34/05/28


تحمیل
 الموضوع:- الدليل الثالث للاستصحاب ( التمسك بالأخبار ) / أدلة الاستصحاب / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 والأجدر التمسك لإثبات التعميم بالبيان التالي:- إن التعليل حينما يذكر لابد وأن يكون بأمرٍ لا يأباه الارتكاز ، بل يمكن تصعيد اللهجة ويقال إنه يعتبر أن يكون ملائماً للارتكاز العقلائي إذ الهدف من العليل هو تقريب الحكم إلى الاذهان والى القبول وإنما يصير كذلك فيما لو كانت العلّه علّة ملائمة للارتكاز أما إذا كانت غير ملائمةٍ فلا فائدة من التعليل فليس من الوجيه أن تقول ( أكرم فلاناً لأنه طويل أو لأنه قصير ) فإن هذا لا يتلاءم مع الارتكاز فإن الهدف هو أن يقرّب وجوب الإكرام إلى الذهن والتعليل بالطول أو القصر لا يؤثر شيئاً بخلاف ما إذا قلت ( أكرم فلاناً لأنه مؤمن ، أو لأنه عبد مخلوق لله عز وجل ، أو لأنه عالم ) فإنه شيء لا يأباه الارتكاز ، إن هذه التعليلات مطابقة للارتكاز ولا يأباها الارتكاز.
 إذن نخرج بهذه القضية:- وهي أن التعليل دائماً حينما يذكر لابد وأن يكون ملائماً مع الارتكاز وليس منافياً له لما أشرنا إليه . وإذا قبلنا بهذا فنقول آنذاك إن الذي لا يأباه الارتكاز هو أن تكون النكتة هي اليقين بما هو يقين بأن يكون المقصود هكذا ( ولا تنقض اليقين - أي بما هو يقين - بالشك ) فإنه شيء لا يأباه الارتكاز فيكون التعليل به شيئاً وجيهاً ، أما إذا كان المقصود هو اليقين الوضوئي بالخصوص - أي ( ولا تنقض اليقين بخصوص الوضوء بالشك ) - فهذا لا يتلاءم مع الارتكاز فإن الارتكاز لا يرى خصوصيّة لليقين بالوضوء بل يرى الخصوصيّة كل الخصوصيّة لليقين بما هو يقين فلو كان المقصود من اللام في كلمة اليقين هي لام العهد وأنه لا تنقض اليقين بالوضوء بالشك صار التعليل تعليلاً بأمرٍ تعبّدي وليس بأمرٍ ارتكازي عقلائي والمفروض أنا قلنا إن التعليل يلزم أن يكون بالأمر العقلائي لا بالأمر التعبدي.
 والخلاصة هي أن نفس التعليل يشهد بكون المقصود من لام اليقين هي لام الجنس وليست لام العهد بلا حاجة إلى ضمّ ضمائم أخرى غير ما أشرنا إليه من أن العرف يرى أن اللازم التعليل بالأمر الارتكازي لأن الهدف هو التقريب وهو لا يحصل بما يتطابق مع الارتكاز.
 وإنما استندنا إلى هذه النكتة - وأن الهدف من التعليل هو التقريب إلى الذهن - وأخذنا هذه المقدمة بعين الاعتبار من جهة أن الرواية لم تذكر كلمة ( وليس ينبغي ) كما هي مذكورة في بقية الروايات فلو كانت مذكورة فيها فسوف يكون نفس ذكر هذه الكلمة شاهداً على أن العليل بأمر ارتكازي أما بعد التفاتنا إلى أن هذه الرواية لا تشتمل على هذه الكلمة وإنما قال الإمام ( وإلا فإنه على يقين من وضوئه ولا تنقض اليقين أبداً بالشك ) ولم يقل ( وليس ينبغي ) فلأجل هذا حاولنا أن نثبت أن التعليل تعليلٌ بأمرٍ ارتكازي من جهة أن الهدف من التعليل هو التقريب وإلا لو فرض أن كلمة ( فليس ينبغي ) كانت مذكورة لما احتجنا إلى هذا التطويل.
 ومما يؤكد التعميم ولو بنحو المؤيد لا بنحو الدليل وأن اللام للجنس هو التعبير بكلمة ( أبداً ) في نفس الرواية المذكورة . وإنما جعلنا ذلك مؤيداً لا دليلاً لاحتمال أن يكون هذا العبير بلحاظ باب الوضوء فإن له أفراداً متعددةً إذ الشك في بقاء الوضوء تارةً يكون لأجل احتمال النوم وأخرى لاحتمال الحدث الثاني غير النوم ... وهكذا فباعتبار هذا يصح التعبير بكلمة ( أبداً ) ولأجل هذا لم نجعله دليلاً بل جعلناه مؤيداً.
 إن قلت:- هذا البيان لإثبات التعميم - وهو أن التعليل دائماً يكون بأمر ارتكازي - شيء ظريف ولكن يمكن أن يشكل عليه بأن هذا يتنافى مع ما انتهينا إليه سابقاً من أن السيرة العقلائية لم يثبت انعقادها على العمل بالحالة السابقة بما هي حالة سابقة ، نعم العقلاء قد يعملون بالحالة السابقة ولكن لنكاتٍ أخرى وليس بما هي حالة سابقة فهم يعملون بها إما لأجل الاطمئنان بالبقاء أو لأجل الظن أو لأجل الاحتياط لأجل رجاء المطلوبية أو غير ذلك وأما العمل بها بما هي حالة سابقة كما ادعى ذلك الشيخ النائيني فهذا لم يثبت كما صار إلى ذلك الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية وقبله استاذه الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل فلا ، ونحن قلنا إن في دعوى انعقاد السيرة تردّداً وتأملاً فهذا التردّد أليس يتنافى مع هذه الدعوى وأن التعليل دائماً يكون بأمرٍ ارتكازي فهل لا توجد منافاة بين هذين الطلبين أو أنه توجد منافاة ؟
 والجواب:- إن الارتكاز له مراتب فهو من قبيل الكليّ المشكك فقد يكون بمرتبةٍ عاليةٍ يستدعي انعقاد السيرة خارجاً وقد يكون بمرتبةٍ ضعيفةٍ لا يستدعي انعقاد السيرة خرجاً وإنما يبقى شيئاً ثابتاً في الذهن من دون سيرةٍ في الخارج من قبيل ( أكرم كل إنسان لأنه مخلوق لله عز وجل ) فإنه تعليل بأمر ارتكازي ولا يتنافى مع الارتكاز ولكن في نفس الوقت لم تجرِ السيرة على ذلك إلا أهل البيت عليهم السلام أما الشريحة العامة للناس فلم تنعقد سيرة على ذلك ، أو مثل صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع ( ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه لأن له مادّة ) إنه تعليل بأمر ارتكازي يتقبّله العرف ولكن هذا لا يعني أنه انعقدت السيرة العقلائية على أن كل ما له مادّة فهو لا يتنجس ، كلا بل قد يكونون غافلين عن هذا المعنى ويحتاج إلى من يلفت انظارهم ويثير دفائن عقولهم . إذن كون الشيء ارتكازياً لا يعني أن السيرة حتماً يلزم أن تنعقد على وفقه.
 والخلاصة من كل هذا:- إن التعميم في هذه الرواية لمطلق الأبواب شيءٌ مقبولٌ على ضوء هذا البيان الذي أشرنا إليه.
 نعم هناك شبهتان لابد من عرضهما والجواب عليهما:-
 الشبهة الأولى:- ما قد ينسب إلى الشيخ المجلسي(قده) وقد نقله عنه الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل [1] وحاصله:- إن من المحتمل أن يكون المورد من موارد سلب العموم لا عموم السلب.
 والفارق بين هذين المصطلحين هو أنه تارةً نسلب العموم ونتيجة سلبه هو القضية الجزئية لا القضية الكليّة نظير قولك ( أكرم أي أحد تواجهه من الناس ) فهنا يوجد سلب للعموم يعني أن السلب توجه إلى العموم - أي إلى ( كل ) - والنتيجة تصير أنها تلتئم مع الجزئية - أي أن بعض الناس أكرمهم أما الكل فلا - وأخرى يفترض أن المورد يكون من عموم السلب - يعني أن المقصود هو بيان أن هذا السلب سلباً عاماً وبنحو القضية الكليّة - نظير قولك ( لا يوجد في البلد الفلاني أي إنسانٍ فقير ) فإن المقصود هنا هو القضية الكليّة - يعني أن الكل هو غنيّاً - فليس المقصود هو سلب العموم وإنما القصود هو عموم السلب - أي أن السلب سلبٌ عامٌ وبنحو القضية الكليّة - والذي ينفعنا في الرواية هو أن يكون المورد من عموم السلب حتى تكون النتيجة نتيجة كليّة أي تصير هكذا ( أي فردٍ من أفراد اليقين لا يجوز نقضه بالشك ) - أما إذا كان المقصود هو سلب العموم فالنتيجة تصير هي أن ( جميع أفراد اليقين لا يصح نقضها نعم البعض يصح نقضه أما الجميع فلا ) وحيث من المحتمل أن يكون قوله عليه السلام ( ولا ينقض اليقين أبداً بالشك ) هو من قبيل سلب العموم فحينئذ لا نستفيد قضيّة كليّة وأن اليقين لا يجوز نقضه أبداً بالشك بل ذلك يلتئم مع عدم جواز نقض بعض أفراد اليقين فلا تنفعنا الرواية.
 وأجاب الشيخ الأعظم(قده):- بأن ما ذكره يتم فيما إذا لم يكن العموم مستفاداً من نفس النفي الداخل على الجنس والطبيعة أما إذا كان كذلك كما في موردنا فإن العموم نستفيده من كلمة ( لا ) أي من النفي الداخل على الطبيعة - أعني اليقين - فسوف يستفاد العموم من نفس النفي لا أن أداة النفي دخلت على العموم بل العموم استفدناه من أداة النفي الداخلة على الطبيعة والجنس من قبيل ( لا رجل في الدار ) فإنا نستفيد منه العموم - أي من نفس النفي الداخل على الطبيعة - ومقامنا من هذا القبيل.
 وما أفاده الشيخ الأعظم(قده) له وجاهة ولكن يوجد طريق أخصر وأوضح:- وهو أن المقصود للإمام هو الاستدلال واقناع زرارة والاستدلال إنما يتم بالقضية الكليّة لا بالقضية الجزئية فلا يصح أن تقول ( هذا عالم لأنه نجفي وبعض النجفيين علماء ) فإن هذا لا ينفع وإنما الذي ينفع أن تقول ( هذا نجفي وكل نجفي عالم ) لأنه يشترط كليّة الكبرى في القياس حتى يكون منتجاً وهذا من الواضحات ، فهنا لو كان المقصود هو سلب العموم فسوف يصير الدليل قضيّة جزئيّة وهي لا تنفع في مقام الاستدلال كما هو واضح.


[1] تراث الشيخ الأنصاري ، الرسائل، ج26 ص57.