34/02/11


تحمیل
 الموضوع / التنبيه الخامس / تنبيهات / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 توضيح زائد لمثال الزوجية:-
 تكلمنا سابقاً عن مثال الزوجية وذكرنا الخلاف في أنه هل يمكن التمسك بحديث نفي الضرر أو لا ، والآن نحاول أن نتكلم أكثر عن هذا المثال باعتبار أن المسألة ابتلائية وقلّما يمّر بها الطالب ، وفي هذا المجال نقول:- هناك ثلاثة مقامات:-
 الأول:- هل يمكن إثبات الخيار للزوجة في الطلاق من خلال فكرة الشرط الضمني الارتكازي ؟
 الثاني:- هل يمكن التمسك بحديث لا ضرر لإثبات الولاية لها أو للحاكم الشرعي على الطلاق في حالة عدم الانفاق ونحو ذلك من الاضرار ؟
 الثالث:- هل يمكن أن نستفيد من النصوص الشرعية شيئاً في مسألتنا ؟
 أما بالنسبة إلى المقام الأول:- فقد يقترح ويقال:- بالإمكان أن نثبت للزوجة حق الخيار في فسخ عقد النكاح من خلال الشرط الضمني بتقريب أنها حينما زوجت نفسها للرجل فهي قد اشترطت أن ينفق عليها بالحدود الشرعية وإنما لم تصرح بذلك لوضوح المطلب كما هو الحال في باب خيار العيب وخيار الغبن فإنه هناك قد تُمسِّك بفكرة الشرط الضمني فيقال إذا ظهر عيب ثبت الخيار في الفسخ بلا حاجة إلى رواية خاصة وما ذاك إلا لأجل الشرط الضمني الارتكازي الذي لا يُصرَّح به لشدة وضوحه ، وإذا سلمنا ثبوت الشرط المذكور - غايته هو شرط مضمر وليس بصريح - فيشمله عموم ( المؤمنون عند شروطهم ) وبالتالي يثبت الخيار للمشتري لو ظهر المبيع معيباً فيتمكن أن يفسخ البيع ، إنه كما يقال هذا في باب خيار العيب فلنقل به في مقامنا فالزوجة قد اشترطت في قبولها الزواج الانفاق عليها فإذا لم ينفق عليها يثبت لها حق فسخ الزوجية . وهل يمكن أن نتمسك بهذا التقريب أو لا ؟
 وفي التعليق عليه نقول:- إن مسألة الانفاق هي أثر من الآثار الشرعية المترتبة على عقد النكاح فإذا حصل عقد النكاح رتَّب عليه الشارع مجموعة من الأحكام منها وجوب الانفاق ووجوب تمكين الزوجة لزوجها وحرمة الخروج من دون إذنه وغير ذلك ، إن هذه آثار شرعية رتبها الشرع على عقد النكاح وكما أن بقية الآثار - غير وجوب النفقة - لا نقول بأنها شروط ضمنية كذلك الحال بالنسبة إلى النفقة فإن من جملة الآثار كما قلنا هو أن الزوج لا يجوز له أن يجبر زوجته على الخدمة في البيت أو على إرضاع اطفاله فلو فرض أنه أجبرها فهل يحتمل أحد أنه يجوز لها أن تفسخ العقد تمسكاً بفكرة الشرط الضمني ؟ إن هذا شرط غير محتمل في الآثار التي رتبها الشرع على عقد النكاح كذلك الحال بالنسبة إلى النفقة فإنه أثر شرعي.
 إن قلت:- صحيح أنه أثر شرعي بيد أنه يمكن أن نفرِّق بين الآثار الشرعية فهناك بعض الآثار لم تبلغ حداً من الوضوح والارتكاز بحيث يجعلها بمثابة الشرط الضمني كما هو الحال بالنسبة إلى مثال عدم جواز الإجبار على الخدمة في البيت أو عدم جواز الإجبار على الرضاع فإن المرأة لا تأخذ ذلك شرطاً ضمنياً ، أي لا تقول لزوجها ( قبلت ) بحيث يكون في قلبها ( بشرط أن لا تجبرني على الخدمة في البيت أو إرضاع الأطفال ) فهذا صحيح ونسلمه في هذه الآثار ، فبعض الآثار من هذا القبيل لم تبلغ درجةً من الوضوح بحيث يمنحها مرتبة الاشتراط الضمني ، ولكن بعض الآثار هي في الوقت الذي يمكن أن نعدّها آثاراً شرعية يمكن ان تكون شروطاً ضمنية وما المانع من ذلك ؟ وليكن الأمر في النفقة كذلك فإن مسألة النفقة هي من الأمور الواضحة فالمرأة حينما تتزوج يكون من الواضح لديها أن من اللازم إنفاق الزوج عليها فإذا كان هذا الأثر أثراً واضحاً فيصير حينئذ بمثابة الشرط الضمني ولعل هذا الوضوح جاء من كون وجوب الانفاق أثراً بنظر الشرع وأثراً بنظر العرف والعقلاء فبقطع النظر عن الشرع فالعقلاء يرون أن الزوج يلزمه أن ينفق على زوجته ولعل هذا هو المنشأ والأمر سهل والمهم أنه قد يدعى وصول وجوب الانفاق إلى حدِّ الاشتراط الضمني.
 قلت:- هذا شيء وجيه - أي لو كان واضحاً إلى حدِّ الاشتراط الضمني كان شرطاً ضمنياً - ولكن نحن نتأمل في الصغرى - أي هل وصل وجوب الانفاق إلى حدٍّ يؤخذ كشرطٍ في العقد ؟ إن وصوله إلى هذا الحدّ قد يكون محل تأمل فنحن نتأمل من حيث الصغرى ، وهذا نظير وجوب الخدمة في البيت على الزوجة - يعني عكس المقام - فإنا نعرف أنه يجب على الزوجة أن تخدم في البيت فقد يقول قائل يمكن أن أثبت وجوب الخدمة عليها بفكرة الشرط الضمني فإني عندما أتزوج المرأة فإني أتزوجها ضمن شرائط منها التمكن والخدمة في البيت فإذا إذا سلمنا بأن هذا أخذ كشرطٍ ضمنيٍّ ولذلك لو قالت أثناء العقد إني لا أخدم في البيت لعله يتراجع وهذا يدل على أنه شرط ضمني فيكون واجباً على الزوجة .
 وجوابه:- صحيح أنه لو صرح للرجل بأنها لا تعمل في البيت قد يتراجع ولكن حيث لم يُصرَّح له فمن قال أنه يأخذ قبوله للزواج بها مشروطاً بأن تعمل في البيت ؟ نعم في القرى والأرياف ربما يكون هذا وجيهاً - ونظرية الزمان والمكان مقبولة هنا أما في المدن فأخذ ذلك كشرطٍ ضمنيٍ ووصوله إلى هذا الحدِّ شيء غير واضح ، ومقامنا من هذا القبيل أيضاً فمن قال إن الزوجة قد أخذت في قبولها للزواج الانفاق شرطاً ضمنياً فهذا أول الكلام ، وهذه قضية ينبغي الالتفات إليها.
 وثانياً:- لو سلمنا أنه مأخوذ كشرطٍ ضمني لكن رغم ذلك لا يمكن تطبيق هذه الفكرة وذلك لوجود تسالم وإجماع على أن عقد النكاح لا يقبل الخيار والفسخ من بين بقية العقود لا من جهة الزوجة ولا من جهة الزوج إلا في العيوب الخمسة أو الستة لمعروفة وإلا ففي غير ذلك فهو لا يقبل الفسخ ، ولذلك قد يسأل البعض ويقول:- لو ظهر الزوج أنه أحول العين فهل لها الخيار في الفسخ ؟ الجواب:- كلا ، نعم إذا كان عبداً قد اشترته فهذا يصحّ وإلّا ففي النكاح فلا إلا في العيوب المخصوصة . إذن لا يمكن تطبيق فكرة الشرط الضمني من جهتين من جهة إمكان المناقشة في الصغرى وأنه هل وصل هذا إلى مرحلة الشرط الضمني أو لا ؟ فيه تأمل ، ومن حيث الكبرى أي لو سلمنا بأنه وصل إلى مرحلة الشرط الضمني فلا نقول بثبوت الخيار من جهة أن عقد النكاح له خصوصية كما أشرنا.
 وأما المقام الثاني:- فذكرنا أن السيد اليزدي(قده) ذهب في ملحقات العروة إلى ذلك ، ونحن قرّبنا ذلك ولو بناءً على أن حديث لا ضرر لا يشمل الأحكام العدمية حيث قلنا إن حكم الشرع بكون الزوجية لازمة في حالات عدم إنفاق الزوج ضرري على الزوجة ومادام ضررياً فيكون هذا للزوم منفي بحديث لا ضرر ولا نقول إن أصل الزوجية ضررية في هذه الحالة حتى يأتي ما أفاده السيد الخوئي(قده) وإنما نقول إن لزوم الزوجية في هذه الحالة ضرري ، وعليه فلا مشكلة في تطبيق الحديث.
 نعم قد يشكل من ناحية أخرى وذلك بأن يقال:- إذا طبقنا الحديث وأثبتنا أن هذا العقد ليس بلازم ويجوز إزالته ولكن نقول بِمَ ولمَن ؟ هل للحاكم الشرعي أو للزوجة نفسها أو لعدول المؤمنين أو أنه ينحل بنفسه بشكل قهري ؟ إنه لأجل التردد بين هذه الاحتمالات لا يمكن أن نطبق الحديث المذكور في المقام ، وهذا نظير ما قد يذكر في خيار الغبن ، ولعل الشيخ الأنصاري أشار إليه في المكاسب فإنه اقتُرِح بأنه يمكن أن نثبت خيار الغبن من خلال حديث لا ضرر فإن المغبون لو كان العقد لازماً في حقه للزم تضرره وبالحديث ننفي اللزوم ، وأجيب وقيل:- إن رفع الضرر لا ينحصر بالخيار - أي يثبت الخيار للمغبون - بل يمكن رفعه من خلال دفع مقدار التفاوت فإذا كان مغبوناً بمقدار مليون دينار مثلاً فيدفع له ذلك المقدار . إذن حديث لا ضرر لا يقول إنه يثبت الخيار فإنه ينفي الضرر والضرر لا ينحصر انتفاؤه بثبوت الخيار بل يمكن انتفاؤه من خلال دفع التفاوت هكذا أشكل هناك ، ونفس هذا الإشكال يأتي في مقامنا فيقال:- إن نفي اللزوم لا يلازم ثبوت الولاية للحاكم أو للزوجة أو لعدول المؤمنين إن هذا محتمل ويحتمل أيضاً انفساخ أصل العقد وهكذا.
 والجواب عن ذلك:- إن هذه قضية أخرى ولعله يمكن علاجها في مقامنا من دون أن يحصل إشكال وذلك بأن يقال:- إن الانفساخ القهري شيء غير محتمل فقهياً فإن عقد النكاح من العقود التي لا تنفسخ بنفسها وبشكل قهري حتى مع فرض أحد العيوب الخمسة أو الستّة وإنما يحتاج إلى إعمال ولاية على الفسخ فهذا الاحتمال ليس بموجودٍ في حدِّ نفسه وإنما المحتمل هو زواله بسبب الطلاق إما من جهة الحاكم أو الزوجة أو عدول المؤمنين ، ونتمكن أن نحصر الأمر بالحاكم الشرعي باعتبار أن هذه قضية صعبة لا يمكن أن يشخص الحال فيها كل أحد فالزوجة لا تتمكن من أن تشخص بأنه وصل الأمر بها إلى حدِّ الضرر وبالتالي هل وصل الحدُّ إلى ثبوت الولاية لها على الطلاق أو لا ؟ إنها لا تعرف ولا تشخص مثل هذه الأمور ، وهكذا عدول المؤمنين ، والذي يمكنه تشخيص ذلك هو المجتهد فمن اللازم إناطة الأمر به لأنه العارف بذلك ، مضافاً إلى لزوم مسألة الفوضى واختلال النظام فإنه في كل يوم إذا لم يرُق للزوجة الأمر تُعمِل حينئذ الولاية على الطلاق وتجريه وهذا يلزم منه الفوضى واختلال النظام فلابد من إناطة الأمر بشخص عارف بهذه الأمور ولا يلزم من خلال تصديه الفوضى وليس هو إلّا الحاكم الشرعي . إذن لا يلزم إشكال من هذه الناحية بعد إمكان تعيين الحاكم الشرعي . هذا كله فيما إذا فرض أن الزوج لم يتمكن من الانفاق لعذر كما لو كان مسجوناً أو فقيراً.
 واما إذا لم يكن ذلك لعذر بل لتمردٍ فيمكن آنذاك أن نتمسك بفقرة ( لا ضرار ) وليس بفقرة ( لا ضرر ).