35/04/10


تحمیل
الموضوع:- التنبيه السابع ( استصحاب الكلّي واستصحاب الفرد المردّد وغير المردّد ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
النقطة الخامسة:- ذكرنا فيما سبق أن الاستصحاب لا يجري في الفرد المردّد ويترتب على ذلك عدم جريانه في الشبهة المفهوميّة فكلّ شبهةٍ مفهوميّة لا يجري فيها الاستصحاب لأنها من قبيل الاستصحاب في الفرد المردّد فو فرض أنا شككنا أن الغروب يتحقق بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة المشرقيّة إضافةً إلى سقوط القرص - فإن الحرمة المشرقيّة تزول بعد عشر دقائق من سقوط القرص تقريباً - فهل يتحقّق الغروب بسقوط القرص أو بذهاب الحمرة - يعني بعد عشر دقائق من سقوط القرص - إن هذه شبهة مفهوميّة بالنسبة الى الغروب فالغروب مردّد بين كونه عبارة عن سوقط القرص أو ذهاب الحمرة المشرقيّة والاستصحاب لا يمكن جريانه - يعني بالنسبة إلى الغروب - فلا يمكن أن نقول إنه إذا شككنا في أن الغروب يتحقّق بهذا أو بذاك فبالاستصحاب يمكن أن نعيّن الحال فإذا سقط القرص والحمرة المشرقيّة بعد لم تذهب فنستصحب عدم الغروب فالغروب لم يكن متحققاً سابقاً والآن كذلك، هكذا قد يتصّور . إن هذا لا يجري وذلك لأن الغروب الذي تستصحب عدمه ماذا تقصد منه ؟ فهل تقصد منه سقوط القرص أو ذهاب الحمرة أو مفهوم الغروب بقطع النظر عن أخذه مرآتية لسقوط القرص أو لذهاب الحمرة - أي بما هو غروب - ؟ والكلّ باطلٌ، أما الأوّل فلأن القرص قد سقط جزماً فلا معنى لاستصحاب عدم الغروب بعدما فسّرنا الغروب بسقوط القرص فإننا نجزم بتحقق الغروب بهذا المعنى، وأما الثاني فللجزم بعدم تحقّق الغروب لأننا نجزم بأن الحمرة المشرقيّة لم تذهب، وأما الثالث فباعتبار أنه لا أثر له حسب الفرض فإن الشرع إذا ذكر عنوان الغروب فهو يقصد كونه بنحو المرآتية إلى سقوط القرص أو ذهاب الحمرة لا بنحو الموضوعيّة . فإذن لا يمكن جريان الاستصحاب في المورد المذكور وفي كلّ موردٍ تكون الشبهة فيه مفهوميّة . وإذا قصد استصحاب الفرد المردّد بما هو مردّد - أي بقطع النظر عن كون الغروب مرآةً لسقوط القرص بالخصوص ولا مرآة إلى ذهاب الحمرة وإنما نأخذه بما هو مرآة للفرد المردّد فنقول هو تحقق جزماً يعني سابقاً لم يكن الغروب موجوداً والآن نشك فنستصحبه - فجوابه واضح أيضاً حيث يقال:- إن الفرد المردّد لا واقع له وغير معقولٍ في حدّ نفسه حتى يمكن أن يكون الغروب ملحوظاً بنحو المرآتية إليه .
ومن خلال هذا يتّضح أن الاستصحاب يجري في الشبهات الموضوعيّة كما لو كنّا نعرف أن الغروب عبارة عن سقوط القرص فلا يوجد اشتباهٌ في المفهوم ولكن نشك هل سقط القرص أم لم يسقط، إن هذه شبهة موضوعيّة يجري فيها الاستصحاب ولا محذور في ذلك، ويجري أيضاً في الشبهة الحكميّة إذا لم تكن مفهوميّة فإن الشبهة الحكميّة قد تكون مفهوميّة وقد لا تكون مفهوميّة فمثلاً الشك في حرمة التدخين هو شكٌّ في شبهٍ حكميّة ولكن ليس في شبهةٍ مفهوميّة لا لتردّد في مفهوم التدخين، بخلاف الشك في تحقّق الغروب المردّد بين سقوط القرص وذهاب الحمرة فإن الشبهة هنا حكميّة ولكنها ناشئة من شبهة مفهوميّة ومسببها اشتباه المفهوم ومادام السبب هو الاشتباه في المفهوم فلا يجري الاستصحاب، أما إذا لم يكن المنشأ هو الاشتباه المفهومي فيجري الاستصحاب من دون مانع.
ثم إنه إذا لم يجرِ الاستصحاب في الشبهة المفهوميّة يتضح شيء آخر:- وهو أن الاستصحاب لا يمكن جريانه أيضاً في الحكم الثابت لهذا المفهوم المشتبه، فلو فرض أنه قيل ( أكرم العالم ) وفرضنا أن شخصاً أصابه نسيانٌ لمرضٍ وشككنا أنه هل يصدق عليه الآن عالم أو لا ؟ إنه بناءً على وضع المشتق للأعم فيصدق وإلا فلا يصدق، هنا استصحاب المفهوم لا يمكن جريانه يعني لا يمكن أن يقال ( إن هذا كان عالماً جزماً والآن هو كذلك ) لما أشرنا إليه من أنه هل تستصحب العالم بمعنى من هو متلبّس بالفعل فهذا منتفٍ جزماً، أو بما هو مرآة للأعم فهذا باقٍ جزماً، أو المفهوم بما هو مفهوم فليس موضوعاً للأثر، إن الاستصحاب في الموضوع لا يجري، وكذلك لا يجري في الحكم يعني لا يمكن أن نقول ( هذا يجب إكرامه سابقاً والآن يجب إكرامه ) إن هذا لا معنى له وهو باطلٌ باعتبار أن الحكم ثابتٌ لعنوان العالم وحيث لم يحرز بقاء الموضوع فلا يمكن جريان الاستصحاب في الحكم.
إذن النتيجة:- هي أن الاستصحاب في الشبهات المفهوميّة لا يجري موضوعاً ولا حكماً.
أما أنه لا يجري موضوعاً فللتردّد بين اليقين بالبقاء ولبيقين بالارتفاع ولا يوجد شكّ، وأما أنه لا يجري حكماً فلأن جريان الاستصحاب في الحكم فرع بقاء الموضوع والمفروض أنه لا مثبت لبقاء الموضوع . أجل يتمّ استصحاب الحكم فيما إذا فرض أن الذات كانت هي الموضوع للحكم دون العنوان كما إذا قيل ( أكرم هذا ) فهنا لا بأس بأجراء الاستصحاب فلو شككنا في يومٍ من الأيام بأن المولى يريد إكرامه أو لا فيمكن إجراء الاستصحاب فيه فنقول هذا كان يجب إكرامه سابقاً والآن كذلك، أما إذا كان مصبّ الحكم هو عنوان ( عالم ) وما شاكل ذلك وفرضنا أن عنوان العالم شككنا في بقاءه لتردّد مفهومه فلا يمكن جريان الاستصحاب في الموضوع للتردّد المفهومي ولا في الحكم لعدم إحراز موضوعه.
النقطة السادسة:- عرفنا أن استصحاب الكلّي هو على أقسامٍ ثلاثةٍ والآن يقع الكلام في كلّ قسمٍ لنرى هل يجري فيه الاستصحاب أو لا:-
أما القسم الأول - وهو أن نتيقن بوجود الكلي ضمن فرد مشخص معين ولكن نشك في بقاء الكلي لأجل الشك في بقاء ذلك الفرد –:- فلا اشكال في جريانه ولا خلاف في ذلك، ويمكن جريان الاستصحاب في الكلّي كما يمكن جريانه في الفرد إذ الكلّي متيقّنٌ حدوثاً ولو بسبب فرده ومشكوكٌ بقاءً والفرد أيضاً كذلك فالاستصحاب في كلّ منهما قابلٌ للجريان . نعم يلزم وجود الأثر فلو فرضنا أن الأثر كان ثابتاً للكلّي دون الفرد فالاستصحاب لا يجري في الفرد لا لأجل عدم وجود اليقين والشك بل لأجل عدم الأثر، وهكذا لو فرض أن الفرد كان هو محط الأثر فلا يجري في الكلّي لنفس النكتة.
وأما إذا كانا معاً محطاً للأثر فلا محذور في جريان الاستصحاب في الكلّي كما يمكن جريانه في الفرد لتوفّر الأركان - اليقين والشك والأثر - ولا محذور في ذلك، ولعلّ عبارة صاحب الكفاية(قده) تشير الى ذلك حيث قال:- ( فإن كان الشك في بقاء .... كان استصحابه كاستصحابه بلا كلام ).
إن قلت:- كيف نتصور ثبوت الأثر لكلٍّ منهما ؟ إن ثبوت الأثر للفرد يعني أن الخصوصيّة هي للفرد بينما ثبوت الأثر للكلّي يعني أنه لا خصوصيّة للفرد فيحصل التهافت، فإذن لا يمكن أن نتصوّر أن الأثر ثابت للاثنين معاً للزوم محذور التناقض، فمثلاً حرمة دخول المسجد لو كانت ثابتة للفرد - يعني لعنوان الحدث الأصغر - فلا يمكن أن يثبت هذا الأثر للكليّ لأنه إذا ثبت للكلّي فمعنى هذا أن الفرد لا خصوصيّة له فثبوت الأثر للفرد يعني وجود خصوصيّة للفرد وثبوته للكلّي معناه أنه لا خصوصيّة للفرد فيحصل التناقض بينهما فلا يمكن أن نتصوّر ثبوت الأثر للاثنين معاً حتى يمكن جريان الاستصحاب فيهما معاً إذ أن تصوّر جريان الاستصحاب في كليهما لا يكون إلا بوجود الأثر لهما ووجود الأثر لهما شيءٌ غير ممكنٍ لأنه يلزم منه محذور التناقض.
قلت:- إنّا لا نقصد من الأثر هو الأثر الواحد بل يمكن أن نفترض أن الكلّي له أثرٌ والفرد له أثرٌ آخر يغاير أثر الكلّي فمثلاً حرمة مسّ كتابة المصحف الشريف هي أثرٌ للحدث الكلّي أعم من كونه أصغراً أو أكبراً وأما حرمة دخول المسجد فهي أثرٌ لخصوص الحدث الأكبر ففي مثل هذه الحالة يمكن جريان الاستصحاب في كليهما في الكلّي بلحاظ أثره وفي الفرد بلحاظ أثره الآخر الخاص به . إذن نحن لا نفترض أن الأثر واحدٌ بلحاظ كليهما حتى يلزم محذور التناقض، كلّا بل هذا له أثرٌ خاصٌّ وذاك له أثرٌ خاصٌّ، فعلى هذا الأساس يمكن جريان الاستصحاب في كليهما مادام لكلٍّ منهما يوجد أثر.
وهناك كلامٌ أشار إليه الشيخ الخراساني(قده) في حاشيته على الرسائل[1] والشيخ الأصفهاني[2] :- وهو أنه هل يمكن أن نقول إن جريان الاستصحاب في الفرد يكفي لترتيب أثر الكلّي من دون حاجةٍ إلى استصحاب الكلّي وهكذا العكس يعني استصحاب الكلّي هل يكفي لترتيب آثار الفرد من دون إجراء الاستصحاب في الفرد، يعني هل أن إجراء الاستصحاب في أحدهما يثبت الأثر بلحاظهما معاً من دون حاجة إلى إجراء الاستصحاب الآخر أو لا ؟
وهو كما ترى في مقامنا - أي استصحاب الكلّي من القسم الأول - بحثٌ فنيٌّ وعلميٌّ بحت ولا أثر له وذلك باعتبار أن الاستصحاب في كليهما إنما يكون قابلاً للجريان لو كان لكلّ منهما أثرٌ ومع وجود الأثر لكلّ منهما فبالتالي يمكن أن نجري الاستصحاب في كلّ منهما فلا يكون للكلام المطروح من قبل العلمين فائدة وثمرة مادام يمكن إثبات الأثر الثاني باستصحابٍ آخر فهذ البحث بحث علميٌّ صرفٌ في هذا القسم.
نعم إنه بلحاظ القسم الثاني من استصحاب الكلّي يكون وجيهاً لأنه في القسم الثاني من الكلّي - كما سوف يأتي – يجري الاستصحاب بلحاظ الكلّي دونه بلحاظ الفرد كما سوف نبيّن ونبين النكتة، إنه بالتالي لا يمكن أجراء الاستصحاب في كليهما بل يجري فقط وفقط بلحاظ الكلّي فيكون لهذا البحث ثمرة هناك فيقال لو جرى الاستصحاب بلحاظ الكلّي فهل يكفي ذلك لترتّب الفرد أو لا بعد فرض أن الاستصحاب في الفرد لا يجري فيكون هذا وجيهاً، أما في مثل مقامنا حيث فرضنا أن الاستصحاب قابلٌ للجريان في كليهما فهذا البحث لا يكون نافعاً ومجدياً بل يكون علميّا ًبحتاً كما هو واضح.
وأما استصحاب الكلّي من القسم الثاني فقد أشكل عليه بعدة إشكالاتٍ نذكر المهمّ منها:-
الإشكال الأوّل:- إنه لا يوجد يقينٌ سابقٌ حتى يمكن جريان الاستصحاب فإن الحصّة من الكلّي الموجودة ضمن هذا الفرد هي مشكوكة الحدوث من البداية والحصّة من الكلّي في ذلك الفرد هي مشكوكة الحدوث من البداية أيضاً والحصّة المردّدة لا وجود لها ومفهوم الحصّة من دون أخذها مشيرة إلى هذه الحصّة أو تلك ليست محطاً للأثر فكيف يجري الاستصحاب ؟


[1] حاشية الخراساني في حاشيته على الرسائل، ص202.
[2] نهاية الدراية، الاصفهاني، ج3، ص69.