36/05/04


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ ملاقي أحد أطراف العلم الإجمالي.
كان الكلام في الاعتراض الثالث على الوجه الأوّل لإثبات عدم منجزية العلم الإجمالي الثاني، وبالتالي عدم وجوب الاجتناب عن الملاقي، أنّ هذا الوجه يتوقف على الطولية بين الأصل الجاري في الملاقي وبين الأصل الجاري في الملاقى، الوجه الأوّل يتوقف على هذه الطولية لإثبات الطولية بين الأصل الجاري في الملاقي وبين الأصل الجاري في الطرف الآخر؛ لأنّ الأصل الجاري في الطرف الآخر، والأصل الجاري في الملاقى هما في رتبةٍ واحدةٍ، فإذا كان الأصل الجاري في الملاقي متأخّر رتبة عن الأصل الجاري في الملاقى، فيكون الأصل الجاري في الملاقي متأخّر رتبة عن الأصل الجاري في الطرف الآخر، فتكون هناك طولية بين الأصل الجاري في الملاقي والأصل الجاري في الطرف الآخر، هناك طولية وترتب، ذاك رتبته متقدمة على رتبة هذا، فلا تصل النوبة إلى الأصل الجاري في الملاقي، إلاّ إذا سقط الأصل الجاري في الطرف الآخر، ويسقط الأصل الجاري في الطرف الآخر بالمعارضة مع الأصل الجاري في الملاقى، فإذا سقطا تصل النوبة إلى الأصل الجاري في الملاقي، فيجري بلا معارض؛ لأنّ معارضه سقط في رتبةٍ سابقةٍ، والأصل الجاري في الملاقي ليس موجوداً في تلك الرتبة حتى يدخل في المعارضة ويسقط، وإنما النوبة تنتهي إليه بعد سقوط الأصل الجاري في الطرف الآخر بالمعارضة مع الأصل الجاري في الملاقى. إذن: هذا الوجه يعتمد على وجود طولية بين الأصل الجاري في الملاقي وبين الأصل الجاري في الملاقى، والاعتراض الثالث يقول لا توجد طولية بينهما حتى إذا كانا مختلفين، لا توجد طولية في محل الكلام، يعني بين أصالة الطهارة الجارية في الملاقي وبين أصالة الطهارة الجارية في الملاقى. لا طولية بينهما، إمّا بأن نلتزم كلّياً بشكل عام أن الأصول المتوافقة لا توجد طولية ولا توجد حكومة فيما بينها، وهذان الأصلان متوافقان، أصالة الطهارة في الملاقى وأصالة الطهارة في الملاقي متوافقان، وإمّا أن نقول لا طولية ولا حكومة بينهما في خصوص محل الكلام وإن كانا مختلفين، أي بقطع النظر عن التوافق؛ وذلك لما قلناه من أنّ الحكومة تكون ثابتة بأحد ملاكين، إمّا ملاك الرفع التعبّدي لموضوع المحكوم، وإمّا بملاك النظر، أي أن يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى الدليل المحكوم، وكلٌ من هذين الملاكين غير متوفر في محل الكلام، أمّا الأوّل فغير متوفر لما قلناه في الدرس السابق من أنّ أصالة الطهارة ليس المجعول فيها هو العلم واليقين حتّى يقال أنّ أصالة الطهارة في الملاقى لمّا كان المجعول فيها هو العلم واليقين، فهو يرفع موضوع أصالة الطهارة في الملاقي تعبّداً، فيكون حاكماً عليه، هذا شيء يمكن افتراضه في الاستصحاب، الاستصحاب فيه يقين وفيه شك لاحق، فيمكن فرض أنّ المجعول فيه هو اليقين، أمّا أصالة الطهارة فليس المجعول فيها هو اليقين، وأمّا الملاك الثاني، فأيضاً كذلك؛ لأنّه لا نظر في دليل أصالة الطهارة في الملاقي إلى أصالة الطهارة في الملاقى، يعني هذا النظر غير متصوّر؛ لأنّ النظر إنّما يكون بين دليلين منفصلين مستقلّين، وأحد الدليلين ينظر إلى الدليل الآخر، (لا ربا بين الوالد والولد) ينظر إلى أدلّة تحريم الربا، هناك دليلان منفصلان مستقلان أحدهما ينظر إلى الآخر ويتصرّف فيه توسعةً أو ضيقاً، وفي محل الكلام ليس لدينا أدلّة متعددة، وإنّما لدينا دليل واحد وهو دليل أصالة الطهارة، هذا يُطبَق على الملاقي ويُطبّق على الملاقى، لا معنى لأن نقول أنّ هذا الدليل بتطبيقه على بعض موارده يكون حاكماً على الموارد الأخرى، هذا غير متصوّر، أن يكون الدليل حاكماً على نفسه، بالنتيجة سوف يكون نفس دليل أصالة الطهارة حاكماً على ماذا ؟ ليس هناك أيّ دليلٍ آخر، وإنّما الملاقي هو تطبيق ومورد لهذا الدليل، كما أنّ الملاقى هو مورد لهذا الدليل، فافتراض النظر في المقام أيضاً غير وارد، وعلى هذا الأساس حينئذٍ لا مجال لدعوى الحكومة ولا مجال أيضاً في خصوص أصالة الطهارة لدعوى الطولية، وعلى هذا الأساس يكون هذا هو الاعتراض الثالث على الوجه الأوّل. هذه الاعتراضات الثلاثة على الوجه الأوّل.
أمّا بالنسبة للاعتراض الأوّل: الذي هو الشبهة الحيدرية على ما عُبّر عنها، الظاهر أنّ هذه الشبهة عندهم شبهة تامّة، وهذا الاعتراض الأوّل على الوجه الأوّل يكون تامّاً، المحقق العراقي(قدّس سرّه) اعترف أنّه تام. نعم قال: هو تام بناءً على مسلك الاقتضاء، ولا مناص عن هذا الإشكال، وهو صحيح؛ لأننا قلنا أنّ هذه الشبهة إنّما تأتي بناءً على مسلك الاقتضاء، السيد الخوئي(قدّس سرّه) أيضاً أجاب بهذه الشبهة عن الوجه الأوّل. هذا الاعتراض على الوجه الأوّل كان خلاصته فيما يرتبط بمحل الكلام هو أنّ الغرض من هذا الإشكال هو إبراز معارض لأصالة الطهارة في الملاقي يكون في عرضه، يعني الشيخ الانصاري(قدّس سرّه) كان يقول أنّ أصالة الطهارة في الطرف الآخر وأصالة الطهارة في الملاقى تتعارضان وتتساقطان فتصل النوبة إلى أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض، فيجري الأصل فيه بلا معارض، وهذا معناه أنّ العلم الإجمالي لم يستطع أن ينجّز الملاقي، والغرض من الإشكال هو إبراز وجود معارض لأصالة الطهارة في الملاقي وفي رتبته وفي عرضه وهو أصالة الحلّية في الطرف الآخر؛ لأنّ أصالة الحلّية في الطرف الآخر في رتبة أصالة الطهارة في الملاقي؛ لأنّها هي أيضاً متأخرة رتبةً عن أصالة الطهارة في الطرف الآخر؛ لما قلناه من أنّ الشكّ في الحلّية والحرمة في الطرف الآخر هو مسبَّب عن الشك في الطهارة والنجاسة، فأصالة الطهارة الجارية في الشك السببي تكون متقدّمة على رتبة أصالة الحلّية الجارية في الشك المسبّبي، إذن: أصالة الحلّية في الطرف الآخر متأخرّة رتبةً عن أصالة الطهارة في الطرف الآخر، كما أنّ أصالة الطهارة في الملاقي متأخّرة عن أصالة الطهارة في الملاقى، وهذا معناه أنّ أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الحلّية في الطرف الآخر هما في رتبةٍ واحدةٍ وبينهما تعارض كما قلنا؛ لأننا نعلم إجمالاً بأنّه لا يمكن أن نلتزم بجريان أصالة الطهارة في الملاقي وبجريان أصالة الحلّية في الطرف الآخر، هذا غير معقول؛ لأننا نعلم بأنّ أحدهما مخالف للواقع، النجاسة إن سقطت في الملاقى، فالملاقي نجس، وإن سقطت النجاسة في الطرف الآخر فهو ممّا يحرم أكله، أو يحرم شربه، فإذن: نحن نعلم إجمالاً بنجاسة هذا الملاقي، أو حرمة الطرف الآخر، وهنا لا يمكن إجراء الأصول المؤمّنة في كلا الطرفين؛ لأنّ فيه مخالفة قطعية للمعلوم بالإجمال، فيتعارضان، فيتساقطان، فلا تبقى لدينا أصالة طهارة في الملاقي. هذا هو الغرض منه.
لكن في الشبهة ذُكر شيء آخر غير هذا أيضاً، وجُعل أيضاً إشكالاً على الوجه الأوّل غير مسألة إبراز المعارض لأصالة الطهارة في الملاقي ويكون في عرضه، ذُكر محذور آخر وحاصل هذا المحذور هو: أنّه ذُكر في أصل الشبهة بأنّ أصالة الحلّية في كلٍ من الطرفين، يعني في الملاقى وفي الطرف الآخر، أصالة الحلّية في الطرفين هي وفي رتبةٍ متأخّرةٍ عن أصالة الطهارة فيهما، يعني حتّى في الملاقى وليس فقط في الطرف الآخر، الشك في حلّية الملاقى مسبب عن الشك في طهارته كما أنّ الشك في حلّية الطرف الآخر مسبب عن الشك في طهارته. إذن: الأصل الجاري في الحلّية هو متأخر رتبة عن الأصل الجاري في الشك السببي. إذن: أصالة الحلّية في الملاقى متأخّرة رتبة عن أصالة الطهارة فيه، وأصالة الحلّية في الطرف الآخر متأخّرة رتبة عن أصالة الطهارة فيه. إذن: أصالة الحلّية في الطرفين هما في رتبةٍ متأخرةٍ عن أصالة الطهارة فيهما، وحيث أنّ أصالة الطهارة في الملاقي في نفس الرتبة، يعني في رتبة أصالة الحلّية في الطرفين؛ لأنّ أصالة الحلّية في الملاقي هي أيضاً متأخّرة رتبة عن أصالة الطهارة في الملاقى، أصالة الطهارة في الملاقى في رتبةٍ متقدّمةٍ وفي رتبة متأخّرة عنها تقع هذه الأصول الثلاثة، أصالة الحلّية في هذا الطرف، وأصالة الحلّية في هذا الطرف وأصالة الطهارة في الملاقي، كلّها في رتبةٍ واحدةٍ، هذه الأصول الثلاثة متعارضة وتسقط، يعني ليس الساقط هو فقط أصالة الطهارة في الملاقي وأصالة الحلّية في الطرف الآخر؛ بل حتّى أصالة الحلّية في الملاقى أيضاً تسقط بالمعارضة؛ لأنّها أصول في عرضٍ واحدٍ وفي رتبةٍ واحدةٍ ولا يمكن الالتزام بجريانها جميعاً؛ لأنّها مخالفة قطعية للمعلوم بالإجمال، أن نلتزم بحلّية هذا الطرف وحلّية هذا الطرف وطهارة الملاقي، هذا غير ممكن؛ لأنّه مخالف للمعلوم بالإجمال، فتتعارض الأصول الثلاثة وتتساقط. إذا سقطت أصالة الطهارة في الملاقي بالمعارضة مع أصالة الحلّية في الملاقى وأصالة الحلّية في الطرف الآخر؛ حينئذٍ بناء على فكرة الطولية والترتب تصل النوبة إلى أصالة الحلّية في الملاقي؛ لأنّ أصالة الحلّية في الملاقي هي في مرتبةٍ متأخّرةٍ عن أصالة الطهارة في الملاقي، نحن نشك في حلّية الملاقي وحرمته لأننا نشك في طهارته ونجاسته، إذن: الأصل الجاري في الحلّية هو أصل مسببي، والأصل الجاري في الطهارة هو أصل سببي، والأصل السببي متقدّم رتبة عن الأصل المسببي، وهذا الأصل السببي الذي هو أصالة الطهارة في الملاقي سقط بالمعارضة مع أصالة الإباحة في الملاقى وأصالة الإباحة في الطرف الآخر، وسقطت هذه الأصول الثلاثة بالمعارضة، تصل النوبة إلى اصالة الإباحة في الملاقي وليس له معارض بعد سقوط ما يعارضه في المرتبة السابقة. نفس الفكرة نطبّقها على هذا؛ وحينئذٍ لابدّ من الالتزام بجريان أصالة الإباحة في الملاقي، وسوف تكون النتيجة أنّ الملاقي يحل شربه لجريان أصالة الحلّية فيه، لكن لا يجوز الوضوء به؛ بل لا يجوز كل الأمور المشروطة بالطهارة فيه؛ لأنّ أصالة الطهارة فيه سقطت بالمعارضة مع تلك الأصول، فإذا كان ماءً مثلاً، يحل شربه لكن لا يجوز الوضوء به، وهذه نتيجة غريبة لا قائل بها، ومن الصعب الالتزام بها، وهذا إشكال آخر سُجّل على الوجه الأوّل المبني على فكرة الطولية بين هذه الأصول وأنّ الأصل الطولي لا يدخل طرفاً في المعارضة مع الأصول الموجودة في الرتبة السابقة.
الظاهر أنّ الاعتراض الأوّل تام، بمعنى أنّه يمكن أن يُلتزم به كاعتراضٍ وإيرادٍ على الوجه الأوّل الذي ذكره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) لإثبات جريان أصالة الطهارة في الملاقي بلا معارض وأنّ العلم الإجمالي الثاني لا ينفع لتنجيز وجوب الاجتناب عن الملاقي.
وأمّا الاعتراض الثاني فكان يقول: سلّمنا وجود طولية بين الأصل في الملاقي والأصل في الملاقى، لكن من قال أنّ هناك طولية بين الأصل في الملاقي وبين الأصل في الطرف الآخر ؟ مجرّد أنّ هناك طولية بين الملاقي والملاقى لا يعني أنّ هناك طوليةً بين الملاقي وبين الطرف الآخر، ما هي الملازمة التي تثبت هذا ؟ هذا الاعتراض ذكره السيد الخوئي(قدّس سرّه) في(مصباح الأصول)،[1] حيث ذكر بأنّ دعوى الطولية بين الأصل في الملاقي والأصل في الطرف الآخر مبنية على دعوى أنّ الأصل في الملاقي لمّا كان متأخّراً عن الأصل في الملاقى، ولمّا كان الأصل في الطرف الآخر في رتبة الأصل في الملاقى، النتيجة هي أنّ الأصل في الملاقي متأخّر رتبة عن الأصل في الطرف الآخر بقانون أنّ المتأخّر عن أحد المتساويين يكون متأخّراً عن الآخر، وهذان الأصلان في الطرفين متساويان رتبةً، والأصل في الملاقي متأخّر عن أحدهما، فقهراً يكون متأخّراً أيضاً عن الآخر، منشأ دعوى الطولية بين الملاقي والطرف الآخر هي هذه، وهي خاضعة لهذا القانون، يقول: هذا الكلام ليس له أصل، وهو ممنوع ومحل تأمّل؛ وذلك لأنّ هذا إنّما يتم في المتقدّم والمتأخّر من حيث الزمان، في التقدّم والتأخّر الزماني يكون هذا الكلام تامّاً؛ لأنّ المتأخّر من حيث الزمان عن أحد المتقدّمين زماناً قهراً يكون متأخّراً عن الآخر المتقدّم زماناً، بلا إشكال. وأمّا في محل الكلام، فليس لدينا تقدّم وتأخّر زماني، وإنّما لدينا تقدّم وتأخّر رتبي من قبيل تقدّم العلّة على المعلول، في محل الكلام التقدّم والتأخّر الذي نتكلّم عنه هو من هذا القبيل، أنّ الأصل الجاري في الملاقى متقدّم رتبة على الأصل الجاري في الملاقي؛ لعلاقة السببية والمسببية والعلّية والمعلولية، أنّ الشك في طهارة الملاقي هو معلول ومسبب وناشئ من الشك في طهارة الملاقى، فالأصل الذي يجري هنا يكون أيضاً متأخّر رتبة عن الأصل الجاري هناك، هذا تقدّم وتأخّر رتبي وليس تقدّماً وتأخّراً زمانياً، وهذا لا يجري فيه قانون أنّ المتأخّر عن أحد المتساويين رتبة لابدّ أن يكون متأخّراً عن الآخر؛ لأنّ التقدّم والتأخّر الرتبي معناه بحسب الحقيقة هو كون الشيء معلولاً لشيءٍ آخر، وناشئاً منه، وهذا هل يلازمه أن يكون هذا أيضاً ناشئاً ممّا يساويه في الرتبة ؟! وأن يكون معلولاً لما يساويه في الرتبة ؟! لا معنى لهذا ولا توجد هكذا ملازمة، وجود العلّة وعدم العلّة في رتبةٍ واحدةٍ والمعلول في رتبة متأخّرة عن علته، ويوجد تقدّم وتأخّر رتبي بين العلة والمعلول، لكن هذا لا يلزم منه أن يكون المعلول متأخّراً رتبة عن عدم العلة، هو متأخّر رتبة عن وجود العلة، لكن لا يلزم منه أن يكون متأخراً رتبة عن عدم العلة؛ لأنّ كونه متأخّراً رتبة عن عدم العلة يعني أن يكون ناشئاً من عدم العلّة، وهذا غير معقول، وبالنتيجة هذا القانون لا يمكن تطبيقه في محل الكلام، وإنّما يُطبّق في التقدّم والتأخّر الزماني، هذا القانون صحيح في هذا المورد، وأمّا في محل الكلام، فلا أصل له ولا اساس له، فلو سلّمنا الطولية بين الأصل في الملاقي والأصل في الملاقى، فلا نسلّم الطولية بين الأصل في الملاقي والأصل في الطرف الآخر؛ لأنّ الأساس في هذه الدعوى الثانية هو هذا القانون.
هذا الاعتراض الثاني تقدّم الكلام عنه مفصلاً عندما بحثنا ما هي الثمرة العملية للقول بالاقتضاء والعلّية، في أول بحث تكلّمنا عنه بعد الكلام عن نفس مسلك العلّية ومسلك الاقتضاء، كان أوّل أمر وقع الكلام فيه هو أنّه ما هي الثمرة العملية للقول بالاقتضاء والقول بالعلّية، ووقع الكلام بهذه المناسبة عن مسألة ما إذا كان هناك أصل طولي في بعض أطراف العلم الإجمالي، يعني هناك أصل يجري في أحد الأطراف، وهذا الأصل معارض بأصلٍ في الطرف الآخر، وهذان أصلان عرضيان، لكن أحد الأطراف فيه أصل طولي، يعني هذا الأصل في طول الأصل الذي يجري في ذلك الطرف الذي هو في عرض الأصل الجاري في الطرف الآخر، واحد من تطبيقات هذا الأصل الطولي في بعض أطراف العلم الإجمالي هو ما نحن فيه، فوقع الكلام في أنّ هذا الأصل الطولي مرّة يكون موجوداً في نفس الطرف، ومرّة يكون في ملاقي الطرف، وأيضاً هو أصل طولي في طول الأصل العرضي الموجود في نفس طرف العلم الإجمالي، وقع هذا الحديث هناك سابقاً عنه، والسيد الخوئي(قدّس سرّه) ذهب هناك كما هنا إلى أنّ هذا الأصل الطولي يسقط بالمعارضة، على الأقل في محل الكلام، يعني أنّ أصالة الطهارة في الملاقي تسقط بالمعارضة مع الأصل في الطرف الآخر، السيد الخوئي(قدّس سرّه) لا يلتزم بوجود طوليةٍ بين الأصل في الملاقي والأصل في الطرف الآخر، فالتزم بسقوط الأصل الطولي، يعني قال بالطهارة في الملاقي. تبيّن في ذاك البحث أنّ الذي ذهب إليه السيد الخوئي(قدّس سرّه) الظاهر أنّه هو الصحيح باعتبار أنّ هناك معارضة حقيقية وتكاذباً حقيقياً بين هذا الأصل الطولي، يعني الأصل في الملاقي والأصل في الطرف الآخر، كالتكاذب والتعارض الموجود بين الأصل في الطرف الآخر والأصل في الملاقى، ولا فرق بينهما، المفروض أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة المخالفة القطعية؛ حينئذٍ إجراء أصالة الطهارة في الملاقي، و أصالة الطهارة في الملاقى مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، أنا أعلم بوجود نجاسةٍ في أحد الإناءين، ثمّ لاقى الثوب أحد الإناءين، فألتزم بطهارة الثوب وطهارة الطرف الآخر، هذه مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، وهذا غير جائز، كالبناء على طهارة كلٍ من الطرفين الملاقى والطرف الآخر، فكما أنّه لا يجوز؛ لأنّه مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، كذلك البناء على طهارة الملاقي وطهارة الطرف الآخر، هو مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال؛ لأنّه بعد الملاقاة تشكّل علم إجمالي بنجاسة أحدهما، إمّا الملاقي أو الطرف الآخر، تكاذب وتعارض حقيقي، وإجراء الأصول المؤمّنة في الطرفين مستلزم للمخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، فيقع بينهما تعارض، ولا يمنع من ذلك ما ذُكر من التقدّم الرتبي والتأخّر الرتبي، بالنتيجة هناك تعارض حقيقي بين هذين الأصلين في هذين الطرفين لهذا العلم الإجمالي الثاني، فلابدّ من افتراض تساقط هذه الأصول باعتبار التعارض؛ وحينئذ لا يكون الأصل الجاري في الملاقى بمعزل عن هذا التعارض والتساقط؛ بل هو يسقط ولا يسلم أصل مؤمّن في الملاقي، خلافاً لما يقوله الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) في الوجه الأوّل