35/05/28


تحمیل
الموضوع:- التنبيه التاســع تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ( تعارض الاستصحابين في باب العلم الاجمالي ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
وأما إثباتاً:- يعني أن أدلة الأصول هل تشمل كلا الطرفين بالفعل ويوجد ترخيصٌ فعليٌّ من قبل الشارع فبعد الفراغ عن الامكان عقلاً هل وقع الترخيص بالفعل أو لا ؟
والجواب:- يمكن أن يقال:- لا يوجد ترخيصٌ فعليّ، والاطلاق لا يشمل الطرفين، بل حتى الطرف الواحد، وذلك لتقريبين:-
التقريب الأوّل:- ما ذكره السيد الشهيد(قده)[1] حيث ذكر أن لازم شمول الاطلاق لكلا الطرفين أن الغرض الترخيصي والاباحي سوف يكون أهمّ وأقوى من الغرض اللزومي، فإن أحد الطرفين مباحٌ والطرف الثاني حرامٌ فإذا أراد الشارع أن يرخّص في كلا الطرفين فهذا معناه أن ملاك الاباحة أقوى من ملاك الحرمة فلذلك الشارع رخص في كليهما، وحينئذٍ نضمّ مقدّمة أخرى وهي أن الأغراض العقلائية الترخيصيّة لا تكون عادةً أهم من الأغراض اللزومية - وواضح أن هذا في حالة العلم وإلا ففي حالة الشك البدوي هو ممكن - وهذه الرؤية والارتكاز العقلائي يصير قرينةً متّصلة بدليل الأصل وهو ( رفع عن أمتي ما لا يعلمون ) أو دليل الاستصحاب ( لا تنقض اليقين بالشك )، فبالتالي يختصّ هذا الدليل بالشبهات البدوية ولا يعمّ الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي لهذا المحذور الاثباتي.
التقريب الثاني هو مختارنا:- هو أنّ المقدّمة التي ذكرها السيد الشهيد(قده) لا نحتاج إليها، بل يمكن أن نصل إلى النتيجة من دونها، وذلك بأن نقول:- إن العقلاء لا يتقبّلون الترخيص في كلا الطرفين بعد علمهم الاجمالي بثبوت الحرام، فعقلاً هو ممكنٌ ولكنه شيءٌ مرفوضٌ عقلائياً - ولذلك أنتم الآن تشعرون بالامتناع -، فكيف يرخّص الشارع في كلا الطرفين ؟! إن هذا نحوٌ من التهافت، إن هذه رؤية عقلائيّة عرفيّة عقلائيّة وليست عقليّة، فلو أردنا أن نتحاسب مع العقل فحينئذٍ يمكن أن يرخّص كما أوضحنا، أما كرؤية عرفيّة عقلائيّة يُرى وجود تمانعٍ بين العلم بوجود الحرام وبين الترخيص في كلا الطرفين، وهذا يشكّل قرينةً متّصلةً بأدلّة الأصول وبذلك سوف تختصّ أدلة الأصول بالشبهات البدويّة، فــ ( كل شيءٍ لك حلال ) أو ( رفع عن أمتي ما لا يعلون ) أو ( لا تنقض اليقين بالشك ) فكل هذه الاطلاقات لأجل هذا الشعور بالتناقض بين العلم بوجود الحرام وبين الترخيص في كلا الطرفين الاطلاق يكون قاصراً عن شمول الشبهات المحصورة وتختصّ أدلة الأصول بالشبهات البدويّة - يعني لا يوجد إطلاق -، وهذه طريقة جيّدة نصل بها إلى النتيجة - بلا حاجة إلى ما ذكره الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل من أنه ماذا يصنع مع إطلاق أدلّة الأصول فهو(قده) حاول أن يمنع شمولها فأخذ يذهب يمنةً ويسرة ) -، إنه بهذا البيان لا نواجه مشكلةً أصلاً.
وألفت النظر إلى أنه هل يوجد فارق عمليّ بين التقريبين أو لا ؟
والجواب:- نعم، فالفارق العملي هو أن ما ذكره السيد الشهيد(قده) يتمّ فقط لو كان الأصل الجاري أصلاً ترخيصاً معذّراً كاستصحاب الطهارة أو أصل الطهارة، أمّا إذا فرض أن الأصل كان تنجيزيّاً - يعني أن الحالة السابقة كانت هي النجاسة ثم علمنا بطهارة واحدٍ - فإن جريان استصحاب النجاسة في كلا الطرفين لا يلزم منه تقديم الغرض الترخيصي على اللزومي بل بالعكس - أي يلزم تقديم الغرض اللزومي على الترخيصي -، فهذا البيان لا يأتي إذا كان الأصل الجاري في كلا الطرفين أصلاً تنجيزياً بخلاف التقريب الثاني الذي ذكرناه فإنه ساري المفعول حتى إذا كان الأصل الجاري في الطرفين أصلاً تنجيزيّاً، فالعرف لا يتقبّل ذلك ويرى التناقض بين أن يقال استصحب نجاستهما وقل هما نجسان وأعبّدك بنجاستهما وبين علمي بطهارة واحدٍ، إنّه تناقض، وهذا الشعور بالتناقض موجودٌ حتى إذا كانت الأصول أصولاً تنجيزيّة . هذا فارقٌ عمليٌّ بني هذين التقريبين.
إن قلت:- إن هذا شيءٌ وجيهٌ - أعني أن أدلّة الأصول لا تشمل الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي بل تختصّ بالشبهة البدوية - إمّا لما أفاده السيد الشهيد(قده) من تقريبٍ أو لما ذكرناه، ولكن ماذا تصنع مع رواية عبد الله بن سنان حيث جاء فيها:- ( قال أبو عبد الله عليه السلام:- كلّ شيءٍ يكون فيه حلالٌ وحرامٌ فهو لك حلالٌ أبداً حتى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه )[2]، إن هذا الحديث ليس له إطلاق للشبهة المحصورة بل هو وارد فيها إذ المذكور في الرواية هكذا:- ( كلّ شيءٍ فيه حلال وحرام ) وظاهر كلمة ( فيه ) وجود كلا القسمين بالفعل فالحلال موجودٌ والحرام موجودٌ وهذا لا يتصوّر إلّا في الشبه المحصورة المقرونة بالعلم الاجمالي وأما البدويّة فلا يتصوّر فيها ذلك فإنه في البدوية يوجد شيءٌ واحدٌ لا شيآن - أي يوجد إناءٌ واحدٌ أو سائلٌ واحدٌ لا أدري أنّه خمر أو خلّ - فلا يصدق عنوان ( فيه حلال وحرام ) بمعنى وجود كلا القسمين بالفعل فإنه لا يتصوّر هكذا، بل لابد وأن نفسّر كلمة ( فيه ) بمعنىً يحتمل أنه حلال ويحتمل أنه حرام وهذا خلاف ظاهر كلمة ( فيه ) فإن ظاهرها هو وجود كلا القسمين بالفعل، فالحديث إذن يختصّ بالشبهة المحصورة ووارد فيها ويدلّ على أنه في الشبهة المحصورة الأصل هو الحلية أيضاً رغم أن الشبهة محصورة وأعلمُ بوجود كلا القسمين بالفعل وأحدهما حلالٌ والآخر حرام، فهو لك حلالٌ . إذن هذه الرواية واردة في الشبهة المحصور لا أن لها إطلاق حتى تقول نقيّد إطلاقها بذلك الارتكاز الذي أبرزناه أو أبرزه السيد الشهيد (قده)،كلّا بل هي واردة في الشبهة المحصورة، فماذا تصنع ؟
قلت:- إنه يمكن دعوى نظرها إلى الشبهة البدويّة من دون أن يلزم مخالفة ظاهرها، وذلك بأن يقال:- إن ( كلّ شيء ) يعني السائل، فإن السائل فيه قسمٌ حلالٌ بالفعل وفيه قسمٌ حرامٌ بالفعل، فهو فيه حلالٌ وحرامٌ - أو كلّ لحمٍ فيه حلال وحرام - فكلا القسمين موجودٌ بالفعل، فالسائل ينقسم بالفعل إلى حلالٍ حرام بالفعل، والمقصود من انقسامه بالفعل هو أن بعض السوائل في الدنيا هي حلالٌ وبعضها حرام، ( فهو لك حلال ) يعني أن كلّ سائلٍ هو لك حلالٌ حتى تعرف أنه مصداقٌ من الحرام . فعلى هذا الأساس هو صالحٌ لأن يشمل الشبهة البدوية أيضاً لا أن الرواية مختصّة بالعلم الاجمالي وبالشبهة المحصورة . إذن هي تشمل الشبهة البدويّة من دون أيّ مخالفةٍ للظاهر كما تشمل مورد العلم الاجمالي . إذن يوجد لها إطلاق فنقيّد هذا الإطلاق بذلك الارتكاز.
ونتيجة هذا:- أنه إذا كانت الأصول الجارية في كلا الطرفين أصولاً ترخيصيّة فيمكن للشارع ثبوتا وعقلاً أن يرخّص في كلا الطرفين، ولكن لا يوجد دليلٌ يثبت الوقوع فإنه لا يوجد ما يدلّ على الوقوع سوى إطلاق أدلة الأصول، واطلاق أدلة الأصول قاصرٌ عن شمول مورد الشبهة المحصورة لأجل الارتكاز الذي ذكر بأحد التقريبين.
هذا كلّه إذا كانت الأصول ترخيصيّة.


[1] دروس في علم الاصول ( لحلقة الثالثة )، السيد الشهيد، ج1، ص58.