34/07/22


تحمیل
 الموضوع:- الأقوال في المسألة ( هل يجري الاستصحاب في الشبهات الموضوعية والحكمية أو لا ؟ ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 الإشكال الثاني:- إن المورد من الشك السببي والمسبّبي وفي مثله يجري الأصل في الشك السببي من دون أن تصل النوبة إلى الأصل المسبّبي ، وبيان ذلك:- إن شكّنا في بقاء الحكم الفعلي في فترة الشك كنجاسة الماء المتغيّر إذا زال تغيره من قبل نفسه حيث نشك أن تلك النجاسة السابقة الفعليّة هل هي باقية في فترة الشك - أعني زوال التغير من قبل نفسه - أو غير باقية ؟ إن منشأ الشك هذا هو الشك في الجعل وأن الشرع هل جعل النجاسة وشرَّعها في حالة زوال التغيّر عن الماء من قبل نفسه فهل جُعِلت النجاسة أو لم تُجعَل ؟ فإن فرض أن الشارع قد جعل النجاسة وشرَّعها فالحكم الفعلي بالنجاسة يكون باقياً ومستمراً ، وإن لم يشرِّعها فالنجاسة الفعليّة ليست باقية . إذن شكّنا في بقاء النجاسة الفعليّة في فترة زوال التغيّر عن الماء من قبل نفسه ناشئ من الشك في الجعل الزائد وأنه شرّعت النجاسة وجعلت وأنشِئَتْ في فترة الشك أو لا ؟ وحينئذ يجري الأصل في الشك السببي - يعني نستصحب عدم الجعل الزائد - من دون أن تصل النوبة إلى استصحاب بقاء الحكم الفعلي بل هو لا يجري فالمعارضة لا تتحقق لأن استصحاب الحكم الفعلي لا يجري فيبقى استصحاب عدم الجعل الزائد من دون معارض.
 وحصيلة الإشكال:- إنك تقول إنه توجد دائماً معارضة في الشبهات الموضوعية بين استصحابين ، ونحن في الاشكال نقول إنه لا توجد معارضة بل يجري استصحاب واحد فقط وهو استصحاب عدم الجعل الزائد أما ذلك الاستصحاب الثاني فلا يجري فلا توجد معارضة . هذا اشكال يتسجّل على السيد الخوئي(قده) أو على الشيخ النراقي(قده).
 وفيه:-
 أولاً:- إن هذا الإشكال إن تمّ فهو فنّي ولا يضر بما أراده السيد الخوئي(قده) فإن الذي أراده هو أنه في باب الشبهات الحكميّة الكليّة لا يجري استصحاب بقاء النجاسة الفعليّة ، وبالتالي إذا لم يجرِ فماذا نصنع ؟ قال:- نرجع مثلاً إلى أصل الطهارة ونحكم بطهارة الماء . فهو(قده) يريد أن تثبت هذا ومقصوده هذا سوف يصل إليه ولكن من دون المعارضة حيث أنه يجري استصحاب عدم جعل النجاسة في المقدار الزائد - يعني الشارع لم يشرِّع النجاسة في فترة الشك - من دون أن تصل النوبة إلى استصحاب بقاء النجاسة وبالتالي نرجع إلى أصل الطهارة.
 إذن هذه مناقشة فنيّة لا تضرّ بما أراده(قده) ، وأنا أبيّن هذا من باب واقع الحال.
 وثانياً:- إنه في باب الأصل السببي والمسبّبي يشترط في تقدّم الأصل السببي على المسبّبي مضافاً إلى السببيّة والمسببيّة يشترط شرط ثانٍ [1] هو أن تكون السببيّة سببيّة شرعيّة والترتّب يكون ترتّباً شرعياً لا أنه ترتب غير شرعي إذ لو كان الترتّب غير شرعي فسوف يصير المورد من الأصل المثبت وهذا من الأمور الواضحة التي تعلمناها من أكابرنا فلذلك في مورد استصحاب طهارة الماء الذي حالته السابقة هي الطهارة ثم شككنا في طهارته فنستصحب طهارته ولا يعارض ذلك بالاستصحاب المسببّي - أعني استصحاب عدم حصول طهارة الثوب لو غسلنا به الثوب لأن الثوب نجس سابقاً - فقد يقال إنه يجري استصحاب بقاء النجاسة ، كلّا ولماذا ؟ لأن الترتّب هنا شرعي لأن من الآثار الشرعية لطهارة الماء هو أنه يجوز شربه ويجوز الوضوء به ويجوز تطهير الثوب المتنجس به .... وهكذا وكل هذه آثار شرعيّة ففكرة الأصل السببي والمسببّي والحكومة هنا يمكن تطبيقها لأن الأثر أثر شرعي . أما إذا لم يكن شرعيّاً كأن نعكس ونستصحب أوّلاً نجاسة الثوب ونقول إذن سوف يثبت أن الماء نجس ، فنجيبه بأن هذا الترتب والسببيّة والملازمة من هذا الطرف عقليّة ليست شرعية لأنه لا يوجد نصّ شرعي يقول ( إذا كان الثوب باقياً على النجاسة بعد غسله بالماء فإذن الماء نجس ) بل هذا أثر غير شرعي بخلاف الأثر من ذلك الطرف فإنه توجد نصوص دلّت على أن الماء الطاهر يجوز الوضوء والغسل به وغير ذلك أما من ذلك الطرف فغير موجودٍ فمادامت السببيّة من ذلك الطرف ليست شرعية فذاك الاستصحاب لا يحكم على الاستصحاب الأوّل - يعني استصحاب طهارة الماء - إلا بنحو الأصل المثبت مادامت الملازمة غير شرعيّة . إذن شرط تقدّم الأصل السببي على المسببّي مضافاً إلى وجود أصل السببيّة وجود شرطٍ ثانٍ وهو أن تكون السببيّة والترتّب شرعيّاً ، وفي المقام نقول إن الترتّب ليس شرعيّاً فإنه لا يوجد نصّ شرعي يقول ( إذا لم يجعل الشارع ولم يشرِّع النجاسة في فترة الشك فإذن النجاسة الفعليّة ليست باقية ) وإنما هذه ملازمة عقليّة ، وعلى هذا الأساس فاستصحاب عدم الجعل في الفترة الزائدة لا يحكم ولا يتقدم على استصحاب بقاء النجاسة الفعليّة إلا بنحو الأصل المثبت وهو ليس بحجة ، وهذا من المطالب الواضحة . إذن هذا الاشكال مندفع.
 ولكن العصمة لأهلها فإن السيد الخوئي(قده) مع وضوح هذا الطلب الذي ذكرته ولعله أيضاً نبّه عليه في المصباح دفاعاً عن نفسه حينما وصل إلى كتاب النكاح في العروة الوثقى [2] فقد ذكر هناك أن استصحاب عدم الجعل بالمقدار الزائد - يعني مثل عدم جعل الزوجية وعدم تشريعها بالمقدار الزائد - يكون حاكماً على استصحاب بقاء الزوجية الفعليّة ، فمثلاً [3] لو فرض أن الزوجة ماتت وشُك أن الزوجيّة باقية بَعدُ حتى يجوز له أن ينظر إليها أو يمسّها أو أنها ليست بباقية [4] ؟ فحينئذ يجري استصحاب بقاء الزوجية لأنه كانت هناك زوجية فعليّة سابقاً ونشكّ في بقائها فنستصحب بقائها ، وهو(قده) ماذا يريد أن يقول ؟ إنه لا يقول إن هذا الاستصحاب معارَض باستصحاب عدم الجعل الزائد للزوجية في الفترة المشكوكة - أي فترة ما بعد الوفاة - بل قال إن استصحاب عدم الجعل الزائد حاكمٌ ومقدّم على استصحاب بقاء الزوجية فإن الشك في بقاء الزوجيّة مسبَّبٌ عن الشك في الجعل الزائد وعدمه فنجري استصحاب عدم الجعل بالمقدار الزائد ويكون حاكماً فراجع كلامه(قده) ، فكيف هذا والحال أن مباني العروة متأخر كثيراً عن المصباح ؟! ولعلك تتمكن من التوفيق بين الموردين وأنه يوجد فارق بينهما.
 إذن المناقشة الثانية هي أنه قد يقال إن استصحاب بقاء الحكم الفعلي لا يجري لأجل أن استصحاب عدم الجعل الزائد حاكماً عليه وقد اتضح بطلان هذه الحكومة باعتبار أن السببيّة ليست سببيّة شرعية . إذن الإشكال الثاني مدفوع.


[1] وهذا الشرط الثاني قد يُغفل عنه فحتى أن من ينبّه عليه يغفل عنه ، وأنا قد لاحظت ذلك فصاحب الكفاية الذي نبّه عليه في الكفاية في عدة مواضع نراه يجري الاستصحاب السببي ويجعله حاكماً من دون توفّر هذا الشرط ، ولعل الشيخ الانصاري في باب الاستصحاب التعليقي كذلك أيضاً.
[2] مباني العروة الوثقى، كتاب النكاح ، الخوئي، تسلسل32، ص151 و تسلسل32، ص157 ، ط جديدة . مباني العروة الوثقى، ج1، الخوئي، ج1، ص185، 192، ط قديمة.
[3] وهذا المثال منَّي.
[4] وهذه المسألة محل كلام ، ولا تأتِ لي بدليلٍ على البقاء أو العدم فإن بحثنا ليس بحثاً فقهياً بل لو شككنا أنها باقية أو ليست باقية فماذا نصنع.