36/06/17


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
انتهى الكلام إلى التفسير الثاني لكلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه) احتُمل أن يكون مقصوده دعوى الملازمة بين نفي الجزئية وبين الأمر بالباقي، نفي الجزئية في حال الجهل يلازم الأمر بالباقي، فيثبت الأمر بالباقي بالدليل الدال على نفي الجزئية باعتبار الملازمة العرفية بين مدلول ذلك الدليل الذي هو نفي الجزئية وبين الأمر بالباقي.
اعترضوا على هذا التفسير بأنّ هذا إنّما يتم لو كان النافي للجزئية دليلاً خاصّاً ينفيه بعنوان الجزئية، كأن يقول أنّ هذا الواجب الارتباطي وهو الصلاة أنا أرفع جزئية السورة منه في حال الجهل، هذا يكون له ظهور عرفي في الأمر بالباقي؛ لأنّه يتحدث عن مركب من عشرة أجزاء والدليل النافي ينفي جزئية سورة في حال الجهل، هذا معناه أنّه في حال الجهل يؤمر بباقي الأجزاء فيكون له هذا الظهور العرفي، لكن في محل الكلام الأمر ليس هكذا، الدليل النافي هو حديث الرفع و حديث الرفع لم يرد بعنوان الجزئية، وإنّما ورد بعنوان(ما لا يعلمون) الذي ينطبق على الجزئية وغير الجزئية من الموارد الكثيرة جداً، مثل هذا الحديث الذي ورد فيه النفي بعنوان(ما لا يعلمون) لا يكون له ظهور في الأمر الباقي، يمكن أن يكون الباقي غير مأمور به والجزئية مرفوعة، وبالتالي يتحقق رفع الجزئية برفع الأمر بالكل، فلا يكون الكل مأموراً به لا أنّه يُرفع الجزئية ويُؤمر بالباقي، ليس له ظهور عرفي في الأمر بالأقل.
نُقل عن بعض المحققين بعنوان أنّه ذكر تفسيراً آخر غير التفسير المعروف لكلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه)، وحاصل ما ذكره هو أنّه يريد أن يقول أنّ مقصود صاحب الكفاية(قدّس سرّه) في كلامه الموجود في الكفاية ليس هو إثبات الأمر بالأقل بتوسط إجراء حديث الرفع في الجزئية، هو لا يريد أن يثبت الأمر بالأقل بتوسط إجراء حديث الرفع في الجزئية حتى ترد الاعتراضات المتقدّمة، وإنّما هو ينظر إلى شيء آخر، وتمام نظره إلى دفع الإشكال الذي وجهه على نفسه، هو وجّه على نفسه هذا الإشكال: أنّ رفع الجزئية إنّما يكون ويتم برفع منشأ انتزاعها، ومنشأ انتزاع الجزئية هو الأمر بالأكثر، بعد أن ذكر هذا، وجّه على نفسه إشكالاً، يقول: إذا قلنا برفع الأمر بالفعل وهو الصلاة مثلاً؛ حينئذٍ لا دليل على الأمر بالباقي، كيف نثبت الأمر بالباقي بعد أن نفترض أنّ الأمر بالعمل ارتفع أساساً ؟! لأنّ حديث الرفع عندما رفع الجزئية هو يرفع الجزئية برفع منشأ انتزاعها، ومنشأ انتزاعها هو الأمر بالكل، فإذا ارتفع الأمر بالعمل؛ حينئذٍ ما الدليل على الأمر بالباقي حتّى نقول للمكلف بأنّك إذا جئت بالباقي صح منك العمل في حال الجهل بجزئية السورة ؟ هذا الإشكال الذي وجهه على نفسه .
يقول في عبارته في مقام الجواب يريد أن يدفع هذا الإشكال: لا ملازمة بين رفع الأمر بالكل وبين عدم وجود الأمر بالأقل، رفع الأمر بالكل لا يعني عدم الأمر بالأقل، صحيح أنّ رفع الأمر بالكل لازم أعم، بمعنى أنّه يمكن أن يتحقق برفع الأمر بالأقل ويمكن أن يتحقق بالأمر بالأقل، ينسجم مع كلٍ منهما، رفع الأمر بالكل قد يتحقق بالأمر بالأقل؛ لأنّه عندما يؤمر بالأقل يمكن أن يرفع الأمر بالكل، وقد يرفع الأمر بالكل ولا أمر بالأقل؛ لأنّ الأمر يرتفع أساساً بلحاظ كل الأجزاء، هذا الشيء يمنعنا من أن نقول هناك ملازمة بين رفع الأمر بالكل وبين عدم بقاء الأمر بالأقل، يركز كلامه على نفي هذه الملازمة، أنّ رفع الأمر بالكل لا يعني بالضرورة رفع الأمر بالأقل؛ بل يمكن أن يتم ذلك مع افتراض بقاء الأمر بالأقل، وإثبات الأمر بالأقل يكون بشيءٍ آخر، لا يثبت الأمر بالأقل عن طريق إجراء حديث الرفع في الجزئية، هو لا يثبت ذلك حتى تلزم الاعتراضات السابقة، وإنّما يثبت الأمر بالأقل باعتبار العلم التفصيلي بوجوب الأقل، نحن نعلم بأنّ الأقل واجب على كل حال، ولنعبّر عنه بالعلم الإجمالي كما يعبّر السيد الخوئي(قدّس سرّه) حيث يقول أنّ الأمر بالأقل لا يحتاج إلى مثبت، يكفي في إثباته علمنا الإجمالي بوجوب الأقل، إمّا على نحو الاستقلال وإمّا على نحو الضمنية، المهم أن نرفع جزئية السورة في حال الجهل، أمّا الأمر بالأقل في حال الجهل هذا لا يحتاج إلى إثبات؛ بل يكفي فيه العلم التفصيلي كما ذكر هذا المحقق، أو يكفي فيه العلم الإجمالي بوجوب الأقل على كل حال، والدليل دلّ على أنّ السورة ليست جزءاً من الصلاة في حال الجهل، والباقي نعلم بوجوبه تفصيلاً، أو إجمالاً، على كل حال نحن نعلم بوجوب الأقل، فيثبت على هذا الأساس. [1]
فإذن: هو يريد أن يقول ليس بصدد إثبات الأمر بالأقل بتوسّط إجراء البراءة عن الجزئية، وإنّما هو يريد نفي الجزئية في حال الجهل وإثبات وجوب الأقل يكون بشيءٍ آخر، يكون باعتبار العلم التفصيلي بوجوب الأقل. هذا تفسير آخر لكلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه). لكن هذا التفسير الظاهر أنّه لا يختلف عن التفسير المطروح سابقاً لكلامه، بعبارة أخرى: أنّه في التفسير الأوّل لكلامه لم نفترض أنّ صاحب الكفاية (قدّس سرّه) يريد إثبات وجوب الأقل والأمر بالأقل عن طريق إجراء حديث الرفع في الجزئية، التفسير السابق هو أنّ الأمر بالأقل يثبت بمجموع دليلين: أحدهما حديث الرفع، والآخر هو أدلّة الأجزاء الباقية غير السورة، يثبت بضم أحد هذين الدليلين إلى الآخر لا أنّه يثبت بإجراء حديث الرفع عن الجزئية، في التفسير الأوّل لم نذكر ذلك، وإنّما لبّ المطلّب هو أنّ التفسير الأوّل يقول أنّ مقصود صاحب الكفاية(قدّس سرّه) هو نفي جزئية السورة في حال الجهل بها، إذن: في حال الجهل بالسورة السورة ليست جزءاً من الصلاة، باقي الأجزاء التسعة كيف يثبت الأمر بها ؟ يقول يتكفّل ذلك أدلّة تلك الأجزاء نفسها؛ لأنّ أدلة تلك الأجزاء فيها إطلاق يشمل هذه الحالة، يشمل حالة الجهل بالسورة، وحديث الرفع لا يرفع جزئية تلك الأجزاء في حالة الجهل بغيرها، وإنّما هو يرفع جزئية تلك الأجزاء في حالة الجهل بها نفسها، أمّا إذا لم تكن جاهلاً بجزئية الركوع والسجود والتشهد والتكبير .......الخ، وإنّما هناك جهل بجزئية السورة، حديث الرفع يرفع جزئية السورة للجهل بها فقط ولا يرفع جزئية سائر الأجزاء الأخرى، فإذن: تبقى أدلّة الأجزاء الأخرى مطلقة تشمل حتى حالة الجهل بجزئية السورة، والمكلّف جاهل بجزئية السورة، أدلة الأجزاء ثابتة وتدل على وجوب الإتيان بالأجزاء الأخرى، يقول: بضم هذا إلى هذا سوف ننتهي إلى نتيجة أنّ هذا المكلّف مأمور بتسعة أجزاء من دون السورة؛ لأنّ السورة ليست جزءاً من الصلاة في حالة الجهل بها، والمفروض أنّه جاهل بجزئية السورة، فالسورة ليست جزءاً ويكون مأموراً بسائر الأجزاء الأخرى. هذا البيان لكلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه) لا يعني أنّه يريد إثبات الأمر بالأقل عن طريق إجراء حديث الرفع في جزئية الجزء، أصلاً هو ليس بهذا الصدد، أصلاً هو يصرّح بأنّ هذا مع هذا يثبت الأمر بالأقل والأمر بالباقي. هذا هو الذي ينبغي أن يُفسّر به كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه). غاية الأمر هذا الذي ذكره قد يكون ناظراً إلى إثبات الأمر بالباقي بالعلم التفصيلي بوجوب الأقل، أو العلم الإجمالي بوجوب الأقل. صاحب الكفاية(قدّس سرّه) ناظر إلى أدلّة الأجزاء، أنّ أدلة الأجزاء فيها من الإطلاق ما يشمل حالة الجهل بالسورة، أدلّة جزئية الركوع فيه إطلاق يشمل حالة الجهل بالسورة، وأدلّة السجود كذلك، وسائر الأدلّة الأخرى، فيتمسّك بهذه الأدلّة لإثبات وجوب تلك الأجزاء، فيجب عليه الإتيان بتلك الأجزاء ولا يجب عليه الإتيان بالسورة؛ لأنّ حديث الرفع تكفل نفي الجزئية في حال الجهل بها.
بناءً على هذا الكلام؛ حينئذٍ يرد الاعتراض الأوّل المتقدّم، ومصب الاعتراض في الحقيقة على دعوى تخصيص دليل الجزئية بحديث الرفع، الأعتراض الأوّل ناظر إلى هذه الجهة، ليس ناظراً إلى كيفية إثبات الأمر بالأقل، الاعتراض الأوّل يقول أنّ مدلول ومفاد حديث الرفع حكم ظاهري، بينما مدلول دليل الجزئية ومفاده حكم واقعي، كيف يمكن أن يكون دليل مفاده حكم ظاهري مقيّداً ومخصصّاً لدليلٍ مفاده حكم واقعي، مع أنّه لا تنافي بينهما ؟ لا تنافي بين الدليل المثبت للجزئية كحكم واقعي وبين الدليل الذي ينفي الجزئية كحكم ظاهري، باعتبار عدم المنافاة بين الأحكام الواقعية والأحكام الظاهرية كما ثبت في محله، فلا تنافي ولا تعارض بينهما حتّى نلتزم بالتقييد أو التخصيص، وبالتالي التقييد والتخصيص فيه مخالفة للدليل بنحوٍ من أنحاء المخالفة، وهذه إنّما يصار إليها عندما يكون هناك تنافٍ، ونكون بصدد رفع التنافي، أمّا حيث لا تنافي بينهما، فليكن ذلك الدليل يثبت الجزئية واقعاً وهذا ينفيها ظاهراً، لماذا يكون حديث الرفع الذي يرفع الجزئية رفعاً ظاهرياً مخصصاً لذاك الدليل الواقعي ؟ وموجباً لاختصاصه بحالة العلم بحيث أنّ الجزئية لا تكون جزءاً من الصلاة إلاّ في حالة العلم وترتفع جزئيتها في حالة الجهل ؟ هذا هو الإشكال، الإشكال أنّه كيف يكون حديث الرفع ومفاده حكم ظاهري مخصصاً ومقيداً للدليل الواقعي؟ هذا هو الاعتراض الأوّل. هذا الاعتراض لا علاقة له بكيفية إثبات الأمر بالأقل، ليس ناظراً إلى هذه الجهة، وإنّما هو ناظر إلى جهة كيف يمكن تخصيص الدليل الواقعي بالدليل الظاهري الذي يتضمّن حكماً ظاهرياً ؟ ومن هنا يظهر أنّ هذا الاعتراض لا يرتفع بإبراز أنّ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) لا يثبت الأمر بالأقل بإجراء حديث الرفع في الجزئية كمّا ركّز عليه هذا المحقق في كلامه، لا يرتفع هذا الاعتراض، هو يقول نحن نفسّر كلام صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بتفسير يسلم من الاعتراضات، ما ذكره لا يرفع الاعتراض؛ لأنّ الاعتراض ليس على كيفية إثبات الأمر بالأقل، وبمَ يثبت الأمر بالأقل ؟ وما هو الشيء الذي يثبت به الأمر بالأقل ؟ حتى إذا قلنا أنّ الأمر بالأقل يثبت باعتبار العلم التفصيلي بوجوب الأقل، أو العلم الإجمالي بوجوب الأقل يرتفع الاعتراض، الاعتراض الأوّل أصلاً لا علاقة له بهذه الجهة، الاعتراض الأوّل يقول أنّ هذا التخصيص، تخصيص حديث الرفع لدليل جزئية السورة، قلنا أنّ دليل جزئية سائر الأجزاء الأخرى لا أحد أدعى أنّ حديث الرفع يقيدها أو يخصّصها، تبقى هي على إطلاقها لحالة الجهل بجزئية السورة، تبقى مطلقة وحديث الرفع لا يخصّصها. نعم، يخصصها إذا كان هناك جهل بها، إذا كان هناك جهل بجزئية الركوع يخصّصها حديث الرفع على ما هو المدّعى، لكن حيث يكون الجهل بجزئية السورة فقط تبقى تلك الأدلّة على حالها، حديث الرفع لا ينظر إليها ولا يخصّصها ولا يقيّدها، الاعتراض على تخصيص حديث الرفع لدليل جزئية السورة حيث فُرِض أنّ السورة يشك فيها المكلّف كما هو المفروض في أصل المسألة؛ لأنّ الدوران بين الأقل والأكثر، يعني لديك جزء أنت تشك في جزئيته، حيث أنّ هناك جزءاً وهو السورة مثلاً يُشك في جزئيته حديث الرفع يخصص دليل جزئية ذلك الجزء ويوجب اختصاص دليل جزئيته بحالة العلم الذي عبّر عنه صاحب الكفاية(قدّس سرّه) بالاستثناء، بمعنى أنّه يُخرج حالة الجهل من ذاك الدليل، الاعتراض يقول أنّ هذا غير معقول؛ لأنّ ذاك الدليل دليل واقعي يتكفّل حكماً واقعياً بينما حديث الرفع يتكفّل حكماً ظاهرياً، يرفع الجزئية في حال الجهل ظاهراً، وهذا كيف يكون مخصصاً لذاك الدليل الواقعي الذي يقول أنّ الجزئية ثابتة مطلقاً بحيث يوجب تخصيصها بحالة العلم وإخراج حالة الجهل من ذلك الدليل الواقعي، حديث الرفع ليس فيه قابلية لذلك. وهذا الاعتراض الأوّل يرد على صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، سواء فسّرنا كلامه بالتفسير السابق، أو فسّرناه بما فسّره هذا المحقق.
وأمّا الاعتراض الآخر الذي ذكرناه؛ لأننا قلنا أنّ الاعتراض الثاني اعتراض هامشي، الاعتراض الآخر هو مسألة المعارضة؛ لأنّ صاحب الكفاية(قدّس سرّه) يريد أن يجري حديث الرفع في جزئية الجزء المشكوك الجزئية. الاعتراض يقول أنّ هذا معارض بإجراء البراءة في كلّية الأقل، ومقتضى المعارضة أن يتساقطا؛ وحينئذ نصل إلى نتيجة أنّه لا يمكن إجراء أصالة البراءة في جزئية الجزء المشكوك الجزئية؛ لأنّها معارضة بالبراءة في كلّية الأقل، هذا الاعتراض ذكره المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) في حاشيته،[2] وذكر في مقام تقريبه أنّ جزئية الجزء مشكوك الجزئية بينها وبين كلّية الأقل تعارض وتناف، وهذا واضح؛ لأنّه لا يمكن الالتزام بكلٍ منهما، يعني لا يمكن الالتزام بكون الجزء المشكوك جزءاً من الصلاة وفي نفس الوقت نلتزم بأنّ الأقل هو الكل؛ لأنّ معنى كلّية الأقل يعني أنّ متعلّق الأمر هو الأقل، تمام متعلّق الأمر هو التسعة أجزاء، وهذا ينافي افتراض جزئية الجزء العاشر؛ لأنّ جزئية الجزء العاشر تعني أن الأقل ليس هو تمام المتعلّق، وإنّما هو بعض المتعلّق، فإذن: يوجد تعارض وتنافٍ بين جزئية الجزء المشكوك وبين كلّية الأقل، وهذا التنافي والتعارض، الجزئية والكلّية لازمان للوجوب النفسي، الجزئية لازمة لوجوب نفسي، والكلية لازمة لوجوب نفسي، لنقل بعبارة أخرى: منتزع من وجوب نفسي، هذا أيضاً منتزع من وجوب نفسي، وهما في عرض واحد، جزئية السورة من الصلاة منتزعة من الوجوب النفسي بالأكثر، كلّية الأقل منتزعة بالأمر النفسي المتعلّق بالأقل، أي بالتسعة، إذا فرضنا أنّ الأمر النفسي الاستقلالي تعلّق بالأقل؛ فحينئذٍ معناه أنّ الأقل هو تمام متعلّق الوجوب الذي يُعبّر عنه بالكلّية.
إذن: هما أمران متعارضان في عرضٍ واحد، كلٌ منهما منتزع من الوجوب النفسي وكلٌ منهما مشكوك بإضافة العلم الإجمالي، يعني هو مشكوك من جهة ومعلوم بالإجمال من جهة، جزئية الجزء العاشر مشكوكة، أنا اشك بها ولا علم لي بها، لكن أعلم بها إجمالاً، يعني شك مقرون بالعلم الإجمالي، كما أنّ كلية الأقل التي تعني أنّ الأقل هو تمام متعلق الوجوب، هذا أمر مشكوك لا علم لي به وأيضاً هو مقرون بالعلم الإجمالي، هذا معناه أنّ كلّية الأقل طرف للعلم الإجمالي كما أنّ جزئية الجزء العاشر طرف للعلم الإجمالي، فكل منهما مشكوك ومقرون بالعلم الإجمالي، بالنتيجة سوف نصل إلى أنّ البراءة إذا جرت في الجزئية، فهي تجري أيضاً في كلّية الأقل؛ لأنّ كلاً منهما مشكوك، إذا كان هذا الشك بالرغم من كونه مقروناً بالعلم الإجمالي يسمح بإجراء أصالة البراءة لنفي جزئية الجزء العاشر، إذن، هو يسمح بإجراء أصالة البراءة في كلّية الأقل، فيتعارض هذان الأصلان في الطرفين ويتساقطان، فإجراء أصالة البراءة في جزئية الجزء العاشر معارضة بإجرائها في كلّية الأقل.
هذا الإشكال وإن ذكره المحقق الأصفهاني(قدّس سرّه) بهذا البيان، لكنّ الظاهر أنّه هو أجاب عنه، لكن في موضع آخر، وقال ما استشكلناه في جريان البراءة في الجزئية من أنّها معارضة بالبراءة الجارية في كلّية الأقل،[3] هذا الإشكال نرفع اليد عنه وليس وارداً. وذكر في كلام له غامض وليس بذاك الوضوح ما يمكن أنّ يُبين به هو أنّ طرف العلم الإجمالي الذي يوجب توهّم المعارضة هو في الحقيقة الوجوب النفسي للأقل بحدّه، هذا هو طرف العلم الإجمالي لا أصل الوجوب النفسي وذات الوجوب النفسي، والطرف الآخر هو وجوب الأكثر بحدّه. هذا هو الطرف الآخر للعلم الإجمالي الذي يُعبّر عنه بجزئية الجزء العاشر الذي ينتهي إلى أنّ المأمور به هو عبارة عن عشرة أجزاء فيما لو كانت السورة جزءاً من الصلاة، هذه الجزئية تعنى أنّ هناك وجوباً نفسياً استقلالياً يتوجّه إلى مجموع العشرة أجزاء. إذن: ما أعلمه هو وجود وجوب نفسي مردد بين أن يكون متعلّقاً بالأقل بحدّه والذي نعبّر عنه بالاستقلالية واللابشرطية، وبين أن يكون متعلّقاً بالأكثر بحدّه، أيضاً الاستقلالية وأنّ مجموع الأجزاء هو عبارة عن عشرة أجزاء، فطرف العلم الإجمالي هو عبارة عن وجوب الأقل بحدّه، يقول: أنّ هذا وجوب الأقل بحدّه ليس له أثر، باعتبار أنّ كلّية الأقل الذي هو الحد، وكون الأقل هو تمام متعلّق الوجوب لا اثر له؛ لأنّ ذات الأقل مما نعلم بوجوبه سواءً كان هذا الحد موجوداً، او لم يكن هذا الحد موجوداً، ذات الأقل نعلم بوجوبه، ولا إشكال نقطع بأنّ المكلّف يستحق المؤاخذة على ترك ذات الأقل، سواء كان هذا الحد موجوداً أو غير موجود، على كل حال عندما يترك الأقل يستحق العقاب ويستحق المؤاخذة بلا إشكال، وممّا يعلم بوجوبه بلا إشكال على كل تقدير، هذا الحد ليس له اثر، الحد هو أنّ هذا تمام المتعلّق، الأقل واجب ونعلم بوجوبه ويستحق المكلّف المؤاخذة على تركه، كونه تمام المتعلّق أو ليس تمام المتعلّق ليس له أي اثر في مقام العمل الخارجي، ومن هنا يختلف كلّية الأقل عن جزئية السورة، جزئية السورة لها أثر عملي، يظهر في استحقاق المؤاخذة على ترك السورة، كون السورة جزءاً من الصلاة له أثر عملي وأثره العملي هو استحقاق المؤاخذة والعقاب على ترك السورة، أمّا هل نستطيع أن نقول أنّ هناك استحقاق مؤاخذة على ترك كلّية الأقل، على ترك كون الأقل هو تمام المتعلق ؟ كلا هذا ليس له أثر، تمام الأثر هو لذات الأقل، وهذا ممّا نعلم بوجوبه، أمّا كونه هو تمام المتعلّق الذي هو معنى الكلية، هذا ممّا لا أثر له، ومن هنا نستطيع أن نقول أنّ البراءة تجري في الجزئية لرفع استحقاق المؤاخذة والعقاب، وللتأمين من ناحية المؤاخذة على ترك الجزء، فإذا أجرى المكلّف البراة في الجزئية يكون في راحة من ناحية الجزء؛ لأنّ البراءة أمّنت من ناحية العقاب على ترك الجزء ولا تعارض هذه البراءة بإجراء البراءة عن كلّية الأقل؛ لأنّ هذه البراءة لا يترتب عليها شيء ولا تترتب عليها ثمرة عملية، أنا أجري البراءة عن كلّية الأقل، أو عن كون الأقل الذي أعلم بوجوبه على كل حال، عن كونه تمام المتعلّق، ليس لهذه البراءة أيّ أثر؛ لأنّه إن أُريد بها التأمين من ناحية المؤاخذة على ترك الأقل، فهذا غير معقول؛ لأننا نعلم بترتب المؤاخذة على ترك الأقل على كل حال، وإن أريد بها التأمين من ناحية كونه تمام المتعلق، قلنا أنّ هذا لا يترتب عليه استحقاق العقاب والمؤاخذة حتى تجري البراءة للتأمين من ناحيته. وبناءً على هذا يقول المحقق الأصفهاني(قدّس سرّه) الصحيح هو أنّ البراءة الجارية في السورة لا تُعارض بالبراءة في كلية الأقل، لكن يبقى الاعتراض الأوّل على حاله. نأنّ