34/07/11


تحمیل
 الموضوع:- الدليل الثالث للاستصحاب ( التمسك بالأخبار ) / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
  إن قلت:- إن هذا تمسك بالاستصحاب ولكن أنت تسميّه بقاعدة الطهارة فإنه إذا فرض أنّا لاحظنا الحالة السابقة وأنه أعار الثوب وهو طاهر والمفروض أننا لا نتيقن زوال تلك الطهارة فلم نستيقن أنه قد نجّسه بعد ثبوت الطهارة اليقينيّة السابقة فالحكم بالطهارة الآن هو ناشئ من الحالة السابقة والذي هو عبارة عن الاستصحاب ولكنك تسمّيه بقاعدة الطهارة ، هكذا قد يخطر الى الذهن كإشكال على ما ذكرناه من مناقشة.
 وفيه:- إن المورد يكون من الاستصحاب لو فرض أن مقصود الإمام عليه السلام هو الحكم بالطهارة الآن من باب عدم جواز نقض الحالة السابقة عملاً فإنه إذا كان من هذه الناحية فنسلم أن هذا مرجعه إلى الاستصحاب وليس إلى قاعدة الطهارة ولكن نقول إنه من المحتمل أن الإمام عليه السلام حكم بالطهارة ليس من الناحية المذكورة - أي لا من ناحية عدم جواز نقض الحالة السابقة عملاً - بل من جهة أن الشارع حكم بالطهارة في مشكوك الطهارة في هذا الظرف - أي في ظرف ثبوت الطهارة سابقاً - وليس لعدم جواز نقض تلك الطهارة حتى يكون هذا راجعاً إلى الاستصحاب بل لأجل جعل طهارةٍ ظاهريةٍ حالة الشك ولكن في هذا الظرف الضيّق فالطهارة السابقة أخذت بنحو الشرط - أي شرط الحكم بالطهارة الظاهرية الآن هو ثبوت الطهارة سابقاً - لا أن الطهارة الظاهرية الآن هي من باب سحب تلك الطهارة عملاً ومن باب لا تنقض اليقين بالشك ، كلا بل هذا محتمل.
 وبكلمة أخرى:- كما أنه في مورد اليقين السابق بالنجاسة - ولم أقل الطهارة - قد لا يحكم الشارع بقاعدة الطهارة الآن مادام الحالة السابقة هي النجاسة ولكن لا من أجل استصحاب النجاسة بل من جهة ضيق نفس قاعدة الطهارة فمساحتها ضيّقة ولا تشمل حالة النجاسة السابقة فكما أن هذا وجيه ونقبله فلنقبل هذا ونقول إن الشارع - ولكن هذا تنظير بالعكس - جعل الطهارة الظاهرية وقاعدة الطهارة حالة الشك ولكن بشرط أن يفترض أن الحالة السابقة هي الطهارة فإذا فُرِضَت فالآن يجعل قاعدة الطهارة لكن لا لأجل عدم جواز نقض ذلك اليقين السابق بالشك وإنما من جهة أنه مشكوك الطهارة . هذا كله تتمة للمناقشة التي أشرنا إليها.
 هذا مضافاً إلى أنه لو سلّمنا دلالتها على الاستصحاب ولكن ليس فيها جنبة عمومٍ فغاية ما نستفيده هو استصحاب الطهارة في باب الطهارة ولا نستفيد حجيّة الاستصحاب في الموارد الأخرى والمهم هو جنبة العموم - أي إثبات حجيّة الاستصحاب شكلٍ عام - وإلا فثبوته في خصوص باب الطهارة ليست مهمة لوجود قاعدة الطهارة فسواء كان هناك استصحاب أو لم يكن فهو لا ينفعنا شيئاً والمهم هو العموم.
 إن قلت:- يمكن إثبات العموم من خلال التعليل فإن الامام عليه السلام علل بقوله:- ( لأنك أعرته إياه وهو طاهر ) والتعليل يفهم منه العموم.
 قلت:- إن التعليل وإن دلّ على العموم إذ لو كان خاصاً بمورده الضيّق لما صلح أن يكون تعليلاً لصيرورة المقام من باب تعليل الشيء بنفس مورده وهذا مرفوض فلابد وأن يكون التعليل بشيءٍ وسيع يشمل المورد وغيره حتى يصلح للعليّة وإلا فلو كان خاصاً بمورده فلا يصلح للتعليل ، ولكن نقول إنه يكفي في العموم أن يكون التعليل شاملاً للمورد وهو الثوب الذي أعاره للذمي ولغيره ولكن في خصوص دائرة الطهارة ، وبالتالي هذا عمومٌ غايته عموم ليس في مساحةٍ واسعةٍ أوسع من باب الطهارة وإنما هو عمومٌ في باب الطهارة فقط ، وعلى هذا الأساس إن نفس التعليل وأن دلَّ على العموم ولكن لا يستلزم أن يكون ذلك العموم عموماً وسيعاً بالدرجة العالية.
 نعم قد يقال:- إن التعليل يلزم أن يكون بأمرٍ ارتكازي حتى يصلح للقبول فإن الهدف من ذكر التعليل هو تقريب المطلب إلى ذهن الطرف الاخر هو لكي يقبل الطرف الآخر فلابد وأن يكون بأمرٍ ارتكازي والمرتكز هو أن الخصوصيّة لكلّ حالةٍ سابقةٍ بلا ميزة كونها هي الطهارة.
 قلت:- لا نسلم أن التعليل يلزم أن يكون بأمرٍ ارتكازي وإنما يلزم أن لا يتنافى مع الارتكاز لا أن يكون بأمرٍ ارتكازيّ ، وفي المقام لو كان التعليل المذكور ناظراً إلى باب الطهارة فقط من دون خصوصيّة للثوب الذي أعير للذمي فجعل الاستصحاب في هذه المساحة - أي مساحة باب الطهارة - ليس منافياً للارتكاز . إذن لا نشترط في التعليل أن يكون بأمرٍ ارتكازي بل بأمرٍ يتنافى مع الارتكاز . نعم قد يفترض أن نفس التعليل قد أخذت فيه نكتة ارتكازيّة قبل أن يكون تعليلاً وقبل أن يُلحَظ كتعليلٍ كما هو الحال في صحيحة زرارة الثانية مثلاً فإنه ورد فيها ( فإنك كنت على يقين ولا ينبغي أن تنقض اليقين بالشك ) فإن التعبير بـ( ولا ينبغي أن تنقض ) يريد أن يشير فيه الإمام عليه السلام إلى النكتة الارتكازية وأنه بحسب المرتكز العقلائي أن اليقين لا يُنقَض بالشك وجُعِلت هذه النكتة الارتكازية علّة فالتعليل تعلّق بالأمر الارتكازي وهنا يتم استفادة العموم لأن العلّة بنفسها جُعِلت ذلك الأمر الارتكازي ، وهذا بخلافه في المقام فإنه لم تجعل العلة ما كان أمراً ارتكازياً في المرحلة السابقة ، وعليه فاستفادة العموم أمرٌ مشكل . اللهم إلا أن نجزم بعدم الخصوصيّة للمورد - يعني لباب النجاسة والطهارة - وهذا أوّل الكلام فلعل الشارع يريد أن يتساهل في باب الطهارة والنجاسة كي لا يقع الناس في والسوسة من هذه الناحية فالجزم بعدم الفرق بين باب الطهارة وبين غيره أمرٌ مشكل . والنتيجة هي أن استفادة التعميم أمرٌ مشكل.