل المحكوم تعبّداً، فيكون حاكماً عليه، وإمّا أن يكون ملاكها النظر، أي أن يكون الدليل ناظراً إلى دليلٍ آخر ويتصرّف فيه توسعة وضيقاً، فيكون حاكماً عليه، هذان الملاكان غير موجودين في محل الكلام، الحكومة بملاك الرفع التعبّدي لموضوع الأصل الآخر يمكن تصوّره في الاستصحاب، بأن يقال أنّ المجعول في الاستصحاب هو اليقين السابق والعلم، وهذا اليقين والعلم يكون رافعاً للشك الذي هو موضوع الأصل المحكوم تعبّداً؛ لأنّ الاستصحاب في الشكّ المسببي موضوعه الشكّ، فإذا كان هناك يقين بالسبب، وإذا كان هناك علم تعبّداً بالسبب، جعل اليقين وجعل العلم تعبّداً يكون رفعاً لموضوع الاستصحاب الجاري في الشكّ المسببي تعبّداً، فيتحقق الرفع التعبّدي لموضوع الأصل المحكوم، وهذا ملاك للحكومة، لكن هذا غير متصوّر في محل الكلام؛ لأننا نتكلّم عن أصالة الطهارة، والمجعول في أصالة الطهارة ليس هو اليقين؛ إذ ليس هناك يقين حتّى يكون المجعول فيها هو اليقين، ليس هناك مجال لافتراض أنّ أصالة الطهارة الجارية في الشك السببي تكون رافعة لموضوع أصالة الطهارة الجارية في الملاقي؛ لأنّ أصالة الطهارة الجارية في الملاقى لا تقول بأنّك على يقين من الطهارة، أصلاً لسانها ليس لسان جعل اليقين، وإنّما لسانها لسان البناء العملي على الطهارة، وهذا يختلف عن الاستصحاب؛ لأنّ المجعول فيه هو اليقين، أو لا أقل احتمال ذلك فيه، لكن في أصالة الطهارة لا يوجد هذا الاحتمال، ليس المجعول فيها هو اليقين حتّى نقول أنّ هذا رفع تعبّدي لموضوع أصالة الطهارة في الملاقي، فتتحقق الحكومة، إذن: هذا الملاك الأوّل للحكومة غير متحقق، والملاك الثاني للحكومة هو النظر، وأيضاً هو غير متحقق هنا، أصالة الطهارة في الملاقى ناظرة إلى أصالة الطهارة في الملاقي. لا يوجد هكذا نظر؛ لأنّ كلاً منهما ثابت بدليلٍ واحدٍ، أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الطهارة في الملاقى وأصالة الطهارة في أيّ شيءٍ نشكّ في طهارته ونجاسته، كلّه يثبت بدليلٍ واحدٍ وهو دليل أصالة الطهارة، دليل أصالة الطهارة ليس له نظر إلى أفراده، بمعنى أنّه في هذا الفرد هو ينظر إلى الفرد الآخر، هذا لا معنى له، قد نقول بأنّ أصالة الطهارة ناظرة إلى الأحكام الأولية مثلاً، لكن أن تكون أصالة الطهارة في هذا الفرد ناظرة إلى أصالة الطهارة في الفرد الآخر مع كونهما لدليلٍ واحدٍ، هذا أمر لا يصح التفوّه به في محل الكلام، فالنظر أيضاً غير متحقق، فإذا لم يكن متحققاً، فكلا ملاكي الحكومة في محل الكلام غير متحقق، وقد عرفنا وقلنا أنّ الطولية منشأها الحكومة، وأنّها تبتني على حكومة أحد الأصلين على الأصل الآخر، فتكون بينهما طولية، فإذا أنكرنا الحكومة في محل الكلام؛ فحينئذٍ لا طولية بين أصالة الطهارة في الملاقى وبين أصالة الطهارة في الملاقي، وهذا أيضاً يوجب إبطال هذا الوجه؛ لأنّه يفترض الطولية بينهما، وأصالة الطهارة في الملاقى هي في رتبة أصالة الطهارة في الطرف الآخر، فتكون هناك طولية بين أصالة الطهارة في الطرف الآخر وبين أصالة الطهارة في الملاقي.