33/04/10


تحمیل
 الموضوع / التنبيه السادس ( الانحلال الحقيقي والحكمي )/ تنبيهات / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 المورد الثاني:- يفترض وجود أصل منجز في أحد الطرفين بقطع النظر عن العلم الإجمالي فانه في مثله لا يجري الأصل الترخيصي في هذا الطرف الذي فيه الأصل التنجيزي الذي يفترض أنه مقدّم عليه فيجري الأصل الترخيصي بلا معارضة وهذا بالتالي انحلال حكمي ، فأحد الطرفين يجري فيه الأصل التنجيزي والطرف الثاني يجري فيه الأصل الترخيصي فيجوز ارتكاب ما يجري فيه الأصل الترخيصي وبالتالي لا يكون العلم الإجمالي منجزاً ولكنه موجود حقيقة في النفس ، ونذكر لذلك مثالين:-
 المثال الأول:- إذا فرض وجود إناءين كانت الحالة السابقة لأحدهما هي النجاسة ثم شك بعد ذلك في بقاءها ثم نفترض بعد ذلك وقوع قطرة نجاسة في أحدهما بنحو العلم الإجمالي ، ففي هذه الحالة لا يتعارض الأصلان الترخيصيان فان الطرف الذي حالته السابقة هي النجاسة يجري فيه استصحاب النجاسة وهو مقدَّم على أصل الطهارة بالاتفاق - وان اختلف في نكتة التقديم - ومعه يجري أصل الطهارة في الطرف الثاني بلا معارضة.
 إذن العلم الإجمالي لم تثبت له المنجزية في هذا المثال رغم وجوده حقيقةً في النفس فيكون ذلك انحلالاً حكمياً.
 والمثال الثاني:- ما إذا فرض أن المكلف قبل أن تغرب عليه الشمس بساعة علم أنه قد فاتته احدي صلاتين إما صلاة الصبح أو العصر - التي وقتها بعد باقٍ ولم ينقضِ - فإحدى الصلاتين لم يأتِ بها بنحو العلم الإجمالي ، وهنا لا يكون هذا العلم الإجمالي منجزاً أي لا يلزم الإتيان بكلتا الصلاتين بل إن صلاة العصر يوجد أصل منجّز بالنسبة إليها وهو الشك داخل الوقت فان العقل يحكم بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فلابد من الإتيان بصلاة العصر ما دام لم ينقضِ وقتها مضافاً إلى جريان استصحاب عدم الإتيان بصلاة العصر . هذا بالنسبة إلى صلاة العصر.
 وأما بالنسبة إلى صلاة الصبح فلا مانع من تطبيق أصل البراءة عن وجوب الإتيان بصلاة الصبح الآن فان الشك بلحاظ الصبح حسب الفرض هو بعد خروج وقتها فلا تجري قاعدة الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني فان وجوب الأداء قد سقط جزماً بسبب انتهاء الوقت ويشك في توجّه وجوب القضاء فينفى بالبراءة ، أو لا أقل بقاعدة الحيلولة فهي مذكورة في الروايات وانه إذا خرج الوقت فقد دخل حائل - أي نفس خروج الوقت يكون بنفسه حائلاً - فيصير سبب لعدم الاعتناء بالشك . إذن في مثل هذه الحالة ينحل العلم الإجمالي انحلالاً حكمياً لا حقيقياً فهو في النفس موجود حقيقةً بيد أنه ليس منجّزاً إذ أن أحد طرفيه - وهو صلاة العصر - يجري فيه أصل منجّز فيبقى الطرف الآخر يجري فيه الأصل المؤمّن بلا معارضة وهو معنى الانحلال الحكمي.
 المورد الثالث:- أن يفترض وجود علمين إجماليين وقد اشتركا في أحد الطرفين فان العلم الثاني لا يكون منجزاً وهذا ما تقدمت الإشارة إليه سابقاً وقلنا أنه في مثال الملاقي لأحد أطراف الشبهة المحصورة يتكون علمان إجماليان الأول هو العلم بنجاسة إما الإناء الأول أو الثاني والعلم الثاني الذي يتكون بعد الملاقاة هو العلم إما بنجاسة الثالث - أي الملاقي - أو الثاني وهو الطرف المشترك والذي هو صاحب الملاقى وذكرنا في التنبيه السابق أن هنا احتمالات ثلاثة:-
 الأوّل:- إن العلم الإجمالي الأوّل إذا كان أسبق زماناً من العلم الثاني فالأوّل هو المنجّز دون الثاني ، يعني في الساعة الأولى حصل العلم الأول ثم في الساعة الثانية حصلت الملاقاة فسوف يتكون في هذه الساعة علم إجمالي ثاني بنجاسة إما الملاقي أو الطرف المشترك - أي الشيء الثاني - وفي هذه الحالة ذكر السيد الخوئي(قده) على ما ذكرنا سابقاً أن هذا العلم لا يكون منجّزاً فيجري أصل الطهارة في الملاقي من دون معارضة بأصل الطهارة في الإناء الثاني لأنه قد سقط في الساعة الأولى من خلال المعارضة الأولى والساقط لا يعود كما ذكر السيد الخوئي وصاحب الكفاية ، هذا إذا فرض أن العلم الثاني متأخر زماناً عن العلم الأول.
 وأما لو تقارنا بأن حصلا في آن واحد كما لو كانت الملاقاة قد حصلت أوَّلاً ثم بعد ذلك علمنا بنجاسة إما الإناء الأول أو الثاني فانه في نفس الآن يتكون العلم الثاني أيضاً فيقترن حدوث العِلمان زماناً وهنا ذكر السيد الخوئي(قده) بأنه يجب الاجتناب عن الملاقي أيضاً ، يعني كما يجب الاجتناب عن الطرفين الآخرين فان قاعدة الساقط لا يعود لا يمكن تطبيقها هنا لفرض وحدة الزمان فلم يسقط الأصلان في الإناءين الأوَّلين في الزمن السالف حتى نطبق قاعدة الساقط لا يعود .
 الاحتمال الثاني:- ما صار إليه الشيخ الأعظم والشيخ النائيني(قده) وحاصله:- انه حتى لو اقترن العلمان زماناً فيجري الأصل في الشيء الثالث بلا معارضة فان المعارضة تختص بالأصول ذوات الرتبة الواحدة ، وعليه فلا يدخل الأصل في الشيء الثالث في عملية المعارضة فإذا سقط ذانك الأصلان نرجع إلى هذا الأصل بلا معارضة . إذن المنجز هو العلم الأوَّل وان كان معاصراً زماناً للعلم الثاني
 الاحتمال المثال:- ما صرنا إليه وهو أنه سواءً تعاصر الزمانان أو اختلفا بالتقدم والتأخر تقع المعارضة الثلاثية بين الأصول الثلاثة ، وبناءً على هذا يبقى العلم الإجمالي الثاني على المنجزية ولا ينحل حكماً ، بخلافه على الرأيين الأوَّلين فانه يمكن أن ينحلّ حتماً.
 قضية يجدر الالتفات إليها وحاصلها:- هناك فارق بين الانحلال الحقيقي والانحلال الحكمي كما أن هناك جامعاً مشتركاً ، فهناك نقطة التقاء ونقطة افتراق واختلاف:-
 أما نقطة الالتقاء:- فكلاهما ليس منجزاً سواء كان الانحلال حقيقياً أو كان حكمياً.
 وأما نقطة الافتراق:- فهي أنه في الانحلال الحقيقي لا يلزم أن يكون سبب الانحلال متقدماً على العلم الإجمالي أو متأخراً بل سواء كان متقدماً أم متأخراً يحصل الانحلال الحقيقي ، فانا لو كنت أعلم إجمالاً بوقوع قطرة نجاسة في أحد الإناءين فإذا علمت تفصيلاً بعد ذلك بأن القطرة قد وقعت في الإناء الأوّل مثلاً فسوف ينحل العلم الإجمالي انحلالاً حقيقياً ، وهكذا لو كان هذا العلم التفصيلي ثابتاً قبل العلم الإجمالي فانه يوجب الانحلال ، وهذا بخلافه في الانحلال الحكمي فان موجب الانحلال يلزم أن يكون متقدماً على العلم الإجمالي إذ لو كان متأخراً فسوف يصير المورد من التردد بين الفرد الطويل والقصير فتبقى المنجزيّة على ما هي عليها ، فمثلاً لو كنت أعلم بنجاسة أحد الإناءين ثم اضطررت بعد ذلك إلى شرب الإناء الأوّل بعد العلم الإجمالي فانه في مثل هذه الحالة يبقى العلم الإجمالي على التنجيز - أي بلحاظ الإناء الثاني غير المضطر إليه - للتردد بين الفرد الطويل والقصير فأقول هكذا ( أنا أعلم إما بلزوم ترك الإناء الثاني غير المضطر إليه إلى الأبد إن كانت النجاسة فيه أو بلزوم ترك الإناء الأوَّل إن كانت النجاسة فيه ولكن إلى زمان الاضطرار ) فيبقى العلم الإجمالي على التنجيز فيلزم ترك الإناء الأوَّل إلى فترة الاضطرار كما يلزم ترك الإناء الثاني إلى الأبد ، أما لو حصل الاضطرار قبل العلم الإجمالي فهنا ينحل حكماً ونقول إن الإناء الأوَّل يجوز ارتكابه جزماً بلا حاجة إلى أصل الطهارة لفرض الاضطرار فيجري الأصل في الإناء الثاني بلا معارضة ويجوز بالتالي ارتكابه . إذن شرط الانحلال الحكمي هو أن يحصل المانع كالاضطرار أو الخروج عن محل الابتلاء أو قيام الأمارة قبل العلم الإجمالي فهنا ينحل حكماً وأما إذا حصل بعد العلم الإجمالي فيتبدل إلى الفرد القصير والطويل ويبقى على التنجيز ، وهذا بخلافه في الانحلال الحقيقي فانه سواء حصل موجب الانحلال قبلاً أو بعداً فلا يؤثر ذلك شيئاً كما هو واضح.