33/03/20


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس ( حكم ملاقي أحد أطراف الشبهة المحصورة ) / تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 ثم انه ينبغي الالتفات إلى أن الشيخ الأعظم(قده) كان من المناسب له أن يسلط الأضواء على نقطة جديرة بالبحث - وهو قد مر عليها مرَّ الكرام من دون أن يسلط الأضواء عليها وهي:- أنا نسلم بأن الأصل في الملاقي مسبَّبِي ومحكومٌ ونسلّم أن الأصل الحاكم هو الأصل في الإناء الأول ، ولكن نقول:- بعد وجود الأشياء الثلاثة - أعني الطرفان الأوَّلان مع الملاقي - لماذا لا يحصل تعارض بين الأصول الثلاثة فتسقط جميعاً ولا يختص السقوط بالأصلين الأوَّلين ؟ يعني أنه في فرض وجود الحاكم لماذا يختص التساقط بالأصل الحاكم وطرفه ثم تصل النوبة إلى الأصل المحكوم ، ونحن نتساءل ونقول ليتعارض الجميع في مرحلة البقاء فبعد أن وُجِد الشيء الثالث وصار إلى جنب الأوَّلين نقترح أن يحصل تعارض بين جميع الأصول الثلاثة ، ومن أين لكم أيها الأصوليون أن المعارضة تختص بالأصلين الأولين ؟! فإذا تساقطا فتصل النوبة إلى الأصل المحكوم بلا معارضة ، ان هذه قضية ينبغي تسليط الأضواء عليها وإقامة الأدلة على ذلك والحال أن الشيخ الأعظم(قده) لم يبحثها بشكل واضح.
 ومن هنا سوف نسلط الأضواء على هذه القضية فإنها هي الأساس فيما ذهب إليه الشيخ الأعظم(قده) فانه إذا قلنا ان الجميع يدخل في المعارضة فلا يتم ما ذكره (قده) وتصير النتيجة هي وجوب الاجتناب عن الجميع بما في ذلك الملاقي لأن الأصل المؤمِّن فيه قد سقط.
 وفي مقام إثبات هذه القضية قد تذكر تقريبات:-
 التقريب الأول:- ما يلوح من كلام الشيخ الأعظم(قده) وحاصله:- ان الأصل الثالث - أي في الملاقي - يتولد بعد سقوط ذينك الأصلين فلا معنى لأن يكون الأصلان السابقان - بعد فرض سقوطهما - طرفاً للمعارضة مع الأصل الثالث.
 ويرد عليه:-
 أوَّلاً:- نحن قد ذكرنا أكثر من مرة أن التعارض والتساقط لا يعني أن الشرع يعبّدنا بالأصل في الإناء الأول وبالأصل في الإناء الثاني وبعد ذلك يقول هما قد تساقطا ، ان هذا لغو ، بل الصحيح هو أن معنى هو أن إطلاق حديث ( كل شيء لك طاهر ) لا يشمل هذين الطرفين لأن شموله لهما معاً والحكم بطهارتهما معاً خلف العلم الإجمالي ، وإذا قبلنا بهذا المطلب فنقول:- في مرحلة البداية عندما كان يوجد عندنا إناءان كان دليل الأصل لا يقبل أن يشملهما والآن بعدما أصبحا ثلاثة هو لا يقبل أن يشمل الثلاثة أيضاً فتكون المعارضة آنذاك بهذا المعنى - أي بمعنى عدم الشمول - وتكون ثلاثية الأطراف ولا معنى لأن نُخرج الإناءين الأوَّلين في البداية من إطلاق دليل الأصل وبعد أن أخرهما يبقى المجال مفتوحاً للشيء الثالث ، ان هذا تصرُّف غير فنّي فانه بعدما أصبحت الأشياء ثلاثة فمن الآن لا يمكن لدليل الأصل أن يشمل الثلاثة وهذا معنى التعارض والتساقط وينبغي أن يكون المطلب واضحاً.
 وثانياً:- ان الشيخ الأعظم(قده) قد استند في تقريبه هذا إلى فكرة الحكومة وقال:- ان أصل الطهارة في الإناء الاول حاكم على الأصل في الشيء الثالث والمحكوم لا يجري الا إذا سقط الحاكم.
 ونحن نقول:- ان فكرة الحكومة لا معنى لتطبيقها على أصل الطهارة فان حصيلة فكرة الحكومة هي أن الأصل إذا جرى في الإناء الأول - أي الملاقى - فقد صرنا عالمين بطهارته وبطهارة الملاقي والملازمة ملازمة شرعية فإذا صرنا عالمين بطهارة الملاقي فموضوع الأصل في الملاقي سوف يرتفع فان موضوع الأصل هو الشك والشك قد ارتفع وتبدَّل إلى العلم وحيث أن هذا ارتفاع للموضوع بنحو التعبّد لا بنحو الحقيقة فيكون ذلك عبارة أخرى عن الحكومة ، هذا ما ذكره(قده) ، ونحن نقول له:- هذا يتم في مثل الاستصحاب فان استصحاب الطهارة بناءً على مسلك جعل العلمية يجعلنا عالمين بطهارة الشيء الأول ومن ثم يجعلنا عالمين بطهارة الشيء الثالث وبالتالي سوف يرتفع موضوع الأصل في الملاقي - أي الشيء الثالث - ولكن المفروض أن أصل الطهارة ليس المجعول فيه هو العلمية وهذا نقطة اتفاق بين الجميع فان العلمية ان قيل بها فهي مجعولة في باب الاستصحاب.
 إذن أصل الطهارة في الإناء الأول لا معنى لأن يكون حاكماً على أصل الطهارة في الشيء الثاني بعدما كانت الحكومة متقومة بجعل العلمية والمفروض أنه في أصل الطهارة لم تجعل العلمية فالحكومة لا معنى لها من الأساس في أصل الطهارة ، نعم هي وجيهة في أصل استصحاب الطهارة ، وهذه قضية فنية يجدر الالتفات إليها.
 وثالثاً:- لو سلمنا بالحكومة وقلنا ان المجعول في أصل الطهارة هو العلمية فيمكن أن نقول ان الحكومة ثابتة إذا كانت نتيجة الأصلين مختلفة لا ما إذا كانت متوافقة والنتيجة في مقامنا متوافقة فان نتائج جميع هذه الأصول هي الطهارة لا أن بعضها يثبت الطهارة وبعضها الاخر يثبت النجاسة ، فالحكومة مقبولة في الأصول المتخالفة من حيث النتيجة لا ما إذا كانت متوافقة من حيث النتيجة ، والوجه في ذلك هو ان أصل الطهارة في الشيء الأول إذا جرى فقد صرنا عالمين بطهارة الشيء الأول ومن ثم نصير عالمين بطهارة الشيء الثاني - أي الملاقي - ولكن رغم كوننا عالمين بطهارة هذا الشيء الثالث لا يرتفع أصل الطهارة فيه ، أي أن موضوع الأصل بَعدُ محفوظ وليس بمرتفع والوجه في ذلك هو أن أصل الطهارة لا يجري إذا كنّا عالمين بالنجاسة فان موثقة عمار الساباطي تقول ( كل شيء نظيف حتى تعلم بأنه قذر ) فالأصل يرتفع إذا علمنا بالنجاسة لا ما إذا علمنا بالطهارة والمفروض في مقامنا أنا صرنا عالمين بطهارة الملاقي - أي الشيء الثالث - ولم نصر عالمين بنجاسته وإنما يرتفع أصل الطهارة فيما إذا كنا عالمين بالنجاسة لا ما إذا كنا عالمين بالطهارة.
 ان قلت:- هذا وجيه ولكن إذا صرنا عالمين بالطهارة فالشرع لا معنى لأن يقول لنا أعبدكم بجريان أصل الطهارة لأنكم لم تعلموا بالنجاسة بل أنتم عالمون بالطهارة فأعبدكم بأصل الطهارة ان هذا لغوٌ إذ بعد أن صرنا عالمين بالطهارة فلا حاجة إلى أن يعبدنا بها.
 قلت:- هذا وجيه إذا صرنا عالمين بالطهارة علماً حقيقياً ووجدانياً لا ما إذا صرنا عالمين تعبداً وإلا ففي العلم التعبدي لا بأس بأن يعبدنا الشرع من طرفين بالطهارة بأن يفترض أنه يعبدنا بالطهارة من هذا الجانب ومن ذلك الجانب أيضاً كما إذا كان وجد خبران يدلّان على طهارة هذا الشيء فانه لا محذور في أن يعبدنا بهذا الخبر وذاك وتكون النتيجة هي التأكيد . نعم إذا كان لدينا علم وجداني بطهارة الشيء فلا معنى لأن يجعل الطريق التعبدي آنذاك أما إذا لم يكن العلم وجدانياً فلا محذور في جعل التعبد من طريقين فيحصل بذلك التأكيد .
 على أنه لو سلمنا باللغوية فالمحذور سوف يصير هو محذور اللغوية لا محذور الحكومة.
 والخلاصة من كل هذا:-
 أولاً:- حتى لو سلمنا بفكرة الحكومة فلا مانع من دخول الجميع - بما في ذلك الأصل المحكوم - في معارضةٍ ثلاثية الأطراف بالبيان المتقدم.
 وثانياً:- ان الحكومة في حدِّ نفسها مبنية على جعل العلمية ولا علمية في المقام.
 وثالثاً:- لو سلمنا بالحكومة فنسلمها في الأصلين المتخالفين لا في الأصلين المتوافقين.