34/04/19


تحمیل
 الموضوع / التنبيه التاسع / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 الحالة الأولى:- أما بالنسبة إلى الحالة الأولى فقد ذكر السيد الخوئي(قده) [1] أن بالإمكان التمسك بقاعدة على اليد ، فلو فرض أن الذي سبَّب إلى ذلك هو مالك الطائر فلازم ذلك أنه حصل تعيّب في القفص بسبب دخول الطائر فيه فيلزم بمقتضى قاعدة على اليد إرجاع القفص إلى صاحبه سالماً من العيب وحيث لا يمكن ذلك إلا بقتل الحيوان فيلزم على صاحبه قتله مقدمة لإيصال القفص إلى صاحبة سالماً بمقتضى قاعدة على اليد ، قال(قده):- ( أن يكون ذلك بفعل أحد المالكين والحكم فيه وجوب إتلاف ماله وتخليص مال الآخر مقدمة لردّه إلى مالكه لقاعدة اليد ).
 وفيه:- إن التمسك بقاعدة اليد إما لا مجال له أصلاً أو لا مجال له أحياناً ، فإن صاحب الحيوان إذا سبَّب بدخول الحيوان فلا يلزم من ذلك ثبوت اليد من قبله على القفص فإن إدخاله للحيوان في القفص لا يلزم منه وضع يده على القفص بل يمكن ذلك بوضع الحيوان قريباً من القفص ودفعه إلى ذلك فيدخل في القفص إنه في مثل ذلك أيّ يدٍ على القفص ؟! فلم تحدث يدٌ على القفص وإنما تحدث اليد لو فرض أنه أخذ القفص بيده أو بنحوٍ آخر فإن المقصود من اليد هو الكناية عن الاستيلاء أعم من أن يكون باليد أو بغيرها فإذا أخذ القفص بيده أو بوسيلة أخرى وأدخل الحيوان فيه صدق أنه استولى على القفص فتشمله قاعدة ( على اليد ما أخذت حتى تؤدي ) والتي مدركها هو السيرة ، أما لو فرض أنه لم يستولِ على القفص بأي شكلٍ بل دفع الحيوان إليه إما بعباءته أو بيده فدخل فلم يحصل استيلاء على القفص فكيف نتمسك في مثل ذلك بقاعدة على اليد ؟!
 والأولى أن يتمسك بقاعدة التسبيب ، بمعنى أن صاحب الحيوان إذا أدخله في القفص فهو قد سبَّب إلى تعيّب القفص فيجب ردّه إلى صاحبه سالماً وحيث لا يمكن ذلك إلا بقتل الحيوان فيلزم قتله مقدمةً لإيصال القفص سالماً إلى صاحبة . وبالجملة:- المناسب هو التمسك بقاعدة التسبيب وليس بقاعدة على اليد ، وهذه نكتة ظريفة يجدر الالتفات إليها.
 الحالة الثانية:- وأما إذا فرض أن المسبِّب كان شخصاً ثالثاً بأن فرض أن شخصاً ثالثاً أدخل طائر الشخص الثاني في قفص الشخص الأول فهنا ذكر السيد الخوئي(قده) [2] أن ذلك الشخص الثالث المسبِّب بالخيار بين أن يتلف الطائر مع ضمان قيمته لصاحبه وبالتالي حتى يرجع القفص سالماً إلى صاحبه وبين أن يكسر القفص ويضمن قيمته لصاحبه كي يرجع الطائر إلى صاحبه سالماً.
 وبكلمة أخرى:- إنه حيث يلزمه إيصال المالين إلى صاحبيهما والمفروض أنه لا يمكن ذلك إلّا بإتلاف أحدهما فيجب آنذاك إيصال أحدهما إلى صاحبة بعينه وإيصال الآخر بقيمته إلى صاحبه فإن غير ذلك لا يمكن.
 وفيه:- إن إعطاء زمام الخيار إلى الشخص الثالث لا معنى له بل لابد وأن يترك الأمر إلى المالكين وهما إذا اتفقا على شيءٍ كأن اتفقا على أن صاحب الحيوان يقتل حيوانه فحينئذ يقتل هو حيوانه ويأخذ القيمة من المسبِّب وإذا فرض العكس فبالعكس ، وإذا فرض أنهما لم يتفقا على شيءٍ فالمناسب حينئذ نقل الأمر إلى الحاكم الشرعي والمناسب للحاكم أن يجري القرعة بينهما لأنها لكل أمرٍ مشكل . إذن المناسب أن يكون المطلب بالشكل الذي أشرنا إليه وليس كما أفاده(قده) . وإذا فرضنا أنهما تراضيا على القرعة أو الاستخارة أو غير ذلك فلا بأس بذلك لأن الحق لا يعدوهما فإذا تصالحا واتفقا على شيءٍ فلا بأس بذلك بلا حاجة إلى وصول الأمر إلى الحاكم الشرعي ، وهذا نقوله في كل المرافعات والمشاجرات بين طرفين فهل من الضروري نقل القضية إلى الحاكم الشرعي كي ما يحلّ هو القضية ؟ كلا فإنهما إذا تراضيا بحلٍّ وطريق غير محرَّمٍ فلا بأس بذلك.
 الحالة الثالثة:- وأما إذا فرض أن ذلك حصل بعاملٍ طبيعيٍ فهناك شقوق ثلاثة:-
 الشق الأول:- أن يفرض أنهما يتفقان فيما بينهما على شيءٍ ولو ببقاء الحيوان في القفص إذ الحيوان قد دخل فيه من دون تسبيب أحدٍ فإذا تراضيا فبها ولا مشكلة حينئذٍ.
 الشق الثاني:- أن يريد أحدهما تخليص ماله والآخر لا يرضى فصاحب الحيوان مثلاً يقول أريد أن أخلص حيواني وصاحب القفص لا يرضى بالتصرف في قفصه ففي مثل هذه الحالة ماذا نفعل ؟ إنه لا يمكن ترك الأمر هكذا بل لابد من حلِّ هذه المشكلة ولا يحتمل أن الشريعة الاسلامية تبقي المشكلة قائمةً من دون حلّ ، وهذا مطلب سيّال نقوله حتى في باب المشتركات فلو فرضنا أن أخوين ورثا داراً من أبيهما فإذا فرض أنهما تراضيا على بقاء الدار مشتركة بينهما فلا مشكلة وأما إذا فرض أن أحدهما أراد حصته والثاني لم يرضَ بذلك - هذا مع فرض أنه لا يلزم من ذلك تضرر فهل القسمة لازمة بينهما ؟ وما هو الدليل على ذلك ؟ نعم القسمة لازمة إذا طلب أحدهما ذلك والوجه هو ما شرنا إليه من أنه لا يحتمل أن يبقى النزاع قائماً بين الطرفين إلى الأبد . ولماذا يجب على هذا الأخ الذي يريد تخليص حقه أن يرضخ لذاك بل فليكن الأمر بالعكس فذاك ليرضخ لهذا ؟ وبالتالي على الحاكم الشرعي الزامهما بالقسمة وعلى ذلك جاءت فتوى الفقهاء حيث ذكروا أن المال المشترك إذا كان مشاعاً إذا طلب أحد الشركاء القسمة فلابد من القسمة والاستجابة لطالب القسمة والمستند ليس إلا ما أشرنا إليه من عدم احتمال إبقاء الخصومة كما هي ، وعلى هذا الأساس نقول ذلك في مقامنا أيضاً - يعني لابد من تخليص أحدهما عن الآخر - فإذا فرض أنهما اتفقا على التخليص بشكلٍ وذلك بقتل الحيوان مثلاً فيلزم قتله حتى يرجع القفص سالماً إلى صاحبه . نعم يمكن أن يقال حيث أن صاحب القفص هو الذي طلب تخليص الحيوان وإخراجه ولو بقتله فلابد وأن يضمن ما حصل من خسارةٍ لصاحب الطائر فإن الخسارة هي لأجله - أي لأجل تسليم القفص إلى صاحبه سالماً - وحيث أنه قد طلب ذلك فيلزم الاستجابة أو فرض أنه رضخ لذلك ولكنّه لا معنى لسقوط حقِّه بل على ذاك ضمان الخسارة التي حصلت ، وأما إذا فرض أنهما لم يتفقا بل كلٍ منهما يقول لصاحبه أنت أتلف مالك في سبيل مالي فلابد من الانتهاء إلى الحاكم الشرعي ليجري القرعة بينهما فمن خرجت القرعة باسمه فهو الذي يحكم عليه بالإتلاف مثلاً ولكن كما قلنا يلزم على الطرف الآخر الضمان لهذا حيث أن هذا الإتلاف كان لأجله وبطلب منه فيلزم الضمان له.


[1] مصباح الاصول ج2 ص563.
[2] مصباح الاصول ج2 ص 563.