32/11/09


تحمیل

 وينبغي الالتفات إلى أن متعلق العلم الإجمالي تارة يكون من قبيل الأقل والأكثر وأخرى يكون من قبيل المتباينين:-

مثال الأول:- ما إذا شككنا في أن أجزاء الصلاة هل هي عشرة - أي مع جلسة الاستراحة - أو تسعة - أي من دونها - فهناك وجوب جزماً ولكن لا ندري هل تعلق بالعشرة أو التسعة.

ومثال الثاني:- ما إذا علمنا أن الوجوب متعلق إما بالظهر وإما بالجمعة.

 وسيأتي إنشاء الله فيما بعد الكلام عن كل واحد منهما بشكل مستقل والآن نريد فقط أن نبين المصطلحات.

 وينبغي الالتفات أيضاً إلى قضية جديدة وهي أن الأصوليين تكلموا عن العلم الإجمالي في موردين من علم الأصول ، هكذا صنع الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل وجاء من بعده وسار على حذو ما سار ، فمرة تكلموا عنه في مبحث القطع ، أي قبل الدخول في الأصول العملية تحدثوا عن القطع وأن حجيته ذاتية ثم قسَّموا القطع إلى تفصيلي وإجمالي وتحدثوا عن العلم الإجمالي هذا موردٌ ، والمورد الثاني في مبحث الأصول العملية فأنهم حينما دخلوا في المبحث المذكور تعرضوا إلى أصل البراءة ثم تعرضوا بعد ذلك إلى أصل الاشتغال - أي مورد العلم الإجمالي - .

 وينبغي أن لا تكون الأبحاث مكررة ، وعليه فماذا ينبغي أن نبحث هناك وماذا ينبغي أن نبحث هنا ، أما أن نكرر ما بحثتاه هناك نكرره هنا فهو شيء ليس فنياً.

 والشيخ(قده) في الرسائل اقترح وقال لنتكلم في المورد الأول - أي في مبحث القطع - عن مسالة حرمة المخالفة القطعية ، يعني هل أن العلم الإجمالي تحرم مخالفته القطعية أو لا ؟ فلو كان عندي إناءان أحدهما خمر جزماً فهل يجوز تناولهما معا ؟ إن هذا بحث عن المخالف القطعية ، وأما في موردنا الثاني فنبحث عن وجوب الموافقة القطعية ، يعني إذا بنينا هناك على عدم جواز شرب كلا الإناءين فنأتي إلى هذا المقام ونقول صحيح أن شربهما لا يجوز لأنه فيه مخالفة قطعية ولكن هل يلزم تركهما معاً حتى تحصل موافقة قطعية أو يجوز شرب واحد وترك الآخر وهو الذي ليس فيه مخالفة قطعية ولا موافقة قطعية.

 وأما الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية فقال:- أن كلا البحثين ينبغي أن يكونا في مبحث القطع فان البحث في كليهما بحث عن شؤون القطع ، يعني هل القطع يستلزم حرمة المخالفة القطعية أو لا وهل يستدعي وجوب الموافقة القطعية أو لا فالبحث عن الاثنين معاً بحث يرتبط بحجية القطع وبلوازمه وشؤونه ، ولا معنى لأن تذكر بعض شؤون القطع هناك والبعض الآخر هنا أن هذا تفريق ليس على أساس صحيح.

 ومن هنا قال (قده) أنا أبحث كلا المطلبين في مورد القطع وإذا فرغنا عن عدم حرمة المخالف القطعية مثلاً وقلنا القطع لا يقتضي حرمة المخالفة القطعية بنحو العلية التامة وإنما يستلزمها بنحو الاقتضاء - إذا بنينا هكذا - فنأتي إلى موردنا الثاني الذي هو عبارة عن الأصول العملية ونبحث أن أدلة الأصول العملية من قبيل ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) هل له إطلاق يشمل كلا الطرفين ؟ فإذا كان له إطلاق فنبني آنذاك على جواز المخالفة القطعية ، أما إذا بنينا هناك على أن العلم الإجمالي يستلزم حرمة المخالفة القطعية بنحو العلية التامة فلا يعود آنذاك مجال للبحث عن أن أدلة الأصول العملية هل يمكن أن تشمل كلا الطرفين أو لا ؟

 إذن البحث ينبغي تجزئته وتقسيمه بهذا الشكل فهناك نبحث عن حرمة المخالفة ووجوب الموافقة فان كلا البحثين بحث عن شؤون القطع وحجيته وإذا بنينا هناك على الاقتضاء أي أن العلم الإجمالي ليس علة تامة لحرمة المخالفة أو لوجوب الموافقة فنأتي في المورد الثاني ونبحث هل أن أدلة الأصول العملية لها قابلية أن تشمل كلا الطرفين أو لا أو لها قابلية أن تشمل طرفاً واحداً أو لا ، هكذا نجزئ البحث فان هذا الثاني بحث عن شؤون الأصول العملية فيلزم أن يبحث هنا.

 وما أفاده (قده)شيء فني ووجيه ، ولكن الأفضل جمع الموردين في مورد واحد حتى لا نشتت على الطالب وعلى الذهن الأبحاث التي بينها اتصال وعلاقة.

 وقبل أن ندخل في مباحث العلم الإجمالي والتي أهمها هل هو منجز لحرمة المخالفة القطعية أو لا ؟ وهل هو منجز لوجوب الموافقة القطعية أو لا ؟ نشير إلى مطلب جانبي وهو ما هي حقيقة العلم الإجمالي ؟ والداعي إلى طرح هذا البحث رغم أنه بحث تحليلي نظري هو أن بعض الأعلام وأعني به الشيخ العراقي (قده) ربط تنجيز العلم الإجمالي بحقيقته فقال بناءاً على أن حقيقته كذا فهو ينجز وجوب الموافقة القطعية وأما بناءاً على أن حقيقته كذا فهو لا ينجز وجوب الموافقة القطعية ، وسوف نوضح ما أفاده(قده) بعد ذلك إنشاء الله تعالى.

 فلأجل أنه ربط بين حقيقة العلم الإجمالي وبين مسألة تنجيزه صار من المناسب أن نبحث عن حقيقة العلم الإجمالي والآراء البارزة في ذلك ثلاثة:-

الرأي الأول:- إن العلم الإجمالي يرجع في حقيقته إلى علم تفصيلي بالجامع وشكوك بعدد الأطراف ، فلو فرض أني كنت أعلم بنجاسة هذا الإناء أو ذاك فعلمي يرجع إلى علم تفصيلي بالجامع - أعني نجاسة أحدهما - ولكن هل نجاسة هذا بخصوصه ؟ انه شيء مشكوك ، أو نجاسة ذاك بخصوصه ؟ انه شيء مشكوك أيضاً . وهذا ما تبناه الشيخ النائيني والشيخ الأصفهاني.

 قال الشيخ النائيني(قده) ( إن العلم الإجمالي عبارة عن خلط علم بجهل وتنحل القضية المعلومة بالإجمال إلى قضية معلومة بالتفصيل على سبيل منع الخلو في ضمن جميع الأطراف وقضيتين مشكوكتين في كل طرف بالخصوص )[1] ومقصوده نفس ما أشرت إليه.

 وقال الشيخ الأصفهاني(قده) ( وحيث عرفت أن تعلق الإجمالي بالمردد غير معقول[2] وبالواقع بخصوصه غير معقول[3] إذ لا معنى لتعلقه به إلا كونه معلوماً به وهو خلف فلا محالة ليس المعلوم إلا الجامع بين الخصوصيتين المحتملتين فهو مركب من علم واحتمالين بل من علم تفصيلي بالوجوب ومن علم آخر بأن طرفه ما لا يخرج عن الطرفين .... )[4] .

 وأشكل الشيخ العراقي(قده)[5] بأن لازمه عدم انطباق المعلوم الإجمالي على المعلوم التفصيلي بتمامه وكماله بل يلزم أن ينطبق على بعضه دون تمامه والحال أنه ينطبق على تمامه ، فلو فرضنا أنا كنا نعلم بنجاسة أما الإناء الأول أو الثاني وبعد ذلك اتضح لنا تفصيلاً أن النجس هو الأول انه بعد ذلك نشير إلى الإناء الأول ونقول هذا ما كنا نعلم بنجاسته بنحو الإجمال فصار المعلوم بالإجمال منطبقاً على الإناء الأول بتمامه لا بجزئه التحليلي ، فلو كان العلم الإجمالي يتعلق بالجامع - أعني الأحد - وواضح أن الإناء الأول الذي هو عبارة عن الفرد يتكون من جامع - يعني الأحد - ومن خصوصية - أي خصوصية كونه الأول فان الفرد دائماً يتكون من جامع وخصوصية فلو كان العلم الإجمالي يتعلق بالجامع لما انطبق المعلوم بالإجمال على هذا الفرد بكماله وتمامه ، يعني لا يصح لنا أن نقول هذا هو المعلوم بالإجمال بل كان المناسب أن نقول بناءاً على التعلق بالجامع ( بعض هذا - أي الجامع هو المعلوم بالإجمال ) فان المفروض أن العلم الإجمالي متعلق بالجامع الذي هو بعض الفرد لا كل الفرد ، فيلزم أن تقول بعض هذا هو المعلوم بالإجمال أو أن المعلوم بالإجمال ينطبق على بعض هذا ، والحال أنه لا نقول هذا بل نقول إن المعلوم بالإجمال هو هذا فيدل ذلك على أن العلم الإجمالي ليس متعلقاً بالجامع إنما هو متعلق بالفرد كما يأتي إيضاحه في الرأي الثاني.

[1] فوائد الأصول 4 10.

[2] هذا في مقابل الرأي الثالث الذي سنذكره فيما بعد الذي يقول أن العلم الإجمالي متعلق بالمردد.

[3] يشير إلى رد الرأي الثاني الذي تبناه الشيخ العراقي.

[4] نهاية الدراية 2 242.

[5] نهاية الأفكار 3 -299 .