36/06/07


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
كان الكلام في المانع الثاني عن جريان البراءة في دوران الأمر بين الأقل والأكثر، وكان هذا المانع يتمثّل في أننا إذا سلّمنا انحلال العلم الإجمالي ــــــــــــــ والمراد بالعلم الإجمالي في محل الكلام هو العلم بوجوب أحد الأمرين، إمّا الأقل، أو الأكثر ــــــــــــــ بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل، إمّا استقلالاً، أو ضمناً، فهذا يعني العلم القطعي اليقيني بوجوب الأقل، وهذا يعني اليقين باشتغال الذمّة بالأقل؛ لأنّه معلوم تفصيلاً، والاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني ولا يقين بفراغ الذمّة عمّا اشتغلت به يقيناً إلاّ إذا جاء بالأكثر؛ لأنّ أحد محتملات الأقل بحسب الفرض هو أنّ وجوبه وجوب ضمني، ومن الواضح أن الأقل إذا كان وجوبه وجوباً ضمنياً، فهو لا يسقط بالإتيان به؛ لأنّ معنى أنّ وجوبه وجوب ضمني هو أنّه واجب في ضمن مجموع مركّب منه ومن غيره، هذه الارتباطية تمنع من تحقق الامتثال إذا جاء على تقدير أن يكون وجوبه وجوباً ضمنياً؛ بل لا يمتثل الأقل إلاّ بالإتيان بالأكثر كما هو الحال في كل جزءٍ من أجزاء الفعل المركب، امتثال الركوع لا يحصل إلاّ إذا انضم إليه سائر الأجزاء، وإلاّ لا يكون ممتثلاً للركوع؛ لأنّ وجوب الركوع وجوب ضمني مرتبط بباقي الأجزاء، فالأقل على تقدير أن يكون وجوبه وجوباً ضمنياً، فهو لا يُمتثل إلاّ بالإتيان بالأكثر. إذن: يجب الإتيان بالأكثر لحكم العقل بأنّ اليقين بالاشتغال يستدعي الفراغ اليقيني ولا يقين بالفراغ إلاّ بالإتيان بالأكثر، فوصلنا إلى نفس النتيجة وهي وجوب الإتيان بالأكثر وجريان قاعدة الاشتغال وعدم جريان البراءة في محل الكلام.
وقد ذكرنا في الدرس السابق جواباً عن هذا المانع، وهذا الجواب يتلخّص في أنّ هناك فرقاً بين سقوط التكليف واقعاً وبين سقوط التكليف بمقدار ما يتم عليه البيان في محل الكلام، صحيح أنّ سقوط التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع يتوقّف على الإتيان بالأكثر؛ لأنّه لا يقين للمكلّف بسقوط التكليف الواقعي إذا اقتصر على الأقل وجاء بالأقل مقتصراً عليه، لكنّ الكلام في أنّ العقل بماذا يحكم ؟ في قاعدة الاشتغال هل العقل يحكم بلزوم سقوط التكليف على ما هو عليه في الواقع، والخروج عن عهدة التكليف بمقدار ما يتمّ عليه البيان، بمقدار العلم والتنجيز؟
وبعبارةٍ أخرى: أنّ التكليف الذي تشتغل به الذمة يقيناً يجب على المكلّف أن يُفرغ ذمّته منه يقيناً، وفي محل الكلام ما تشتغل به الذمّة يقيناً هو الأقل، فالأقل قطعاً اشتغلت به الذمّة، سواء كان واجباً وجوباً استقلالياً، أو واجباً وجوباً ضمنياً، قطعاً اشتغلت به الذمّة، وإنّما يُشك في وجوب شيءٍ آخرٍ يزيد عليه ويكون الأقل مرتبطاً به، هذا أمر مشكوك، وهذا الشك هو الذي يكون منشئاً في أنّ المكلّف إذا اقتصر على الأقل يبقى شاكاً في سقوط التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع، يبقى شاكاً في ذلك؛ لأنّه يحتمل وجوب شيءٍ آخر غير الأقل وجوباً شرعياً مرتبطاً بالأقل، وهذا احتمال موجود؛ ولذا لا يجزم بسقوط التكليف على ما هو عليه في الواقع، لكنّه بمقدار ما تم عليه العلم هو ليس مكلّفاً بنظر العقل أكثر من إسقاط ما يعلم اشتغال الذمة به، وهو الأقل، ارتباط الأقل بالزائد وإن كان محتملاً، لكنّه لم يتم عليه البيان، هو لا يعلم به وليس هناك ما يوجب تنجّزه على المكلف، واشتغال ذمّة المكلّف به حتّى يقال لابدّ من الفراغ اليقيني بلحاظه، وإنّما العقل يحكم بلزوم الفراغ اليقيني بلحاظ ما عُلم اشتغال الذمّة به، وما يعلم المكلّف اشتغال الذمّة به هو الأقل. أمّا ارتباط هذا الأقل بجزءٍ زائد، أو بالجزء العاشر، بحيث لا يسقط هذا التكليف ولا يمتثل هذا التكليف إلاّ إذا جاء بذلك الجزء العاشر، هذا أمر مشكوك من قِبل المكلّف تجري فيه البراءة، هذا أمر شرعي يشك فيه المكلّف؛ لأنّه ينشأ من جعل هذا الارتباط، يعني من جعل جزئية الجزء العاشر من قِبل لشارع لهذا المركّب، الشارع إذا جعل جزئية الجزء العاشر؛ حينئذٍ يحصل هذا الارتباط بين الجزء العاشر وبين الأقل، إذا لم يجعل هذه الجزئية للجزء العاشر لا يحصل الارتباط. إذن: الشك في محل الكلام هو شك في الواقع في الجعل الشرعي، في أنّ الشارع جعل العاشر جزءاً من هذا المركب بحيث يكون الأقل مرتبطاً به، أو لم يجعل ذلك ؟ فهو شك في الجعل، فتجري فيه البراءة؛ لأنّ المكلّف ليس عالماً به، وهذا معناه في الحقيقة أنّه لا يصح ما ذُكر من أنّ الاشتغال اليقيني بالأقل بعد فرض العلم التفصيلي بوجوب الأقل في محل الكلام يستدعي الإتيان بالأكثر؛ لأنّه حينئذٍ يحصل الفراغ اليقيني ممّا اشتغلت به الذمّة يقيناً. كلا هذا ليس صحيحاً بناءً على هذا الكلام؛ لأنّ العقل لا يحكم بلزوم تفريغ الذمّة بلحاظ التكاليف الواقعية على ما هي عليه في الواقع وإن لم يعلم بها المكلّف. كلا الأمر ليس هكذا، وإنّما العقل يحكم بلزوم تفريغ الذمّة بمقدار ما يعلم المكلّف اشتغال الذمّة به لا أزيد من ذلك، وما يعلم المكلّف به هو عبارة عن الأقل، ويشك في اشتغال الذمّة بما هو أزيد من الأقل؛ فحينئذٍ لا يحكم العقل إلاّ بتنجّز الأقل ولزوم الخروج من عهدته، وهذا يتحقق بالإتيان بالأقل. هذا هو الجواب الذي ذكرناه في الدرس السابق والآن أوضحناه بعبارةٍ أخرى.
قد يُجاب عن هذا الوجه: الذي ينتج أنّ المانع الثاني ليس مانعاً من جريان البراءة في محل الكلام. قد يُجاب عنه كما يُستفاد من بعض كلمات المحقق النائيني(قدّس سرّه) وحاصل هذا الجواب هو أن يقال: أنّ البراءة العقلية التي محل الكلام فعلاً، إنّما تجري في مقام الشك في الاشتغال الذي نعبّر عنه بالشك في التكليف، عندما يشك المكلّف في اشتغال الذمّة بالتكليف تجري البراءة، وهذا هو مورد البراءة العقلية، باعتبار أنّه لم يتم البيان على التكليف وقاعدة قبح العقاب بلا بيان تقول(مع عدم البيان يقبح العقاب) وهو معنى البراءة. فإذن: قاعدة البراءة العقلية موردها الشك في التكليف والشك في الاشتغال. وأمّا الشك في الفراغ، فمن الواضح أنّه ليس مورداً لقاعدة ا لقاعدة البراءة العقلية من دون فرقٍ بين أن يكون هذا الشك في الفراغ ناشئاً من الشك في الاشتغال، أو ليس ناشئاً من الشك في الاشتغال، الشك في الفراغ حتّى لو كان ناشئاً من الشك في الاشتغال هذا ليس مورداً لقاعدة البراءة العقلية، وإنّما هو مورد لقاعدة الاشتغال؛ لأنه شك الفراغ، فأنت تشك في فراغ ذمّتك عمّا اشتغلت به. صحيح، في بعض الأحيان قد يكون الشك في فراغ الذمّة ناشئاً من الشك في الاشتغال كما في محل الكلام على ما أوضحناه سابقاً، في محل الكلام بعد الإتيان بالأقل، المكلّف يشك في فراغ ذمّته عمّا اشتغلت به، هذا الشكّ في الفراغ ينشأ من الشك في الاشتغال، أنّ الذمّة هل اشتغلت بالجزء العاشر، أو لا ؟ هل جعل الشارع جزئية الجزء العاشر، أو لا ؟ هذا الشك في الاشتغال يكون سبباً للشك في الفراغ. يقول: أنّ الشك في الفراغ مورد لقاعدة الاشتغال حتى لو كان ناشئاً من الشك في الاشتغال كما في محل الكلام، هو يبقى مورداً لقاعدة الاشتغال ومورد قاعدة البراءة العقلية هو الشك في الاشتغال من دون افتراض الشك في الفراغ، هو شك في الاشتغال، وما دام هناك شك في الاشتغال تجري فيه قاعدة البراءة، أمّا إذا كان لدينا شك في الفراغ هذا مورد لقاعدة الاشتغال العقلي حتى لو كان ناشئاً من الشك في الاشتغال كما في محل الكلام، في محل الكلام الشك في الفراغ بعد الإتيان بالأقل ينشأ من الشك في جعل الشارع لجزئية الجزء العاشر، إن جعل الجزء العاشر جزءاً من هذا المركب، فلا تفرغ الذمّة بما أتى به، وإن لم يجعله جزءاً، فتفرغ الذمّة بما أتى به وهو الأقل ما عدا الجزء العاشر، فهو ينشأ من الشك في الاشتغال. يقول: هذا مورد لقاعدة الاشتغال؛ لأنّه شك في الفراغ، وكل شك في الفراغ هو مورد لقاعدة الاشتغال. في محل الكلام المفروض أنّ الذمّة قطعاً اشتغلت بالأقل جزماً؛ فحينئذٍ لابدّ من اليقين بفراغ الذمّة عمّا اشتغلت به، وهذا مورد لقاعدة الاشتغال على ما ذكر؛ وحينئذٍ يجب تفريغ الذمّة قطعاً، وقيل سابقاً لا يقين بفراغ الذمّة إلاّ بالإتيان بالأكثر.
يقول: نعم، لا مانع من جريان البراءة لنفي اعتبار الجزء الزائد، باعتبار أنّ وجوب الزائد هو وجوب مشكوك لا يعلم به المكلّف، فيكون موضوع البراءة العقلية متحققاً؛ لأنّه شكٌ في الاشتغال ـــــــــــــ الشكّ في الاشتغال يعني الشكّ في التكليف ـــــــــــــــ وذكر أنّه مورد لقاعدة البراءة العقلية ـــــــــــ وكما ذُكر سابقاً ــــــــــــ المكلّف يشك واقعاً في وجوب الجزء العاشر، هذا الوجوب وجوب شرعي، بمعنى أنّ الشارع هل قيّد الأقل بالجزء العاشر، أو لا ؟ تقييد الأقل بالجزء العاشر أمر شرعي، جزئية الجزء العاشر من هذا المركب هو أمر شرعي، وهذا مشكوك يشك فيه المكلّف، فيكون موضوع قاعدة البراءة العقلية متحققاً، فتجري البراءة لنفي وجوب الجزء العاشر، يقول: لا مشكلة في جريان البراءة لنفي وجوب الجزء الزائد؛ لأنّ موضوعها متحقق وهو الشك والجهل، لكن هذا لا ينفع في حصول الفراغ بالإتيان بالأقل، لا ينفعنا في إثبات أنّ من جاء بالأقل يكون قد أفرغ ذمته من الأقل الذي يعلم باشتغال الذمّة به، لا ينفع في إثبات الفراغ من جهة الأقل، باعتبار أنّ العقاب الذي يحكم العقل بقبحه إنّما هو على ترك الجزء الزائد الذي جرت فيه البراءة العقلية، واعترف بعدم المانع من جريان البراءة العقلية لنفي الجزء الزائد. يقول: جريان البراءة العقلية لنفي الجزء الزائد، أو قبح العقاب الذي يحكم به العقل بلحاظ وجوب الجزء الزائد لا ينافي حكم العقل بلزوم تحصيل اليقين بالفراغ عمّا اشتغلت به الذمّة يقيناً وهو الأقل، وقلنا أنّ تفريغ الذمّة يقيناً لا يحصل إلاّ بالإتيان بالأكثر، يقول: هذا لا ينافي أن تجري البراءة لنفي الجزء الزائد، ويقول: يقبح العقاب على مخالفة وجوب الزائد؛ لأنّ وجوب الزائد أمرٌ محتمل ومشكوك ولم يتم عليه البيان، والعقل يحكم بقبح العقاب من ناحيته، لكن من جهةٍ أخرى لا مانع من أن يحكم العقل بالتنجيز وبلزوم تفريغ الذمّة واستحقاق المكلّف العقاب لو لم يفرّغ ذمته عمّا اشتغلت به يقيناً، وهو الأقل؛ لأنّ هذا أمر مسلّم أنّ الأقل ممّا يُعلم اشتغال الذمّة به، هذا هو المفروض في محل الكلام، العقل يقول: بلحاظ ما اشتغلت به الذمّة يقيناً لابدّ من الإتيان بالأكثر؛ لأنّ الأكثر هو الذي يوجب اليقين بفراغ الذمّة عمّا اشتغلت به يقيناً، وإن كان من ناحية الشك في وجوب الزائد على الأقل البراءة العقلية تجري، وتقول: لا تستحق العقاب أيّها المكلّف من ناحية هذا الوجوب الزائد المحتمل، من ناحية الأقل الذي تعلم اشتغال الذمّة به، والذي بحسب الفرض أنّ اليقين بفراغ الذمّة منه لا يحصل إلاّ بالإتيان بالأكثر، العقل يحكم بالاشتغال وبلزوم الإتيان بالأقل، يقول: لا توجد منافاة بينهما، وهذا معناه أنّه رجوع إلى أصل المانع والتزام بالمانع في محل الكلام، وأنّ المقام من موارد قاعدة الاشتغال، أنّ قاعدة الاشتغال في محل الكلام تجري لإثبات وجوب الإتيان بالأكثر، وبالتالي ننتهي إلى نتيجة وجوب الإتيان بالأكثر، وهذا على خلاف من يقول أنّ البراءة تجري في المقام؛ لأنّ غرضه من جريان البراءة في المقام هو إثبات جواز الاقتصار على الأقل وعدم لزوم الإتيان بالأكثر. هذا ما يُفهم من كلمات المحقق النائيني(قدّس سرّه). لكنّ الكلام في أنّ العقاب الذي يحكم العقل بقبحه هل هو على ترك الزائد ؟ يعني العقل يحكم بقبح العقاب على ترك الزائد ؟ لأنّه لم يتم البيان على وجوب الزائد .
وبعبارةٍ أخرى: أنّ المكلّف لو جاء بالأقل؛ حينئذٍ يحكم العقل بقبح العقاب؛ لأنّ العقاب على ترك الزائد قبيح. هل الأمر كذلك، أو لا ؟
قد يقال: أنّ الأمر ليس هكذا؛ لأنّ هذا الكلام معناه خروج عن المفروض في محل الكلام، نحن نتكلّم بناءً على الارتباطية، انّ هناك ارتباطاً بين الأجزاء، محل كلامنا في الأقل والأكثر الارتباطيين، هذا الكلام الذي يقال كأنّه يفترض الاستقلالية، بمعنى أنّ المكلّف لو اقتصر على الأقل وجاء بالأقل، يأتي العقل ويحكم بقبح العقاب على ترك الزائد على الأقل، فإذا اقتصر المكلّف على الأقل يكون ممتثلاً؛ وحينئذٍ لا شيء عليه. كأنّ هذا شكٌ في باب الأقل والأكثر الاستقلاليين، إذا وفّى الدرهم في باب الدين الدائر بين الدرهم والدرهمين، إذا دفع الدرهم تجري البراءة لنفي وجوب دفع الدرهم الآخر، هذا خُلف فرض الارتباطية، هذا معناه في الحقيقة أن العقاب الذي يحكم العقل بقبحه هو في الحقيقة ليس على ترك الزائد، وإنّما هو في الحقيقة على ترك الأقل المقيّد بالزائد، عندما يقتصر على الأقل ويترك الزائد يقبح عقابه على ترك الأقل المقيّد بالزائد؛ لأنّه إذا اقتصر على الأقل، معناه أنّه ترك الأقل المقيّد بالزائد، يعني جاء بالأقل من دون زيادة، البراءة هنا تجري، البراءة تقول: أن المكلّف إذا اقتصر على الأقل، فهو يقبح عقابه على ترك الأربعة المقيدة بالجزء الآخر، هذا هو الذي يحكم العقل بقبح العقاب عليه لا أنّ العقل يحكم بقبح العقاب على ترك الزائد، وإنّما في الواجبات الارتباطية العقل يحكم بقبح العقاب على ترك الأقل المقيّد بالزائد عندما يقتصر المكلّف على الأقل، فتجري البراءة لنفي ذلك، لإثبات قبح العقاب على ترك الأربعة المقيّدة بالجزء الزائد، هذا هو الذي يؤمّن العقل من ناحيته، فإذا فرضنا أنّ البراءة تجري بهذا الشكل، يعني تجري البراءة لإثبات أنّ العقاب على ترك الأقل المقيّد بالزائد قبيح، فهذا نفعنا في محل الكلام، يعني نفعنا في إثبات جواز الاقتصار على الأقل وعدم وجوب الإتيان بالأكثر؛ لأننا نريد أن ننتهي إلى هذه النتيجة، المانع الثاني يقول: لابدّ من الإتيان بالأكثر؛ لأنّ قاعدة الاشتغال تجري في المقام. نقول: أنّ البراءة تجري، المحقق النائيني(قدّس سرّه) اعترف بجريان البراءة في محل الكلام، لكنّه قال: أنّ البراءة تجري بلحاظ الجزء الزائد، في الواقع لا تجري لنفي وجوب الجزء الزائد، وإنّما في محل الكلام، في الواجبات الارتباطية تجري البراءة العقلية، وقبح العقاب بلا بيان يجري باعتبار أنّ المكلّف لم يتم عنده البيان على وجوب الأقل المقيّد بالزائد، هذا لم يتم عليه؛ لأنّ أمره يدور بين وجوب التسعة المطلقة ووجوب التسعة المقيدة بالعاشر، يدور بين وجوب الأقل وبين وجوب الأقل المقيّد بالجزء الزائد، هذا المقيد بالجزء الزائد لم يتم عليه البيان، فيقول العقل يقبح العقاب من جهته، فهو يؤمّن من العقاب من ناحية وجوب التسعة المقيدة بالجزء الزائد، وهذا معناه أنّ البراءة تجري في محل الكلام، فيجوز له أن يقتصر على الأقل ولا ملزم له عقلاً ـــــــــــ لأنّ الكلام في البراءة العقلية ــــــــــــ بالإتيان بالأكثر والإتيان بالأقل المقيد بالجزء العاشر، وفي الحقيقة هذا شك في الاشتغال وليس شكّاً في الفراغ، أنّ الذمّة هل اشتغلت بالأقل المقيّد بالزائد، أو لا ؟ هذا شك في التكليف وهو مورد للبراءة، وليس شكّاً في الفراغ حتّى يكون مورداً لقاعدة الاشتغال.[1] هذا الجواب الأخير في روحه يرجع إلى الجواب السابق عن أصل المانع، وهو انّ الأمر في الواقع والحقيقة هو من موارد قاعدة البراءة العقلية لا الاشتغال العقلي؛ لما تقدّم سابقاً من أنّ المكلّف وإن كان يشكّ واقعاً في الخروج عن العهدة بلحاظ التكليف الواقعي على ما هو عليه في الواقع، لكن بلحاظ ما يعلم اشتغال الذمّة به هو ليس مطالباً إلاّ بأن يأتي بالأقل وليس مطالباً من قبل العقل من هذه الناحية بأن يأتي بالأكثر.
المانع الثالث: المانع الذي ذكره الشيخ الأعظم(قدّس سرّه)، وإن كان(قدّس سرّه)قد ناقشه، لكن تبنّاه صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بحسب الظاهر؛ ولذا قلنا أنّ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) يرى التفصيل بين البراءة العقلية وبين البراءة الشرعية، يرى أنّ البراءة العقلية في المقام لا تجري، وإنّما الذي يجري هو البراءة الشرعية، هو يرى أنّ هذا مانعٌ من جريان البراءة في محل الكلام. والمانع الثالث هو أنّه إذا سلمنا أنّ العلم الإجمالي المدّعى في المقام بين الأقل والأكثر منحل، لكن هذا نسلمه بلحاظ التكليف أي بلحاظ الوجوب، نقول التكليف المردد بين الأقل وبين الأكثر منحل بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل والشك في وجوب الزائد، لكن لا نسلّم الانحلال بلحاظ الغرض الذي من أجله جُعل هذا التكليف،[2] بلحاظ الغرض لا يوجد انحلال. نعم، بلحاظ التكليف ليكن هذا العلم الإجمالي منحلاً بلحاظه، لكن بلحاظ الغرض لا نسلّم الانحلال بناءً على ما يذهب إليه مشهور العدلية كما يقول الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) من أنّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد، وأنّ الأوامر والنواهي تابعة للمصالح والمفاسد في المأمور به والمنهي عنه، وليس المصالح في نفس الجعل، جعل الأمر وجعل النهي، كلا، في المأمور به هناك مصلحة تقتضي وغرض يقتضي جعل الوجوب له وإلزام المكلّف به، كما أنه في المنهي عنه هناك مفسدة تقتضي إلزام المكلّف بتركه، أي النهي عنه، فبناءً على ما ذهب إليه مشهور العدلية؛ حينئذٍ يكون الداعي لجعل الوجوب لشيءٍ هو وجود مصلحة تقتضي جعل الوجوب له، هذا يُعبّر عنه بالغرض، أنّ الغرض من جعل الوجوب هو وجود هذه المصلحة في المأمور به، هذه المصلحة التي تترتب على الإتيان بالمأمور به هي التي تكون غرضاً ومصلحة تدعو المولى لجعل المأمور به....وهكذا النهي، هذا الغرض يقول نحن مسئولون عنه بحكم العقل، يعني ليس فقط أننا مسئولين عن التكليف؛ بل عن الغرض الذي من أجله شُرّع التكليف، نحن عقلاً ملزمين بتحصيله وتحصيل الغرض من الأمر في محل الكلام لا يتم إلاّ إذا جاء بالأكثر؛ لأنّه يحتمل أنّ الزائد دخيل في الغرض، وأنّ الغرض لا يتحقق بالاقتصار على الأقل، لو كان الأكثر هو الواجب، بلحاظ الغرض لابدّ من الإتيان بالأكثر حتى نحرز تحصيل الغرض من الأمر، وإلا بدون الإتيان بالأكثر، أي لو اقتصر على الأقل هو لا يحرز تحقق هذا الغرض الذي يحكم العقل بلزوم تحصيله.