33/11/14


تحمیل
 الموضوع / قاعدة لا ضرر / العلم الإجمالي / أصالة الاشتغال / الأصول العملية.
 والمهم في المقام ليس جنبة الاشتقاق وإنما هو معرفة ما هو المقصود من كلمة ( ضرار ).
 ويمكن أن نطرح هذا السؤال بشكل عام وأوسع ولا نخصصه بكلمة ( ضرار ) بل نقول:- ما هو معنى مصدر باب المفاعلة - مثل مضاربة محادثة مخادعة وما شاكل ذلك - ؟ فعندمـا نقـول ( ضاربه ) أو ( محادثه ) ما ذا يراد منه حتى نعرف على ضوئه معنى كلمة ضرار ؟
 والجواب:- توجد عدة احتمالات في هذا المجال:-
 الاحتمال الأول:- ما أشار إليه ابن الأثير في نهاية الإرب ونقله عنه صاحب الكفاية وهو أن يكون المقصود هو فعل الاثنين فحينما يقال ( حادثه ) يعني أن هذا تحدث مع ذاك وذاك تحدث مع هذا لا أن أحدهما تحدث والآخر ساكت فهي فعل الاثنين ففرق بين حدّثه وحادثه فكلمة حدّثه أو حدّثني يعني أنه تحدث فقط أما حينما يقال حادثه فمعناه أن هذا تحدّث وذاك تحدّث أيضا ، وبناء على هذا فمعنى كلمة لا ضرار في ( لا ضرر ولا ضرار ) يكون هو النهي عن فعل الاثنين أي كما لا يجوز للشخص أن يضرّ بالآخر فكذلك لا يجوز للاثنين أن يضرّ أحدهما بالآخر.
 وفيه:- إنه في المورد لم يصدر ضرر من الأنصاري وإنما الذي صدر هو الضرر من سمرة وليس من الأنصاري فكيف عُبِّر وقيل ( لا ضرار ) ؟!
 وإذا قيل:- لعل مقصود النبي صلى الله عليه وآلـه التمسك بالفقرة الأولى وليـس بفقـرة ( لا ضرار ) حتى يقال بأن الأنصاري لم يضرّ سمرة.
 قلت:- إنه صلى الله عله وآله في رواية أخرى أطلق على سمرة كلمة مضار وقال ( إنك رجل مضار ) والذي هو مصدر باب المفاعلة ، فعلى هذا الأساس يكـون الاستشهـاد بكلمـة ( لا ضرار ) وليس بفقرة ( لا ضرر ).
 هذا مضافاً إلى أن فعل الطرف الثاني والضرر الصادر منه يكفي لنفيه فقرة ( لا ضرر ) بلا حاجة إلى فقرة ( لا ضرار ) فان فقرة ( لا ضرر ) صالحة لنفي الضرر من طرفٍ واحدٍ وكذلك لنفي الضرر من الطرف الثاني فان ما يصدر من الطرف الثاني هو ضرر أيضاً فكما أن الضرر الصادر من الشخص الأول منفي بفقرة ( لا ضرر ) نقول هذا الضرر من الشخص الثاني منفي أيضاً بفقرة ( لا ضرر ) بلا حاجة إلى فقرة ( لا ضرار ) فذكرها يكون مستدركاً وزائداً.
 هذا مضافاً إلى أن هذا المعنى ركيك في حدِّ نفسه ولا يناسب من أعطي جوامع الكلم فان المعنى يصير هكذا ( لا ضرر من جانب واحد ولا ضرر من الجانب الثاني ).
 مضافاً إلى أن هذا الاحتمال مبني على أن باب المفاعلة يدلّ على الاثنينية وهذا وإن كان لعله كلاماً مشهوراً لدى النحاة والصرفيين إلا أنه قابل للمناقشة كما سوف يأتي من قبل الشيخ الأصفهاني(قده) فإنه أنكر ذلك ، وهو ما سوف نتحدث عنه بشكلٍ مستقلٍ إنشاء الله تعالى.
 الاحتمال الثاني:- أن يكون المقصود من كلمة ( ضرار ) نفس المقصود من كلمة ( ضرر ) ولا فرق بينهما وقد جيء بها بهدف التأكيد ، وقد أشار إلى هذا ابن الأثير في نهايته أيضاً وتبناه الشيخ الخراساني في الكفاية حيث قال ما نصّه ( كما أن الأظهر أن يكون الضرار بمعنى الضرر جيء به تأكيداً كما يشهد به اطلاق المُضار على سمرة وحكي عن النهاية ) ، وممن اختاره الشيخ النائيني(قده) فانه صار إليه في بداية كلامه ولكنه تراجع في نهاية كلامه وصار إلى احتمال آخر حيث قال:- ( إلا أن الظاهر بل المتعين في أغلب موارد استعماله أن يكون بمعنى الضرر ) إلى أن قال ( وعلى هذا فيمكن أن يكون في المقام للتأكيد ) [1] .
 ويرده:- إن هذا المعنى ركيك في حدّ نفسه ولا يناسب من أعطي جوامع الكلم إذ يصير المعنى هكذا ( لا ضرر لا ضرر ) وهو كما ترى شيء ضعيف.
 الاحتمال الثالث:- أن يكون بمعنى الجزاء على الضرر ، فيراد بالفقرة الأولى أن يبين أن الضرر الابتدائي لا ينبغي صدوره من المؤمن ثم في الفقرة الثانية يراد أن فيقال ( وإذا صدر الضرر من شخصٍ فلا ينبغي أو لا يجوز للطرف الثاني أن يجعل الجزاء على الضرر الأول ضرراً آخر من قبله ) [2] .
 وفيه:- إن ما يصدر من الثاني كجزاءٍ على الضرر إما أن يكون بحق أو أن لا يكون بحق ولا يخلو الأمر من أحد هذين ، فان كان بحق فلا معنى لنفيه بعد كونه بحق ، وإذا فرض أنه بلا حق فتكفي الفقرة الأولى لنفيه بلا حاجة إلى محاولة نفيه من خلال الفقرة الثانية.
 الاحتمال الرابع:- أن يكون الضرار بمعنى النسبة المتكررة ، فالشخص تارةً يسافر مرَّة واحدة وأخرى يتكرر منه السفر فإذا تكرر منه فيقال آنذاك سافر - إما بنحو التكرر أو الامتداد أي امتداد السفر وطوله - وهكذا حينما يتكرر صدور الضرر أو يكون ضرراً ممتداً فيعبَّر بالضرار.
 وفيه:- إن هذا مجرد احتمال لا مثبت له.
 الاحتمال الخامس وهو الأجدر:- أن يكون الضرار بمعنى قصد إدخال الضرر على الغير ، فتارةً يفترض أني لا أقصد إضرار الغير ولكن حصل منيّ الضرر من دون قصدٍ كما لو فرض أني تخيلت أن هذا الشيء ملكي فتصرفت فيه من دون أن أقصد الضرر بالآخرين فهذا ضرر ، أما إذا قصدت ايذاءهم فهذا يعبّر عنه بالإضرار.
 ويمكن أن نستشهد لذلك بالآيتين الكريمتين وهما قوله تعالى ( ولا تمسكوهن ضرارً لتعتدوا ) [3] والخطاب للأزواج فإنه لا ينبغي للزوج أن يمسكها لغرض إيذائها ، وقوله تعالى ( والذين اتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بيتن المؤمنين ) [4] فان كلمة ضرار هنا قد قصد بها هذا المعنى - يعني قصد الاضرار باتخاذ ذلك المسجد -.
 ويمكن أن يدل على هذا المعنى - مضافاً إلى هاتين الآيتين الكريمتين - الفهم العرفي فلا يبعد أن يفهم العرف هذا المعنى من كلمة ضرار بخلاف كلمة الضرر فانها تدل على طبيعة وماهية الضرر من دون أن يؤخذ فيها عنصر القصد.
 ويؤكد ذلك أيضاً أنه صلى الله عليه وآله قال مخاطبا لسمرة ( إنك رجل مضار ) أي تريد أن تضرّ الآخر.
 وعليه فلا يبعد أن يكون هذا الاحتمال هو الوجيه ، وقد صار إليه غير واحد من الأعلام منهم الشيخ النائيني(قده) فقد ذكرنا أنه صار إلى الاحتمال الثاني في بداية كلامه ولكنه تراجع في نهايته الى هذا الاحتمال وقال ( وبالجملة يحتمل قريباً أن يكون لا ضرار لبيان نفي تعمد الضرر والاصرار عليه ) إلى أن قال ( فحاصل الفرق بين الضرر والضرار أنه لو كان حكمٌ أو فعلٌ يلزم منه الضرر من دون تعمّد واصرار عليه فهو الضرر وأما إذا كان عن قصد إلى ورود الضرر وتعمّد عليه فهو الضرار ) [5] ، وذكر السيد الخوئي(قده) [6] أن صيغة باب المفاعلة تدل على السعي نحو المادة فحينما يقال ( يخادعون الله ورسوله ) يكون المقصود أنهم يسعون نحو إيجاد الخداع أو صورة الخداع . وما ذكره قريب من هذا المعنى الأخير فان السعي نحو الشيء عبارة أخرى عن قصد ايجاده الذي هو الخداع في المثال الذي ذكرناه والضرر في محل كلامنا.
 ويبقى من حقك أن تسأل وتقول:- بعد عرض هذه الاحتمالات وبعد معرفة أن الاحتمال الخامس هو القريب للصواب وللفهم العرفي ما هو مقصود النبي صلى الله عليه وآله من النفي ، يعني إنه حينما قال ( لا ضرر ولا ضرار ) ماذا يقصد بذلك ؟
 والجواب:- أن هذا هو البحث الثالث ، فإننا مرّة نبحث عن المعنى الافرادي - أي كمفردات - وبعد ذلك ندخل في البحث عن المعنى التركيبي وعن المقصود من الجملة ككل والذي هو البحث الأساسي والمهم وهو ما سوف يأتي إنشاء الله تعالى.


[1] رسالة لا ضرر المطبوعة في نهاية كتاب منية الطالب 3 378.
[2] وهذا المعنى قد ذكره ابن الأثير أيضا في نهاية الإرب.
[3] البقرة 231.
[4] التوبة 107.
[5] رسالة لا ضرر المطبوعة في نهاية كتاب منية الطالب 3- 379.
[6] مصباح الاصول.