33/08/04


تحمیل
 الموضوع / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 جواب السؤال الثالث:- إذا سلمنا وجود أصل عقلائي باسم أصالة عدم الزيادة - أي يثبت أن الكلمة الزائدة قد وقعت في موقعها المناسب - فهل يوجد في خصوص مقامنا مؤشرات تمنع من تطبيقه ؟
 وبكلمة أخرى:- ان في بعض الروايات يوجد قيد ( على مؤمن ) وفي بعضها الآخر قيد ( في الإسلام ) فهل يمكن تطبيق هذا الأصل - بناء على قبوله - لإثبات أن هذا القيد واقع في موقعه المناسب أو أنه توجد مؤشرات تحول دون تطبيقه ؟
 والجواب:- ذكر الشيخ النائيني(قده) وجهين يمنعان من تطبيق أصالة عدم الزيادة وسوف نذكرهما ، ولكن قبل ذكرهما نلفت النظر إلى أن مقصوده مردد بين احتمالين ، فيحتمل أن مقصوده من أن أصالة عدم الزيادة لا يمكن تطبيقها هو أنه لا يمكن أن نقول إن الزيادة قد وقعت في موقعها المناسب ولكن في نفس الوقت لا يحكم بأن الصحيح هو النقيصة بل يبقى الأمر مردداً بين الاحتمالين ، ويحتمل أن مقصوده هو إثبات احتمال النقيصة يعني أنه يريد أن يقول أنا أحكم بسبب هذين الوجهين بأن الصحيح هو النقيصة وعدم وجود هذه الكلمة.
 فان كان يقصد الأول فذلك شيء وجيه ، وأما إذا كان يقصد الثاني فهو مرفوض فان هذين الوجهين لا يثبتان النقيصة كما سوف نلاحظ ، فالتفت من هذه الناحية.
 وعلى أي حال ذكر(قده) وجهين ، وإذا تبرعنا بثالثٍ صارت الوجوه ثلاثة:-
 الوجه الأول:- ما أشار إليه(قده) [1] في رسالته لا ضرر وحاصله:- إن أصالة عدم الزيادة إنما تجري فيما لو فرض أن روايات الزيادة مع روايات النقيصة كانتا بمستوىً واحدٍ من حيث العدد ، أما إذا فرض أن روايات النقيصة كانت أكثر بحيث كانت روايتين أو ثلاث بينما الزيادة هي ذات رواية واحدة - وموردنا من هذا القبيل - ففي مثل هذه الحالة لا معنى لتطبيق أصالة عدم الزيادة إذ توجد مؤشرات في صالح النقيصة وهي كثرة الروايات في جانبها ، ونصّ عبارته هكذا ( وهذا البناء [2] لا يجري فيما إذا تعدد الراوي من جانب مع وحدة الآخر كما في المقام [3] لأن غفلة المتعدد عن سماع كلمة " على مؤمن " في غاية البعد ) أي أنه من البعيد أن يشتبه ثلاثة ولم يسمعوا هذه الكلمة وسمعها شخص واحد فنقلها.
 وقد يشكل عليه ويقال:- لا كثرة في الروايات في جانب النقيصة إذ أن رواية ابن مسكان عن زرارة التي اشتملت على قيد ( على مؤمن ) هي واردة في قصّة سَمُرَة فلابد من ملاحظة الروايات الأخرى التي تروي هذه القصة ، أعني مثل موثقة ابن بكير عن زرارة فانها تحكي قصة سَمُرَة وهي لا تشتمل على القيد المذكور ، وهذه كما ترى هي رواية واحدة فصارت التي تذكر الزيادة واحدة والتي لا تذكرها واحدة أيضاً . نعم توجد روايتان أخريان لم يذكر فيهما القيد المذكور وهما روايتي عقبة بن خالد التي وردت إحداهما في باب الشفعة والأخرى في المنع من فضل الماء فانهما لم تشتملا على القيد المذكور ولكنهما لم تنقلا قصة سَمُرة.
 إذن إذا لاحظنا ما يروي في قصة سَمُرَة فلا توجد زيادة في جانب وقلة في جانب آخر بل توجد روايتان واحدة تذكر القيد وأخرى لا تذكره ، وإذا لاحظنا الروايات الأخرى التي لم تنقل قصة سَمُرَة فنسلم أنه توجد روايات أخرى لم تشتمل على الزيادة ولكن لا معنى لجعلها في صالح النقيصة ومؤشرات لها إذ هي لم تنقل قصة سَمُرَة . هكذا قد يشكل عليه كما أشكل عليه بذلك الشيد الشهيد(قده) [4] .
 ولكن قد يدافع الشيخ النائيني ويقول:- صحيح أن روايتي عقبة أجنبيتان عن قصة سَمُرَة ولكن بالتالي هما تنقلان ذلك القانون الشرعي الاسلامي وهو قانون ( لا ضرر ولا ضرار ) ، فالجميع إذن يشترك في الاستشهاد بهذا القانون وإن كانت الواقعة التي استشهد فيها بهذا القانون مختلفة ولكن رغم تعدد الواقعة يبقى عدم ذكر تلك الكلمة في تينك الروايتين في صالح النقيصة أيضاً غايته بدرجةٍ أقل ، فنسلم أن الواقعة لو كانت واحدة فتصير تلك الروايتين مؤيدات للنقيصة بدرجة ( 30% ) مثلاً وإذا كانت الواقعة متعددة فهي لا تكون مؤيدة للنقيصة بدرجة ( 30 % ) ولكن يصلح أن تكون مؤيدة بدرجة أقل كـ(10% ) مثلاً ، فبالتالي يصلح أن تكون مؤيداتٍ لذلك بعد فرض أن هذا القانون قانوناً إسلامياً شرعياً واحداً ، نعم درجة التأييد تضعف في تعدد الواقعة لا أنه لا يوجد تأييد في صالح النقيصة رأساً.
 الوجه الثاني:- لو قبلنا أصالة عدم الزيادة فإنما نقبلها من باب أبعديه الغفلة في جانب الزيادة ، يعني أن من البعيد أن المتكلم يغفل فيزيد ، بخلافه في جانب النقيصة فانه قد يغفل فينقص . إذن لأجل أبعدية الغفلة في ذكر الزيادة نأخذ بأصالة عدم الزيادة ، وهذا انما يتم فيما لو فرض أن الزيادة كانت سنخ زيادةٍ إن صدرت فهي تصدر عن غفلة ، أما إذا كانت تلك الزيادة مما يقتضيها اللسان والطبع والأنس الذهني فلا يوجد في مثل ذلك أبعدية في ذكرها.
 ثم قال(قده):- وقيد ( على مؤمن ) هو من هذا القبيل فانك إذا أردت أن تنقل الحديث للناس وتقول لهم ( قال النبي صلى الله عليه وآله:- لا ضر ولا ضرار ) فقد تضيف قيد ( على مؤمن ) من باب أن المقصود ينبغي أن يكون ذلك - أي لا يوجد ضرار على المؤمن والّا فعلى غيره فلا يُنفى الضرار.
 إذن محصل ما أفاده(قده) هو أن الزيادة ننفيها بأصالة عدم الزيادة فيما لو كانت لا يقتضيها الطبع بل تقتضيها الغفلة ، أما إذا اقتضاها الطبع ومناسبات الحكم والموضوع فالأبعدية ليست موجودة فأصالة الغفلة لا تجري وحيث أن قيد ( على مؤمن ) من هذا القبيل - أي يقتضيه الطبع - فأصالة عدم الزيادة لا تجري ونص عبارته أنه قال ( ويختص بالزيادات عن الأذهان دون المعاني المأنوسة والأمور المألوفة ) [5] وكرر ذلك ثانية قائلاً ( هذا مع أنه يحتمل أن يكون الراوي الواحد من جهة المناسبة بين الحكم والموضوع وأن المؤمن هو الذي تشمله العناية الإلهية ويستحق أن ينفى عنه الضرر امتناناً ) [6] .
 وأورد عليه السيد الشهيد(قده) [7] وقال:- إن أصالة عدم الزيادة إذا قبلناه فإنما نقبلها من باب كونها أمارة عقلائية ، والأمارات لدى العقلاء انما تكون حجّة من باب الظن النوعي وليس من باب الظن الشخصي ، فخبر الثقة مثلاً حجّة لدى العقلاء من باب إفادته للظن النوعي ولا يلزم أن يحصل ظن شخصي لي كلا بل حتى إذا لم يحصل لي ظن شخصي فهو حجّة لدى العقلاء ، والأمر في المقام كذلك فانه إذا قبلنا أصالة عدم الزيادة فهي حجّة من باب أن ظاهر حال المتكلم أنه لا يغفل فيزيد ويشهد بعدم الزيادة وحيث أن الظهور أمارة وحجيّة الامارة العقلائية من باب الظن النوعي فحينئذ يلزم التمسك بهذه الأمارة حتى إذا لم يحصل ظن شخصي بوقوع هذه الزيادة في موقعها المناسب فان المدار ليس على الظن الشخصي بل على الظن النوعي.


[1] في رسالته لا ضرر المذكورة في منية الطالب 3 365.
[2] أي البناء على أصالة عدم الزيادة.
[3] فان راوي الزيادة واحد وهو ابن مسكان فانها تشتمل على قيد ( على مؤمن ) بينما الروايات الأخرى لا يوجد فيها القيد المذكور ، يعني أن موثقة ابن بكير عن زرارة لا تشتمل على القيد المذكور وهكذا بقية الروايات.
[4] التقرير 5 442.
[5] في رسالته ( لا ضرر ) 360.
[6] المصدر السابق 365.
[7] التقرير 5 443.