35/07/12


تحمیل
الموضوع:- كبرى انقلاب النسبة / التعارض غير المستقر.
وفي مقام التعليق على ما أفاده السيد الخوئي(قده) نقول:- إنه حينما يأتي القيد المنفصل بعد شهرٍ مثلاً نسأل ونقول:- هل يزول أصل ظهور المطلق في الاطلاق أو أنّ ظهوره لا يزول وإنما الذي يزول هو الحجيّة دون أصل الظهور في الاطلاق ؟ فإن قصدت زوال أصل الظهور فالمحذور الذي أوردناه لا يرد آنذاك - وهو أنه يلزم عدم جواز التمسّك بأيّ مطلقٍ - لما أشار هو إليه من أنّ المدار في التمسّك بالاطلاق هو على عدم القرينة المنفصلة في تلك الفترة التي يراد فيها التمسّك بالمطلق . ولكن يرد إشكالٌ آخر أشرنا إليه سابقاً وهو أنّ هذا مخالفٌ بالوجدان فإنه بالوجدان بعد مجيئ القرينة المنفصلة لا يزول أصل الظهور من أساسه بل هو باقٍ، فلو فرضنا أنّ المتكلم قال ( اعتق رقبة ) ثم بعد يومين قال ( لا تعتق الرقبة الكافرة ) فإنه بلا إشكال في أن هذا مقيّد لذلك الإطلاق، ولكن راجع وجدانك ولاحظ هل أنّ الظهور في الاطلاق الذي كان موجوداً قبل ورود هذا المقيّد المنفصل يزول الآن ؟!! يعني أني لا أشعر حينئذٍ بالاطلاق - أي بعد ورود المقيد المنفصل - ؟!! إنه خلاف الوجدان، بل ذلك الكلامُ بعدُ ظاهر في الإطلاق بالوجدان . فإذن أصل الظهور في الإطلاق لا يزول بمجيء المقيّدٍ المنفصل.
فإذن يرد إشكالنا الثاني - وهو أنه مخالف للوجدان - وإن كان الإشكال الأوّل ليس بوارد.
وإذا كان مقصوده أنّه تزول حجيّته بعد الشهر وليس يزول الظهور:- فحينئذٍ يكون دليل الشيخ الأنصاري(قده) باطلاً ؛ لأن الدليل الذي تمسّك به هو أنّه يوجد ظهورٌ للعام فقط ولا يوجد ظهور ٌللمطلق فنقدّم العام من باب أنّ له ظهوراً ثابتا ًونطرح المطلق من باب أنه ليس له ظهورٌ لوجود ما يصلح للقرينية، فهذا الدليل إذن يصير باطلاً.
ومن خلال هذا كلّه اتضح أنّ هذا التقريب الأوّل على تقديم الأعم - الذي ذكره الشيخ الأعظم(قده) - ليس بتام وقابل للمناقشة لما أشار إليه صاحب الكفاية(قده) من أنّ ظهور المطلق في الإطلاق موقوفٌ على عدم القرينة المتّصلة دون عدم القرينة المنفصلة، فكلا الظهورين ثابتٌ لا أنّ الظهور في العام ثباتٌ دون الظهور في الإطلاق.
التقريب الثاني لتقديم العام على المطلق:- ما أفاده السيد الشهيد(قده) حيث ذكر أنّ العام يقدّم لأنه بالأداة بخلاف المطلق فإن ظهوره ليس بالأداة وإنما بعدم تقييد الطبيعة، فمادام ظهور العام هو بالأداة فيكون أقوى وأمّا ظهور المطلق فهو بالاطلاق فيكون أضعف فنطبّق قاعدة ( كلّما اجتمع ظهوران وكان أحدهما أقوى من الآخر قُدِّم الأقوى في مادّة المعارضة )، وعلى هذا الأساس قال(قده) إذا اجتمع استصحاب النجاسة مع قاعدة الطهارة نقدّم الاستصحاب، ولماذا ؟ قال:- لأنه توجد أداة وهي قيد ( أبداً ) حيث ورد ( لا تنقض اليقين أبداً بالشك ) وأبداً يعني في جميع الحالات، وهذا بخلاف قاعدة الطهارة التي تقول ( كلّ شيءٍ لك نظيف حتى تعلم أنه قذر ) فإنه ليس بالأداة، ومادام ذاك دالّاً بالأداة فيكون أقوى فيكون هو المقدّم، وقد أشار إلى ذلك في الحلقة الثالثة[1].
أمّا لماذا يكون الظهور بالأداة أقوى من ظهور المطلق ؟
ذلك باعتبار أنّ الظهور من خلال الأداة ناشئ من وجود بيانٍ زائدٍ حيث إن المولى ذكر العموم وبيّنه وأشار إليه وقال ( أبداً ) أو قال ( كل ) فكلمة ( كل ) أو ( أبداً ) هي ذكرٌ من قبل المولى للعموم، وهذا بخلافه في الإطلاق فإن الظهور في الإطلاق ناشئٌ من السكوت عن القيد ومن عدم بيان القيد، فذاك الظهور ناشئ من بيان التعميم بينما هذا للتعميم ناشئ من السكوت وعدم بيان القيد ولا إشكال في أن الظهور الناشئ من بيان التعميم أقوى من الظهور الناشئ من السكوت عن بيان القيد.
ثم إن هنا قضيّة جانبية:- وهي أنّه قد يقول قائل إنّه في باب الاستصحاب وإن كان توجد كلمة ( أبداً ) فالعموم ناشئ من الأداة ولكن في قاعدة الطهارة الأمر كذلك أيضاً، وهكذا في قاعدة البراءة فإن الوارد فيها:- ( كلّ شيءٍ لك نظيف حتى تعلم أنه قذر ) فكلمة ( كل ) موجودة في دليل قاعدة الطهارة، وهكذا في بعض ألسنة دليل البراءة حيث جاء:- ( كلّ شيءٍ لك حلال حتى تعرف أنه حرام ) . فإذن في كليهما توجد كلمة ( كل ) فكيف يقال إنّ دليل الاستصحاب نشأ ظهوره العمومي من الأداة بينما دليل قاعدة الطهارة نشأ ظهوره في الإطلاق من السكوت وعدم ذكر القيد ؟!! كلّا فإن الأداة مذكورةٌ وهي ( كل ) في ( كلّ شيءٍ لك نظيف ) أو ( كلّ شيء لك حلال ) !!
والجواب:- إنّ هذا تمسّكٌ بالاطلاق أيضاً، فإن قوله:- ( كلّ شيء لك نظيف ) ناظر إلى العموم الأفرادي، يعني العباءة نظيفة مادمت لا تعلم أنها قذرة والماء نظيف مادمت لا تعلم أنه قذر والحليب نظيف مادمت لا تعلم أنه قذر ..... وهكذا ولا يستفاد منها الإطلاق والتعميم الأحوالي - يعني أنَّ العباءة حتى إذا كانت معلومة النجاسة فأمرها كذلك -، إنّ تعميم الحكم للعباءة بلحاظ كلتا الحالتين - يعني حالة كون الحالة السابقة هي النجاسة وحالة عدم معلوميّة الحالة السابقة - لا نستفيده من كلمة ( كل ) بل نستفيده من إطلاق كلمة ( شيء ) فإنها لم تقيّد بما إذا لم يكن هذا الشيء حالته السابقة هي النجاسة، فمن السكوت عن ذكر هذا القيد استفدنا التعميم حالة وجود اليقين بالنجاسة سابقاً، فهذا التعميم لم نستفده من كلمة ( كلّ ) بل من إطلاق كلمة ( شيء )، وهذا من النكات الظريفة فالتفت إليها.
فإذن بالتالي تكون استفادة التعميم لحالة اليقين بالنجاسة سابقاً هي ثابتةٌ بسبب الإطلاق وليست ثابتةً بسبب وجود كلمة ( كل ).
وعلى أيّ حال ذكر السيد الشهيد(قده) أنه إذا اجتمع العام والمطلق قُدِّم العام لأنّ عمومه بالأداة فيكون أقوى من ظهور المطلق، وإنما كان ظهور العام أقوى لأن التعميم مذكور باللفظ، وهذا بخلافه في الظهور الاطلاقي فإنه لم ينشأ من ذكر شيءٍ وإنما نشأ من عدم ذكر شيء - أي من عدم ذكر التقييد - إلى جنب الطبيعة.
ويمكن أن يقال:- إنّا نسلّم أنّ الظهور في العموم أقوى من الظهور في الإطلاق وهو شيء مقبول لما أفاده(قده) من النكتة، ولكن أقول:- إن الأقوائية لها مراتب وليس كلّ أقوائيّةٍ ولو كانت ضعيفةً توجب التقديم، إنما الموجب للتقديم مرتبة خاصّة من الأقوائية بحيث تكون أقوائيّة ملموسة، ونحن حينما نسمع الحديثين - أي حديث ( لا تنقض اليقين بالشك أبداً ) مع حديث ( كل شيء لك نظيف حتى تعلم أنه قذر ) - لا نلمس بالوجدان أقوائيةً في هذا الجانب توجب تقديمه على الجانب الثاني وإنما هي أشبه بالأقوائيّة الصناعية - إن صحَّ التعبير –، فنعم هذه الأقوائية موجودة صناعةً لأنّ التعميم ذكر وبُيّن ولكن لم تبلغ درجة الأقوائيّة العرفيّة الموجبة للتقديم، والموجب للتقديم هو الأقوائيّة العرفيّة الملموسة لدى للعرف، وعلى هذا الأساس يكون ما ذكره(قده) محلّ تأملٍ.
نعم ربما تكون الأقوائية ملموسة في بعض الموارد، فمادام التعميم بالأداة ربما في بعض الموارد تكون الاقوائية ملموسة عرفاً، ولكنّي أقول:- إنّه في هذا المثال الذي ذكره - وهو مثال الاستصحاب مع قاعدة الطهارة أو مع قاعدة الحليّة وطبق فيه فكرة الأقوائية - ليست الأقوائية ملموسة فأنا بوجداني لا ألمسها بشكلٍ يوجب التقديم.
إذن النتيجة النهائية من خلال كلامنا كلّه:- هي أنّه إذا اجتمع عام ومطلق فقد ذكر بعض الأعلام أنّ العام مقدّمٌ على المطلق إمّا لأن العام قد انعقد ظهوره بالفعل دون المطلق - وهذا ما أفاده الشيخ الانصاري - أو لأنّ ظهور العام بالأداة يكون أقوى - وهذا ما افاده السيد الشهيد -، ونحن نقول:- إنّ هذا الكلام لم يثبت عندنا - يعني أن العام مقدّم - بل لابد من ملاحظة الموارد في الفقه، فنلحظ الرواية فإن فهمنا منها أنها أظهر في تعميمها قدّمنا وإلّا فلا، وليس المدار على كون هذا عموماً بالوضع وذاك إطلاقٌ بقرينة الحكمة فإن نفس هذا ليس من موجبات التقديم إذا لم تدخل أمورٌ أخرى في الحساب.


[1] دروس في علم الاصول( الحلقة الثالثة)، للسيد الشهيد، ج2، ص137.