35/04/15


تحمیل
الموضوع:- التنبيه السابع ( استصحاب الكلّي واستصحاب الفرد المردّد وغير المردّد ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
وقد أجاب السيد الخوئي(قده)[1]:- بأنه لا محذور في الالتزام بتنجّس اليد لوجود خصوصيّة للمقام فإنه في سائر المقامات إذا لاقت اليد أحد أطراف العلم الاجمالي لا نحكم بتنجّسها وذلك لوجود نكتةٍ وهي أن أصالة الطهارة في اليد الملاقية لأحد أطراف العلم الاجمالي نشكّ أن هذه اليد هل تنجّست أو لم تتنجّس لأنها أصابت طرفاً واحداً وليس من المعلوم أن هذا الطرف الواحد هو نجسٌ فنجري أصالة الطهارة - أو استصحاب الطهارة -، وهذا بخلافه في مقامنا فإنه يوجد أصلٌ يحكم بأن الملاقى - أي العباءة - هو متنجّس لوجود أصلٍ يثبت ذلك وهو استصحاب النجاسة فنحن نستصحب بقاء النجاسة في العباءة فنحن نشكّ هل ارتفعت النجاسة أو لا بغسل أحد الطرفين فنستصحب بقاء النجاسة في العباءة، وحيث إن يدنا - أو الماء - أصابت ما هو نجسٌ بالاستصحاب لأن العباءة متنجّسة بالاستصحاب فنحكم حينئذٍ بنجاسة الملاقي - أعني اليد أو الماء - . هذا هو الفرق بين مقامنا وبين سائر الموارد ففي سائر الموارد لا يوجد استصحاب النجاسة في الطرف الواحد إذا لاقته اليد فذاك الملاقي للطرف الواحد لا يوجد استصحاب النجاسة فيه فيجري استصحاب الطهارة في اليد بلا مارضٍ وبلا توقّف فنحكم بالطهارة، أمّا في هذا المورد فحيث إن استصحاب النجاسة في العباءة يجري فيثبت تنجّسها وبالتالي يثبت تنجّس اليد - أو الماء - . إذن لا إشكال ولا شبهة، ونصّ عبارته:- ( فبعد ملاقاة الماء مثلاً لجميع أطراف العباءة نقول إن الماء قد لاقى شيئاً كان نجساً فيحكم ببقائه على النجاسة للاستصحاب فيحكم بنجاسة الماء . فتسمية هذه المسألة بالشبهة العبائية ليس على ما ينبغي ). هذا توضيح ما افاده(قده).
وهو غريبٌ فإنّا نسالة ونقول:- متى نحكم بنجاسة اليد - أو الماء - ؟ هل حينما أصابت الطرف الأسفل الذي لم يُغسَل أو بعد أن أصابت الطرف الثاني الذي غُسِل ؟ وواضح أنه لا يمكنه أن يقول إنّا نحكم بنجاستها حينما أصابت الطرف الأسفل الذي لم يُغسَل لأنه في الحقيقة هذا أحد الأطراف والملاقاة لأحد أطراف العلم الاجمالي لا يوجب التنجّس كما هو مبناه(قده)، مضافاً إلى أنه نحن متى نتيقّن بأن يَدَنا لاقت العباءة النجسة - أو نجاسة العباءة - ؟ إنا نتيقن من ذلك إذا أصابت اليد جميعها وليس إذا أصابت بعضها فلو أصابت بعضها لا نستطيع أن نقول هي قد أصابت النجاسة أو الثابت نجاسته بالاستصحاب، كلّا لا يمكن ذلك . فإذن بمجرد إصابة اليد للقسم الأسفل من العباءة لا يمكن أن يحكم بنجاستها.
ثم نقول له:- وإذا أصابت يدنا القسم الأعلى بعد أن أصابت القسم الأسفل فهل الآن نحكم بتنجّس اليد ؟ هذا لا يمكن ايضاً فإن النصف الأعلى هو طاهرٌ جزماً وهل الملاقاة مع الطاهر الجزمي ترث النجاسة !! إنه شيءٌ غريبٌ حقّاً !! وينبغي أن تكون هذه الغرابة في النتيجة منبّهاً وجدانيّاً على بطلان الصناعة التي نسير عليها، يعني أن هذا ينبّهنا على أن استصحاب النجاسة لا يجري في العباءة، أما كيف لا يجري ؟ سيأتي انشاء الله تعالى، أو أنّه يجري ولكن توجد نكتة ثانية، والمهمّ أن هذه الصناعة التي أدّت الى هذه النتيجة يوجد فيها خللٌ ما، والصناعة التي ذكرها هي أنه قال نحن نستصحب النجاسة في العباءة فإذا أصابت يدنا تلك العباءة فهي قد أصابت النجاسة المستصحبة فيحكم بنجاسة اليد - أو الماء - فهذه الصناعة بهذا الشكل وفي هذه المساحة فيها خللٌ، أما ما هو الخلل ؟ هذا ما سوف نلاحظه فيما بعد إنشاء الله تعالى . إذن ما أفاده(قده) قابلٌ لتأمّل وهو غريبٌ لما أشرنا إليه.
والأجدر في مقام الجواب أن يقال:- إننا إذا أردنا أن نجري استصحاب النجاسة في العباءة فإما أن نجريه في الطرف الأسفل الذي لم يُغسَل، أو في الطرف الأعلى الذي غُسِل، أو في الطرف الواقعي في علم الله عز وجل، أو في المردّد بينما دون المعيّن، أو نقول إنه كانت هناك نجاسة في العباءة والآن هي موجودة.
وفرق هذا الأخير عن الأول والثاني والثالث وهو أن الأوّل يشير إلى الطرف الأسفل بخصوصه فيقول هذا الطرف كان متّصفاً بأنه متنجّس وهذا استصحاب مفاد كان الناقصة – أي كان هذا الطرف متنجّساً والآن هو باقٍ على النجاسة -، هذا في الاحتمال الأوّل والثاني والثالث، أما في هذا الاحتمال فالمقصود هو مفاد كان التامّة – أي كان في العباءة نجاسة - بمعنى يوجد في العباءة نجاسة والآن نشكّ هل هي موجودةٌ أو لا ؟
هذه خمسة احتمالات.
والكلُّ باطلٌ:-
أما الأوّل فالمفروض أنه ليس لنا يقينٌ سابق بنجاسته حتى نستصحب . وأما الطرف الثاني فالمفروض أنه نجزم بطهارته فلا استصحاب فيه . وأما الفرد المردّد فهو في نفسه لا وجود له وغير معقول وإنما المعقول هو هذا الفرد بخصوصه وقد قلنا إنه لا يجري فيه أو ذاك بخصوصه وقد قلنا إنه لا يجري فيه فلا يوجد عندنا فرد مردّد حتى يمكن جريان الاستصحاب فيه . وأما الفرد الثابت في علم الله عزَّ وجل فهو ليس شيئاً ثالثاً مغايراً لهذين بل هو عينهما وقد فرضنا أن الاستصحاب لا يجري في هذين . ولو تنزّلنا وفرضناه ثالثاً فالمفروض أن يدنا قد أصابت هذين ولم تُصِب ذلك الثالث الذي جرى فيه الاستصحاب، فبالتالي يدي لم تُصِب ما هو مستصحب النجاسة.
وأما الاحتمال الخامس - أي استصاب وجود النجاسة في الثوب بنحو مفاد كان التامّة - فغاية ما يثبت به هو أن النجاسة ثابتة في الثوب أما أن يدي أصابت تلك النجاسة المستصحبة فلا يثبت بالأصل المذكور وإنما هو ثابت بالأصل المثبت - أي بالملازمة غير الشرعية - وهذا مطلب واضح، نظير ما إذا استصحبنا وجود الكرّ في الحفرة فإنه لا يثبت بذلك أن هذا الماء الموجود في الحفرة الآن هو كرٌّ فأنت استصحب كرّية هذا الماء إذا كانت له حالة كريّة سابقة وقل إن هذا الماء كان كرّاً سابقاً والآن إذا شككنا في ذلك فهو باقٍ على الكريّة ولا تقل كان في الحفرة ماءٌ كرٌّ والآن يوجد فيها ماءٌ كرٌّ فإن هذا باطلٌ لأن هذا لا يثبت لك أن هذا الماء الذي هو محلّ لابتلاء أنه كرٌّ إلّا بالملازمة غير الشرعية.
إذن اتضح من خلال ما تقدّم أنه توجد خمسة احتمالات في كيفيّة جريان الاستصحاب والجميع لا ينفعنا.


[1] مصباح الاصول، الخوئي، ج3، ص113، ط قديمة.