35/06/20


تحمیل
الموضوع:- تعارض الأدلة / أسباب التعارض.
وفي مقام التعليق على ما أفاده صاحب الحدائق نقول:- تارةً يكون مقصوده هو بيان عاملٍ من عوامل التعارض كما نحن الآن بصدده، فإنه إذا كان يقصد هذا المعنى لا أكثر فما أفاده شيء جيد ونوافقه عليه، أمّا إذا كان يقصد أكثر من ذلك وأنه يلزم حمل أحد الخبرين على التقيّة فهذا لا نوافقه عليه، يعني إذا كان يريد أن يقول إذا كان عندنا خبران مختلفان فالخبر الأول نأخذ به والثاني مثلاً نحمله على التقيّة ونتركه فإذا كان يريد هذا فيرد عليه أنّ هذا الخبر الثاني هل هو واجدٌ لشرائط الحجيّة في حدّ نفسه أو لا ؟ فإنه إذا لم يكن واجداً لشرائط الحجيّة كما لو كان مضمونه كان مهجوراً فهو ساقط عن الاعتبار في حدّ نفسه، أو كان مخالفاً للمشهور وقلنا إن المخالفة للمشهور تسقط الخبر عن الاعتبار، إنه إذا فرضنا ذلك فسوف يكون ساقطاً عن الحجيّة بقطع النظر عن مسألة التقيّة، فضم التقية آنذاك يصير بمثابة ضمّ الحجر إلى الإنسان إذ هو في حدّ نفسه ليس بحجّة بقطع النظر عن مسألة التقيّة إذ قد فرضناه مهجوراً لدى الأصحاب أو أنه مخالف للمشهور . وأمّا إذا كان كلا الخبرين واجداً لشرائط الحجيّة فلماذا تحمل هذا على التقيّة دون ذاك بعد فرض أن أحدهما ليس موافقاً للقوم والآخر وإنما التقيّة هنا بمعنى أن الامام عليه السلام هو الذي ألقى الخلاف من دون أن يكون أحدهما موافقاً للقوم فربما لا يكون أحدهما موافقا للقوم، إنّه في مثل هذه الحالة لماذا تحمل هذا على التقيّة دون ذاك بعدما كانا معاً واجدين لشرائط الحجيّة والمفروض أن أحدهما ليس موافقا للقوم لأننا نتكلم عن التقيّة بالمعنى الجديد الذي ذكره(قده) ؟!!
هذا مضافاً إلى أن أئمة أهل البيت عليهم السلام حصروا الحمل على التقيّة في حالةٍ واحدةٍ وهي ما إذا اختلف الخبران وكان أحدهما موافقاً للقوم والآخر مخالفاً فأمرونا بأن نحمل الموافق للقوم على التقيّة، إن هذه الروايات تدلّ بوضوحٍ على حصر الحمل على التقيّة بهذه الحالة، أمّا إذا كانا موافقين معاً أو كانا مخالفين معاً فيدلّ على أن لا نحمل أحدهما على التقيّة.
إذن ما أفاده صاحب الحدائق(قده) يتنافى مع هذه الروايات، وهذه الروايات تدلّ بالدلالة الإلتزامية على رفض ما أفاده (قده).
العامل الثاني:- عامل التزوير.
فإن الأعداء وضعوا أحاديث ودسّوها في أحاديث رواتنا . ينقل الكشّي(قده) في ترجمة المغيرة بن سعيد عن يونس بن عبد الرحمن ما نصّه:- ( وافيت العراق فوجدت بها قطعة من اصحاب أبي جعفر عليه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين فسمعت منهم وأخذت كتبهم فعرضتها من بعد على أبي الحسن عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام وقال لي:- إن أبا الخطاب كذب على أبي عبد الله عليه السلام، لعن الله أبا الخطاب، وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أبي عبد الله عليه السلام ..)، إن عامل التزوير له تأثيره في هذا المجال.
إن قلت:- هذا صحيحٌ بيد أن أصحابنا حاولوا أن يفرزوا الأحاديث الموضوعة عن غيرها وحذفوها، ومعه يضعف هذا العامل عن التأثير بعد فرض الفرز الحاصل من الأصحاب.
قلت:- إن عمليّة الفرز التي قاموا بها هي في باب العقائد فإن الكثرة الكاثرة من الدسّ حصلت في باب العقائد، فهم حاولوا أن يفرزوا الأحاديث المدسوسة في باب العقائد عن الأحاديث الصحيحة أمّا في الأبواب الأخرى كأبواب الفقه فعمليّة الفرز لم تتمّ في تلك الأبواب ولعلّ الدسّ حصل فيها من دون أن يحصل فرز من قبل أصحابنا.
العامل الثالث:- اختلاف ظرف السائل.
والمقصود أنه قد يسأل سائل عن شيء فيجيبه الإمام عليه السلام حسب ظرفه بينما يأتي سائل أخر ويسأل عن نفس المسألة فيجيبه بجوابٍ آخر مراعاةً لظرفه الآخر، كما يُنقَل أنّه جاء شخصٌ وسأل الإمام وقال له إني واقعت زوجتي قبل طواف النساء فقال له عليك كفارة، وجاء آخر وسأل نفس السؤال فقال ليس عليك كفارة، وسُئِل عليه السلام لماذا هذا الاختلاف في الجواب فقال إن الأول حينما سألني كان يعلم بأن المواقعة لا تجوز قبل طواف النساء والثاني جاهلٌ بالمسألة فقلت له لا شيء عليك، فلاحظ ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن الحسين عن صفوان عن ابي أيوب قال:- ( حدثني سلمة بن محرز أنه كان تمتع حتى إذا كان يوم النحر طاف بالبيت وبالصفا وبالمروة ثم رجع إلى منى ولم يطف طواف النساء فوقع على أهله فذكره لأصحابه فقالوا فلان قد فعل مثل ذلك فسأل أبا عبد الله عليه السلام فأمره أن ينحر بدنة، قال سلمة:- فذهبت الى ابي عبد الله عليه السلام فسألته، فقال:- ليس عليك شيء، فرجعت الى اصحابي فأخبرتهم بما قال لي، قال:- فقالوا اتّقاك وأعطاك من عينٍ كَدِرَة، فرجعت إلى أبي عبد الله عليه السلام فقلت إني لقيت أصحابي فقالوا اتقاك وقد فعل فلان مثل ما فعلت فأمرته أن ينحر بدنة، فقال:- صدقوا ما اتقيتك ولكن فلان فعله متعمّداً وهو يعلم وأنت فعلته وأنت لا تعلم فهل كان بلغك ذلك ؟ قلت:- لا والله ما كان بلغني، فقال:- ليس عليك شيء )[1]، وعلى منوال ذلك روايات الكرّ فإنه ورد في بعضها أن الكرّ ستمئة رطلٍ وفي بعضها ورد أنه ألف ومئتا رطل فكيف توجيه هذا الاختلاف ؟ إنه لا يبعد أن يكون راوي رواية الستمئة هو من أهل مكة والرطل المكّي ضعف الرطل العراقي بينما راوي للرواية الثانية كان عراقياً مثل محمد بن مسلم فلذلك حصل هذا الاختلاف، فالإمام عليه السلام يلاحظ ظرف السائل، فهنا بما أن السائل عراقي قال له الكرّ ألف ومائتين وهناك بما أن السائل مكّي مثل أبن أبي عمير فقال له الكرّ ستمئة رطل فلاحظ هذه الروايات فإن مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام ورد أن الكرّ ألف ومئتي رطل[2]، والرواية الثانية التي دلّت على أنه ألف ومئتين هي لمحمد بن مسلم[3].
العامل الرابع:- ملاحظة المعاني المختلفة.
بمعنى أن الإمام عليه السلام قد يتكلّم بكلامٍ ملاحظاً هذا المعنى ويتكلّم بكلامٍ مناقضٍ له لكنّة قد لاحظ معنىً آخر، كما هو الحال بالنسبة إلى الدنيا فالدنيا هل هي نعم الدار أو بئست الدار ؟ فأمير المؤمنين عليه السلام يقول مرّة هي نعمت الدار وأخرى يذمّها ويقول هي بئست الدار فهي نعمت الدار لمن يتهمها - يعني يقول هي خداعة تخدع الناس بزينتها فيكون على حذرٍ منها فإذا كان على حذرٍ منها فلا يعتني لها ويكون كلّ نظره إلى الآخرة فيتزوّد بالصالحات فهي نعمت الدار -، أمّا أنها بئست الدار لمن لم يتهمها كمن ينظر إليها نظرةً موضوعيّة وتكون هي المقصود الأساسي له ولا ينظر إلى الآخرة أبداً، وهذا المعنى قد أشار إليه أهل البيت عليهم السلام أيضا حيث روى داود بن فرقد :- ( سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:- انتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، إن الكلمة لتنصرف على وجوهً فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء ولا يكذب )[4]، وهذه الرواية واضحة في أنهم يصرفون الكلام عن وجهه فيتكلّم بكلامٍ ويقصد زاويةً معيّنة كما أشرت في كلام أمير المؤمنين عليه السلام عن الدنيا.
وحينما ذكر صاحب الوسائل(قده) هذا الخبر علّق وقال:- ( أقول:- بهذا يرتفع الاختلاف عن أكثر الأحاديث لاختلاف الموضوع أو الحالات أو العموم والخصوص ).
إذن صاحب الوسائل(قده) كان ملتفتاً إلى أن هذا الحديث يمكن أن يبين لنا عاملاً من عوامل العارض.
وقريب من هذا الحديث حديث أبي حييّن مولى الرضا عن الرضا عليه السلام قال:- ( من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه فقد هدي إلى سراط مستقيم، ثم قال عليه السلام:- إن في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن ومتشابهاً كمتشابه القرآن فردّوا متشابهها إلى محكمها ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتظلوا )[5].