32/10/12


تحمیل

قاعدة التسامح في أدلة السنن:-

 كان كلامنا فيما سبق في أن الأصل في الأشياء التي لا يجزم بثبوت التكليف فيها هل هو البراءة أو الاحتياط ؟ والمعروف بين الأصوليين هو البراءة ورجحنا ذلك فيما سبق للوجوه المذكورة هناك ، ثم بعد أن أتممنا هذا البحث انتقلنا الى تنبيهاتٍ وكان التنبيه الأول هو البحث عن أصالة عدم التذكية حيث قلنا صحيح أن الأصل في الأشياء هو البراءة ولكن يؤخذ بها إذا لم يكن هناك أصل موضوعي حاكم أما إذا كان هناك أصل حاكم - مثل أصالة عدم التذكية في الحيوان الذي يشك في حرمته وحليته بسبب الشك في تذكيته - فان النوبة لا تصل الى أصل البراءة لوجود ذلك الأصل الحاكم وتحدثنا عن ذلك بشكل مفصل ولا نريد ان نكرر ، والآن نريد أن نذكر في هذا التنبيه شيئاً يرتبط بأصل البراءة وأصل الاحتياط وهو ما يصطلح عليه بـ( قاعدة التسامح في أدلة السنن ) ، وما المقصود من هذه القاعدة ؟ ان المقصود منها أحد معنيين ، وسبب تعدد هذين المعنيين هو الاختلاف في فهم مدرك هذه القاعدة فان مدركها على ما سوف يأتي إنشاء الله تعالى هو روايات مضمونها ( أن من بلغه ثواب على عمل - مثل أن من سرَّح لحيته فله كذا ثواب فعمله كان له ذلك الثواب وان كان النبي لم يقله ) فانه قد اختلف في فهم هذا المضمون وسوف نذكر ستة احتمالات في المقصود منه ولكن أهم الاحتمالات اثنان:-

أحدهما :- أن يكون المقصود هو أنه في باب المستحبات إذا بلغ الثواب على مستحب فالطريق وان كان ضعيفاً والسند وان لم يكن حجة من جهة أن الراوي لم تثبت وثاقته مثلاً ولكن رغم ذلك فانه في باب السنن - والسنن هي المستحبات وهذا مصطلح أصولي - يتسامح في مدركها وسندها فيكون الخبر الضعيف حجة ، ولكن نؤكد يكون حجة في خصوص باب المستحبات .

 هكذا قد يستفاد من المضمون المذكور ، وبناءاً على هذا الاحتمال يكون المناسب عقد هذه المسألة في باب حجية الخبر ، فإذا بحثنا عن حجية الخبر وأثبتنا أن الحجة هو خبر الثقة فبعد هذا نستثني ونقول هذا ولكن في باب المستحبات يكون الحجة مطلق الخبر وان لم يكن خبر ثقة ، من المناسب أن نصنع هكذا ، ولذا نجد السيد الشهيد (قده) في كتاب الحلقة قد ذكر هذه المسالة في باب حجية الخبر.

 الاحتمال الثاني:- أن يكون المقصود ان الشيء إذا بلغ عليه الثواب ولو بطريق ضعيف فانه يصير مستحباً ولكنه استحباب بعنوان ثانوي - أي بعنوان البلوغ - لا أن الخبر الضعيف يصير حجة بل الشيء يصير مستحباً بالعنوان الثانوي.

 وبناءاً على هذا الاحتمال لا يصير الخبر الضعيف حجة وإنما يصير الشيء البالغ عليه الثواب مستحباً ، يعني بناءاً على هذا الاحتمال تصير النتيجة ثبوت حكم فقهي وهو الاستحباب للشيء الذي بلغ عليه الثواب بينما على الاحتمال الأول يكون المستفاد حكماً أصولياً لأن الحجية حكم أصولي وليس فقهي ، ولكن هل تترتب فوارق عملية على هذين الاحتمالين أو أن الفارق نظري لا أكثر ؟ ان هذه قضية أخرى سيأتي البحث عنها إنشاء الله تعالى.

والخلاصة:- ان قاعدة التسامح في أدلة السنن على التفسير الأول يصير معناها أن الرواية الضعيفة حجة في خصوص باب المستحبات التي بلغ عليها الثواب بطريق ضعيف ، بينما على التفسير الثاني فيصير معناها ان الشيء الذي بلغ عليه الثواب بطريق ضعيف يصير هو مستحباً بالعنوان الثانوي ، وذكرنا أنه بناءاً على التفسير الأول يكون المناسب ذكر هذه القاعدة في مسالة حجية الخبر بينما على التفسير الثاني يكون المناسب ذكرها في مبحث أصل البراءة لأنه لا يقصد هنا إثبات الحجية للخبر ، ولذلك ذكرها الشيخ الأعظم في الرسائل وكذلك الخراساني في الكفاية في بحث البراءة بهذه المناسبة وهي أن أنهما حينما انتهيا الى أنه لا يجب الاحتياط في مورد الشك في التكليف بل تجري البراءة ، وبعد أن فرغوا من ذلك عقدوا تنبيهات وفي التنبيه الثاني ذكرا أن الاحتياط وان قلنا بعدم وجوبه ولكن هو شيء راجح ومستحب فان الروايات من قبيل ( أخوك دينك فاحتط لدينك ) إذا لم نستفد منها الوجوب فلا أقل نستفيد منها الرجحان والاستحباب ، إذن في موارد الشك في التكليف يستحب الاحتياط ونحن نرفع يدنا عن الوجوب أما عن الاستحباب فلا ، ثم قالا إذا شككنا في عبادة أنها واجبة أو مستحبة - من قبيل صلاة العيد في زمن الغيبة هل واجبة أو مستحبة - أمكن الاحتياط وذلك بالإتيان بالصلاة قربة الى الله تعالى ، والقربة يمكن تحققها إذ يوجد أمر جزماً غايته لا نشخص أنه وجوبي أو استحبابي فيمكن التقرب بلحاظ الأمر الواقعي ولا توجد مشكلة ويكون ذلك احتياطاً مستحباً راجحاً وهذا شيء واضح ، وإنما المشكلة فيما إذا كانت العبادة مرددة بين الوجوب وغير الاستحباب - من قبيل صلاة أول الشهر - فلو وردت بطريق ضعيف فانه يحتمل أن تكون واجبة لأنها قالت ( صل صلاة أول الشهر ) ويحتمل أن هذا الخبر كاذب وليس حجة وبالتالي لا أمر حتى بنحو الاستحباب ، ففي مثل هذه الحالة هل يمكن الاحتياط أو لا ؟ يعني هل يمكن أن أحتاط وأأتي بصلاة أول الشهر ؟ قد يستشكل في ذلك باعتبار أن الصلاة لا يمكن الإتيان بها احتياطاً إلا إذا أتي بها بكامل أجزائها وشرائطها وأحد شرائطها قصد القربة ولكن كيف يمكن تحقيق قصد القربة ونحن لا نجزم بوجود أمر لا على نحو الأمر الوجوبي أو الاستحبابي فكيف نقصد القربة ؟!! من هنا وقع الكلام أنه هل يمكن الاحتياط في مثل هذا المورد ؟

وخلاصة التساؤل والإشكال:- إذا كنا لا نجزم بتوجه الأمر الى العبادة فنحتمل أنها أما واجبة أو أن لا أمر بها لا على نحو الأمر الوجوبي ولا الاستحبابي في نفس الوقت ، فهنا هل يمكن الاحتياط فيها ؟

 أحد الأجوبة التي ذكرت في هذا المجال هو أنه هل أنت تريد أمراً جزمياً حتى تتقرب به ؟ فنحن نوجد لك الأمر وهو أن الاحتياط حسنٌ جزماً ومستحبٌ جزماً وما دام يوجد أمر استحبابي جزمي للاحتياط فنقصد التقرب بذلك الأمر الاستحبابي الجزمي بالاحتياط.

 وهل هذا صحيح أو سقيم ؟ ليس بمهم لأنه ليس بحثنا ، وقد نوقش ورفض فانه دور لأنه لابد أولاً أن ثبت أن هذا احتياط.

 والجواب الآخر - وهو المهم عندي - هو أن أخبار من بلغ تثبت استحباب هذا العمل بعنوان البلوغ - أي بعنوانه الثانوي - فنقصد التقرب بهذا الأمر الاستحبابي الثابت للفعل بعنوان البلوغ ، ومن هنا انجر الحديث الى قاعدة من بلغ وأخبار من بلغ وانه هل يستفاد من أخبار من بلغ استحباب العمل بالعنوان الثانوي أو لا ؟ فإذا استفدنا ذلك أمكن التقرب بواسطة هذا الأمر الاستحبابي الشرعي الثابت لعنوان البلوغ ، سوف يكون المناسب بناءاً على هذا ذكر هذه القاعدة وأخبار من بلغ بعد مسالة أن الأصل في الأشياء هو الاحتياط أو البراءة كما صنع الشيخ في الرسائل والخراساني في الكفاية حيث ذكراها في مباحث البراءة والاحتياط بعد الفراغ من أن الأصل في الأشياء هو البراءة أو الاحتياط تحت عنوان التنبيه الثاني ، فمن الناسب ذكرها عقيب ذلك كما صنعا ، ومنشأ ذكرها ما أشرنا إليه وهو ان الاحتياط هل يمكن في مثل هذه الموارد أو لا ؟ قيل نعم يمكن ذلك من خلال أخبار من بلغ وبهذه المناسبة بحث عن أخبار من بلغ .

 والفت النظر الى أن الشبهة ضعيفة في حد نفسها - يعني الشبهة التي تقول انه لا يمكن الاحتياط إذا دار أمر العبادة بين الوجوب وغير الاستحباب - بلا حاجة الى أخبار من بلغ إذ يمكن دفعها بأن التقرب لا يحتاج الى الأمر الجزمي بل يكفي الأمر الاحتمالي ، فلو فرضنا أنا احتملنا أن المولى يريد الماء وجلبناه له أفلا يحصل التقرب هنا ؟ انه يحصل جزماً ولعله يحصل بدرجة أقوي إذ العبد حرَّكه احتمال الأمر لا الجزم به والمولى سوف يشكر العبد أكثر وهنا كذلك يمكن التقرب للمكلف بصلاة أول الشهر مثلاً لاحتمال الأمر وهو ما قد يعبر عنه في ألسنتنا بـ( رجاء المطلوبية ) .

 فاصل الإشكال ضعيف ولكن هذا شيء غير مهم والمهم هو أنه قيل يمكن أن نوجد أمراً استحبابياً متعلقاً بالعمل بعنوانه الثانوي تمسكاً بأخبار من بلغ ، وبناءاً على هذا لا يكون مفاد أخبار من بلغ حجية الخبر الضعيف حتى تذكر هذه المسالة في باب حجية الخبر بل يكون هو ثبوت استحباب العمل بالعنوان الثانوي.

 وبعد اتضاح مضمون هذه القاعدة بنحو الإجمال واتضاح المورد المناسب لذكرها نعود الى ذكر أخبارها لنتأمل في الاحتمالات التي يمكن أن تذكر فيها ، وقد عقد الحر العاملي في بداية الوسائل مقدمة في العبادات بعنوان ( مقدمة العبادات ) وفي الباب ( 18 ) من مقدمة العبادات ذكر أخبار من بلغ[1] وقد ذكر تسعة أخبار لعل بعضها مكرر وأنا اذكر خبرين تبرُّكاً.

الأول:- ما نقله عن الشيخ الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام والطريق صحيح لإمكان توثيق إبراهيم بن هاشم لبيان قد تقدم قال:- ( من سمع شيئاً من الثواب على شيءٍ فصنعه كان له وان لم يكن على ما بلغه )[2] .

والثاني:- رواية محمد بن مروان عن أبي عبد الله عليه السلام قال:- ( من بلغه عن النبي شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي كان له ذلك الثواب وان كان النبي لم يقله )[3]

  .

[1] راجع الوسائل ج1 81 - 18.

[2] المصدر السابق ح6.

[3] المصدر السابق ح4 .