35/05/09


تحمیل
الموضوع:- تتمة التنبيه الثامن ( وجه تقديم الأمارات على الأصول )، التنبيه التاســع ( تعــارض الاستصحــاب مــع غيــره ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
أمّا إذا كان أحد الاستصحابين سببيّاً والآخر مسببيّاً:- فالمعروف بين الأصحاب تقدّم الاستصحاب السببي على المسببّي من دون فرقٍ بين أن يكون السببي أصلاً محرزاً أو لا، ومن دون فرقٍ بين أن يكون الاستصحابان متوافقين من حيث النتيجة أو مختلفين فإنه على جميع التقادير يتقدّم الأصل السببي على المسببّي.
ومثال ذلك:- إذا كان لدينا ماءٌ كانت حالته السابقة هي الطهارة ثم شككنا في طروّ النجاسة عليه وغسلنا به ثوباً نشكّ أن حالته السابقة كانت هي النجاسة فسوف نشكّ بعد ذلك في زوال النجاسة عن الثوب لاحتمال أن الماء الذي كان طاهراً سابقاً أنّه تنجّس بعد ذلك، إنّه في مثل هذه الحالة يكون الاستصحاب الجاري في الماء هو استصحاب الطهارة، وهو أصلٌ محرزٌ، بينما الاستصحاب الجاري في الثوب هو استصحاب النجاسة، وهما أصلان محرزان ومختلفان من حيث النتيجة لأن استصحاب طهارة الماء يقتضي طهارة الماء ومن ثم طهارة الثوب بينما استصحاب نجاسة الثوب يقتضي بقاء نجاسة الثوب.
ومثالٌ آخر لذلك:- ما إذا فرض أن الماء لم تكن حالته السابقة هي الطهارة وإنما نشك الآن في أنه طاهر أو نجس من دون أن نعرف حالته السابقة وغسلنا به ثوباً كانت حالته السابقة هي النجاسة، فهنا الأصل الجاري في الماء هو أصل الطهارة وليس استصحاب الطهارة، وهو ليس أصلاً محرزاً، بينما الأصل الجاري في الثوب هو أصلٌ محرز لأنه استصحابٌ، وهما من حيث النتيجة مختلفان.
والمشهور قال بأن الأصل السببي رغم أنه غير محرز يتقدّم على المسبّبي رغم أنه محرز . وأمثلة بقيّة الحالات تتّضح من خلال هذين المثالين.
إذن المشهور ادعى تقدّم الأصل السببي على المسببّي سواء كانا محرزين أو أنّ أحدهما محرزٌ والأخر غير محرز، وسواء كانا متوافقين في النتيجة أو مختلفين.
ولكن قبل أن نذكر الدليل على ذلك نشير إلى قضيّة مهمّة:- وهي أن شرط حكومة الأصل السببي على المسببّي أمران، يعني ليس كلّ سببي مقدّم على المسببّي إلّا في ضمن هذين الشرطين:-
الأمر الأوّل:- أن يكون الترتب بينهما ترتباً شرعياً والسببّية سببيّة شرعيّة وإلا كان المورد من الأصل المثبت، فمثال الملازمة الشرعية والسببيّة الشرعيّة ما أشرنا إليه في الأمثلة السابقة فإن طهارة الماء سببٌ شرعاً وموضوعٌ شرعاً لطهارة الثوب المغسول به فنحن نستفيد من الأدلّة الشرعيّة ذلك.
ولعل سائل يسأل ويقول:- هل هناك رواية تدلّ على أن طهارة الماء سببٌ لطهارة الثوب أو أن طهارة الثوب النجس مسبَّبه عن غسله بالماء الطاهر ؟
قلت:- إنه يصعب تحصيل هكذا ألفاظ، وإنما الروايات الدالّة على أنه ( أصاب ثوبي دمٌ فقال عليه السلام:- اغسله )، أو ( أصاب ثوبي دم، قال:- اغسله ) أو ( أصاب ثوبي منيّ، قال:- اغسله ) فإن هذا يفهم منه أن غسل المتنجّس بالماء الطاهر سببٌ لطهارة الثوب، فهنا توجد الملازمة شرعيّة والترتب والسببيّة شرعيّة، فحينئذٍ يتقدّم السببي على المسببّي.
وأما مثال ما لا تكون الملازمة فيه شرعيّة فكما قرأنا في استصحاب الكلّي من القسم الثاني أنه لو فرض أن الشخص قد خرج منه بللٌ ولا يدري أنه حدثٌ أكبر أو أصغر فهو إما بول أو منيّ وافترضنا أنه قد توضأ فسوف يشك في بقاء الحدث، وفي مثل هذه الحالة لا نستصحب الحدث الأكبر ولا الحدث الأصغر فالحدث الأكبر لا نستطيع استصحابه لعدم الجزم بحدوثه ولا الأصغر لأنه مرتفعٌ جزماً إن كان مضافاً إلى أنّه لا يقين بحدوثه، ولكن قلنا نستصحب بقاء كلّي الحدث ونرتّب آثار كلّي الحدث وليس آثار الجنابة بالخصوص كحرمة دخول المسجد، بل نرتّب آثار كلّي الحدث مثل حرمة مسّ كتابة المصحف فنستصحب كلّي الحدث ويثبت حرمة مسّ المصحف، هنا هكذا قلنا وقال المشهور أيضاً.
ولكن قد يقول قائل:- إن شكّنا في بقاء الكلّي مسبّبٌ عن الشكّ في كون الحادث هو الفرد الطويل، فلاحتمال أن الحادث هو الفرد الطويل نحتمل بقاء الكلّي، فبقاء الكلّي أثرٌ من آثار حدوث الفرد الطويل فنستصحب ونشكٌّ في حدوث الفرد الطويل ونستصحب عدم حدوث الفرد الطويل، فهو أصلٌ سببي فيكون حاكماً على استصحاب بقاء الكلّي، فاستصحاب بقاء الكلّي لا يجري في القسم الثاني لأجل وجود أصلٍ حاكمٍ عليه - وهو استصحاب عدم حدوث الفرد الطويل -.
وفي مقام الجواب أجيب بعدّة أجوبة وأحدها:- أنه سلمنا أنه مسبّب ولكن هذا التسبب ليس تسبّباً شرعيّاً وإنما العقل يحكم بأن الكلّي لو كان يبقى فهو يبقى بسبب كون الحادث هو الفرد الطويل وليس بسبب كون الحادث هو الفرد القصير، فهذه السببيّة سببيّة غير شرعيّة وبالتالي سوف يكون الأثر - يعني انتفاء الكلّي عند استصحاب عدم الفرد الطويل - ليس أثراً شرعيّاً بل هو أثرٌ عقليٌّ فإن العقل يقول ذلك وإلّا فلا يوجد مضمونٌ شرعيٌّ يبيّنه . فإذن يلزم أن يكون الترتّب ترتّباً شرعيّاً . وهذا من الواضحات إذ لو لم يكن الأثر شرعيّاً كان المورد من الأصل المثبت.
الأمر الثاني:- أن يكون الأصل السببي رافعاً لما يقتضيه الأصل المسببّي، وأما إذا لم يكن رافعاً فعدم جريانه واضحٌ . ولعلّ هذا من المطالب الواضحة ولكنّي أذكره لأجل المثال فالهدف في المثال وليس في الشرط.
ومثال ذلك باب الصلاة، فإنه يشترط في صحّة الصلاة أن لا تكون في أجزاء ما لا يؤكل لحمه بل في ما يؤكل من جلد الخروف مثلاً لا من جلد النمر أو الأسد، وعلى هذا الأساس نقول:- لو وجدنا جلداً كالحزام مثلاً نشكّ هل هو من أجزاء ما لا يؤكل لحمه أو لا - نعم هو مذكى جزماً لأنه من دولة إسلامية مثلاً فهنا توجد أمارة على التذكية - ؟ فبالتالي نشكّ في أن الصلاة فيه تصحّ أو لا تصح ؟ فقد يقولنَّ قائل:- نجري أصالة الحلّ فنقول نحن نشك في أن الحيوان الذي أخذ منه هذا الجلد يحلّ أكله أو لا يحلّ أكله ؟ فنجري أصالة الحلّ في الحيوان الذي أخذ منه هذا الجلد، فبأصالة الحلّ نثبت أنه يحلّ أكلّه، وإذا ثبت حلّية أكله فالصلاة فيه صحيحة، ولا يجري استصحاب بقاء شغل الذمة - فأنه قبل الصلاة كانت الذّمة مشغولة وبعد أن أدّيناها بهذا الحزام نشكّ هل زال شغل الذمّة أو لا - ببركة وجود الحاكم وهو أصالة الحلّ، والمفروض هنا أن السببيّة سببيّة شرعيّة ؛ لأن صحّة الصلاة أثرٌ شرعي لكونه مما يؤكل لحمه التي استفدناها من الأدلة التي قالت في مثل موثقة عبد الله بن بكير ( صلّ فيما يؤكل لحمه ) - إنه قد ورد بهذا المضمون إمّا بالمنطوق أو بالمفهوم - . إذن هنا يوجد أصلٌ سببيٌّ ومسببّيٌ والملازمة شرعيّة حسب الفرض فلا توجد مشكلة.
ولكن قد يقال:- إن المقصود من ( صلّ فيما يؤكل لحمه ) الإشارة إلى أنواع حلال الأكل التي هي مثل الغنم والبقر والجاموس وما كان من هذا القبيل، يعني صلّ في أمثال هذه ولا تصلِّ في أمثال النمر والأسد وغيرهما، فأُخِذَ عنوان ما يؤكل وما لا يؤكل مشيراً إلى هذه الأنواع لا أن عنوان حلال الأكل وحرام الأكل هو الموضوع . فإذا قلنا بأن هذا الاحتمال مقبولٌ وأنّه عرفيٌّ فأقصى ما تثبته لنا أصالة الحِلّ حينئذٍ هو أنه يحلّ أكل لحمه، ولكن هذا ليس هو الموضوع لصحّة الصلاة وإنما الموضوع هو كونه من الغنم أو البقر .. وأصالة الحلّ لا يثبت أنه غنم أو بقر أو من هذا القبيل، فعلى هذا الأساس أصل الحلّ لا يثبت أنه من هذه الأمور حتى تصحّ الصلاة، وصحة الصلاة مترتّبة على كون الأجزاء أجزاء من حيوان غنمٍ أو بقرٍ - أي من هكذا عناوين - وليس من أجزاء ما لا يؤكل لحمه، كلّا فإن هذا قد أخذ بحو المشيريّة لا بنحو الموضوعيّة . نعم لو أُخِذَ بنحو الموضوعيّة فأصل الحلّ لا مشكلة فيه، أمّا بعد أُخِذَ بنحو المشيريّة فأصل الحلّ لا ينفع في القمام.
إذن اتضح أنه يشترط في تقدّم الأصل السببي مضافاً إلى كون الملازمة شرعيّة أن يكون الأصل السببّي رافعاً لموضوع الأصل المسببّي.
وهل المناسب أن نجعل هذا شرطاً ثانياً أو نقول يمكن أن نرجعه إلى الشرط الأوّل ؟ الأمر سهلٌ، وإنما أردت أن ألفت النظر إلى واقع هذا المطلب.