35/05/04


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الثامن ( وجه تقديم الأمارات على الأصول ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
تقدّم الأمارة على أصل الطهارة:-
إن من باب الكلام يجرّ الكلام لا بأس بأن نعرف لماذا تتقدّم الأمارة على أصل الطهارة بعد أن عرفنا الوجه في تقدّمها على الاستصحاب والبراءة والتخيير والاحتياط، والآن لا بأس وأن نتوجّه إلى أنه لماذا تتقدّم الأمارة على أصل الطهارة وما هي النكتة الفنيّة ؟
والجواب:- إن نفس النكتة السابقة يمكن تسريتها إلى ذلك فيقال:- إنّنا نجزم بأن الشرع قد جعل الأمارة كخبر الثقة الدال على نجاسة هذا وذاك ... وذاك، وهناك الكثير من الاخبار التي تدلّ على النجاسة بل لعله بعض ظواهر الآيات يدلّ على نجاسة بعض الأشياء ايضاً كقوله تعالى:- ﴿ إنما المشركون نجس ﴾ ، إن هذا معناه أن الشرع قد جعل الأمارة حجّة في مورد جريان أصل الطهارة فإن أصل الطهارة في هذه الموارد التي توجد فيها أمارة على النجاسة جارٍ ويثبت الطهارة في حدّ نفسه . إذن الشارع حينما شرّع حجيّة الأمارة قد شرّعها في مورد جريان أصل الطهارة وهذه قضيّة نجزم بها، ولازم هذا الجزم هو الجزم بأنه حينما شرّع أصل الطهارة فقد شرّعه في غير مورد وجود الأمارة الدالة على النجاسة . إذن النكتة الموجبة للتقديم واحدة في كلّ هذه الأصول المذكورة.
الأمارة الموافقة:- إن ما ذكرناه في وجه تقدّم الأمارة على الأصول يتمّ فيما إذا كانت الأمارة مخالفة لمضمون الأصل كما كنّا نفترض أن الأمارة تدلّ على الوجوب أو التحريم والاستصحاب أو البراءة يقتضيان عدم الوجوب والبراءة منه، وهكذا كنّا نفترض أن الأمارة دالة على النجاسة بينما أصل الطهارة يدلّ على الطهارة، ففي هذا المورد تتم النكتة التي أشرنا إليها . أما إذا فرض أن الأمارة كانت موافقة من حيث المضمون لمؤدّى الأصل، يعني أن الأمارة كانت تدلّ على عدم الوجوب أو على الطهارة وذلك موافق لأصل البراءة أو أصل الطهارة أو غيرهما فهنا أيضاً، قالوا بأن الأمارة مقدّمة على الأصل - هذا هو المعروف - والأصل مرتبته الذي هو عبارة عن دليل فقاهتي متأخرة عن الأمارة من دون فرقٍ بين الموافقة والمخالفة، إن هذا شيء أصبح من المسلّمات، وتلك النكتة لا تجري فما هي النكتة في تقدّم الأمارة على الأصل هنا ؟
وواضحٌ أصحاب مسلك الحكومة الذين قالوا بالحكومة في الأمارة المخالفة يسحبون نفس الفكرة إلى مورد الأمارة الموافقة فيقولون بأن موضوع الاستصحاب هو الشك في البقاء - يعني عدم العلم بالبقاء - وهكذا موضوع أصل الطهارة هو الشك في الطهارة وعدم العلم بالطهارة والنجاسة - فهذا هو الموضوع – وإذا جاءت الأمارة على الطهارة فبناءً على أن الحجيّة عبارة عن جعل العلميّة فسوف يصير المكلّف عالماً بنفي الوجوب لكنّه يصير عالماً تعبّداً لا وجداناً، فيرتفع موضوع أصل البراءة وهكذا يرتفع موضوع الاستصحاب وهكذا يرتفع موضوع أصل الطهارة . إذن تلك الحكومة التي قلنا بها في الأمارة المخالفة تأتي بنفسها في الأمارة الموافقة، ولذلك مثل الشيخ النائيني والسيد الخوئي هم في راحة من هذه الناحية لأنهم يبنون على فكرة الحكومة.
ولكن ما أشكلنا به سابقاً على فكرة الحكومة في الأمارة المخالفة يأتي بنفسه هنا:- حيث قلنا إن الدليل المهمّ على حجيّة الأمارة هو السيرة العقلائية، وما جاء من نصوص هو ارشاد وتأكيد وامضاء لما عليه السيرة العقلائية، ومعلومٌ أن العقلاء لم يتعارف بينهم القطع الموضوعي فالقطع عندهم عادةً هو القطع الطريقي - يعني يؤخذ بما هو طريق للواقع يعني - أن وظيفته هي التنجيز والتعذير لا أن الحكم ثابت للقطع بما هو قطع بحيث يتولّد الحكم عند ثبوت القطع وليس المدار على الواقع !! إن هذا ليس متداولاً عندنا في الحياة العقلائية وإن كان فهو شيء نادر، وعلى هذا الأساس فالسيرة العقلائية لم يثبت أنها تجعل خبر الثقة مثلاً علماً بلحاظ آثار القطع الموضوعيّ إذ لا قطع موضوعيّ ولا آثار للقطع الموضوعيّ في الحياة العقلائية، فعلى هذا الأساس الحكومة هناك ليست بتامّة وهكذا هنا ليست بتامّة.
بل قد تصعّد اللهجة في باب أصل الطهارة بالخصوص فيقال:- إنه لو سلّمنا بالحكومة في الأمارة المخالفة في باب أصل الطهارة فلا نسلّم بها فيما إذا كانت الأمارة موافقة لأصل الطهارة - يعني دالة على الطهارة -.