35/03/12


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الخامس ( الاستصحاب في الموضوعات المركبة ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
والآن نريد أن نذكر نفس المثال المذكور ولكن بشكٍ معاكس:- بأن نفترض بأن الماء كان في البداية كرّاً وجزمنا بعد ذلك بطروّ حالتين عليه هما القلّة - أي النقصان عن الكريّة - والملاقاة ولكن لا ندري هل نقص أوّلاً ثم حصلت الملاقاة حتى يكون نجساً أو بالعكس حتى يكون طاهراً، والمناسب في هذا المثال ما هو ؟
ويمكن أن يقال:- إن كلا الأصلين لا يجريان من دون تفصيلٍ بين الصور فيقال سواء كان تاريخهما مجهولاً أو كانا مختلفين فإنه على جميع التقادير يحكم عليه بالطهارة فلا يجري الاستصحابان وبالتالي نرجع إلى أصل الطهارة أو استصحاب الطهارة، والوجه في ذلك هو أن كلا الأصلين مثبتان فلا يجريان، أما أن الأصل الأوّل - أعني استصحاب عدم الملاقاة في أزمنة الكريّة - فهو لا أثر له إذ في زمان الكريّة لا أثر للملاقاة ولا لعدم الملاقاة بل هما سيّان وليستا موضوعاً للأثر ولا يترتب عليهما أي شيء نعم الملاقاة لغير الكرّ يترتب عليها أثر وهو النجاسة أما الملاقاة للكرّ أو عدم الملاقاة له فلا أثر لها، فإذن استصحاب عدم الملاقاة في زمن الكريّة لا أثر له، اللهم إلا أن يُقصد من وراء ذلك اثبات أن الملاقاة قد حصلت بعد زمان الكريّة فإنه إذا لم تحصل في زمان الكريّة - التي هي الحالة السابقة - فلازمه أنها قد حصلت بعد زمان الكريّة وتثبت بذلك النجاسة وهذا كما ترى أصلٌ مثبت . إذن استصحاب عدم تحقق الملاقاة في زمن الكريّة إما أنه لا أثر له فلا يجري أو هو أصل مثبتٌ وعلى كلا التقديرين لا يجري.
وأما أن الأصل الآخر لا يجري- أعني استصحاب الكريّة إلى زمن الملاقاة - فلأجل أنه ماذا يقصد من وراء إجراء هذا الأصل ؟ إنه يراد إثبات أن الكريّة إذن هي باقية إلى زمن الملاقاة فيراد إثبات الطهارة فالهدف هو الطهارة لأن الكريّة مادامت باقية إلى زمن الملاقاة فذلك يعني أنه طاهر ولم يتنجّس، ومعلومٌ أن الطهارة أو عدم التنجّس لا يكفي لتحقّقه فقط وفقط استمرار الكريّة إلى زمن الملاقاة بل لابد من إثبات شيء آخر وهو أنه في زمن عدم الكريّة لم تتحقق ملاقاة . إذن لابد من إثبات شيئين هما أن الكريّة مستمرة إلى زمن الملاقاة وأن الملاقاة لم تحصل في زمن عدم الكريّة فإما أنه لم تحصل ملاقاة في زمن عدم الكريّة أو أن الملاقاة حصلت ولكن في زمن الكريّة فإذا فرضنا هكذا ثبت حينئذٍ أنه ليس بنجسٍ ومن المعلوم إن الاستصحاب المذكور يثبت السبب الأوّل - أي يثبت أن الكريّة موجودة في زمن الملاقاة - ولكنّه لا ينفي تحقق الملاقاة في زمن عدم الكريّة إلا بضم علمنا الخارجي وأنه لا توجد ملاقاتان بل توجد ملاقاة واحدة فإذا كانت واحدة والمفروض أن الكريّة مستمرة إليها بالاستصحاب ولا يوجد ملاقاة في زمن عدم الكريّة لعلمنا الخارجي فثبت بذلك التنجّس . إذن عدم التنجس لم يثبت بالاستصحاب فقط بل بعد ضمّ ضميمة خارجية وهي علمنا بأنه لا توجد ملاقاة أخرى ولولا هذه الضميمة المعلومة من الخارج لما ثبتت هذه النتيجة فيصير الأصل مثبتاً لأن الأصل المثبت هو كلّ أصلٍ يحتاج في الوصول إلى الأثر بضمّ ضميمةٍ فهنا أيضاً يحتاج إلى ضمّ ضميمة، ولذلك - من باب الفائدة العلميّة - يقال إنه إذا استصحبنا وجوب صلاة الجمعة إلى زمن الغيبة وأثبتنا أنها واجبة في زمن الغيبة ولكن لو شككنا في أنها تجزي عن الظهر ولا حاجة إلى فعل الظهر معها أو لا ؟ إنه هنا قد يستعان بضمّ فكرة عدم الفصل فيقال إنه لم يُفصَّل بين الوجوب والاجزاء بل كلّما ثبت وجوب الجمعة ثبت الاجزاء فالعلماء لم يفصّلوا فكلّ من قال بالوجوب قال بأنها مجزية عن صلاة الظهر فإذا ثبت بالاستصحاب بقاء الوجوب فإذن سوف يثبت الاجزاء بضمّ عدم الفصل.
وفي مقام المناقشة نقول:- إن هذا أصلٌ مثبتٌ - يعني أنّا استعنّا بمقدمة غير شرعيةٍ من الخارج وهي عدم التفصيل بين الوجوب وبين الاجزاء - نعم لو فرض وجود نصّ شرعيّ يقول ( إذا ثبت وجوب الجمعة فهي تجزي عن الظهر ) فهنا لو استصحبنا وجوب الجمعة فالأثر الشرعي يثبت لوجود نصّ يدلّ عليه ولكن المفروض أن الاجزاء أثبتناه لا من باب أنه أثر شرعيّ بل من باب ضمّ عدم الفصل فضمّ فكرة عدم الفصل إلى الاستصحاب يصيّر الاستصحاب مثبتاً، وفي موردنا الأمر شبيه بذلك فإنا استصحبنا بقاء الكريّة إلى زمان الملاقاة لنثبت بذلك الطهارة ونفي التنجّس ومن الواضح أن ذلك لا يكفي فيه فقط وفقط أن الكريّة باقية إلى زمن الملاقاة بل لابد من إثبات أنه في زمن عدم الكريّة لا توجد ملاقاة وهذا كيف نثبته ؟ إنا نثبته بعلمنا الخارجي وأنه لا توجد ملاقاتان فعلى هذا الأساس باستصحاب بقاء الكريّة إلى زمن الملاقاة يثبت أنه ليس بنجسٍ بعد ضمّ ذلك العلم الخارجي ومادام قد استعّنا بضميمة خارجيّة فهذا يكون أصلاً مثبتاً لأن ضابط الأصل المثبت هو أنه كلّ أصلٍ يحتاج في الوصول إلى النتيجة فيه إلى ضمّ ضميمة - أيّ ضميمة كانت - فهذا هو القانون العام في الأصل المثبت وهنا احتجنا إلى هذه الضميمة وهي علمنا من الخارج بأنه لا توجد ملاقاة أخرى ثانية . إذن كلا الاستصحابين لا يجريان - يعني لا استصحاب عدم الملاقاة في زمن الكريّة ولا استصحاب بقاء الكرية الى زمن الملاقاة -.
وأما أن الأصل الثاني لا يجري - يعني استصحاب بقاء الكريّة إلى زمن الملاقاة - فلأن الهدف من وراء ذلك هو إثبات أن الماء طاهر ولم يتنجّس والطهارة وعدم التنجّس تحتاج إلى أمرين إلى اثبات أن الكريّة موجودة في زمن الملاقاة وإثبات أن الملاقاة لم تتحقّق في زمن عدم الكريّة وفي مقامنا الاستصحاب يثبت الأوّل فقط ولا يقول إنه لا توجد ملاقاة في زمن القلّة إلا بضمّ علمنا الخارجي وأنه لا توجد ملاقاة ثانية فمادام احتجنا إلى ضمّ علمنا الخارجي فصار هذا الأصل مثبتاً فكلا الأصلين لا يجريان ومعه نرجع إلى أصل الطهارة أو إلى استصحاب الطهارة السابقة لعدم العلم بانتقاضها.
ومن خلال هذا اتضح الفارق بين المثال السابق وبين هذا المثال المعاكس فإنه في المثال السابق كانت توجد آراء ثلاثة حسب المباني والرؤى وأما في هذا المثال المعاكس فالمناسب أن تكون النتيجة واحدة لما أشرنا إليه من أن كلا الأصلين مثبتان فنرجع إلى أصل الطهارة أو إلى استصحاب الطهارة . هذا كله بالنسبة إلى التمرين التطبيقي.
توارد الحالتين:- كنّا فيما سبق نتحدث عن الاستصحاب في الموضوعات المركّبة والآن تتمة لهذا البحث وكملحق له نتكلم عن صورة توارد الحالتين من قبيل أن يفترض أن الشخص يعلم أنه قد توضأ جزماً وقد أحدث جزماً ولكن لا يدري هل أنه أحدث أوّلاً ثم تطهّر كي يكون الآن متطهراً أو بالعكس فالعكس وهذا ما يعبّر عنه بتوارد الحالتين.
والفرق بينه وبين الاستصحاب في الموضوعات المركّبة هو أنه في توارد الحالتين يفترض أن الوصفين متضادّان - أي بينهما تنافٍ وتضاد - كالحدث والطهارة فإن الطهارة ضدٌ للحدث، وأيضاً الموضوع واحدٌ فإن المكلف الواحد هو الموضوع للطهارة وهو الموضوع للحدث وهما طارئان عليه ولكنّه لا يدري المتقدّم منهما من المتأخر . إذن صورة توارد الحالتين تتقوم بركنين الأوّل هو التضاد بين الحالتين والثاني هو وحدة الموضوع . وأما في باب الاستصحاب في باب الموضوعات المركّبة كاستصحاب حياة الولد إلى زمان موت الوالد - حتى يرث - فإن حياة الولد قائمة بالولد وحياة الوالد قائمة بالوالد فإذن موضوع أحدهما هو الولد وموضوع الآخر هو الوالد، وأيضاً قد يكونان غير متضادّين كاستصحاب إسلام الولد إلى زمان موت الوالد فإن الإسلام ليس ضدّاً لموت الوالد بل بينهما تخالفٌ لا تضاد، والموضوع أيضاً مختلفٌ فالإسلام قائمٌ بالولد والموت قائمٌ بالوالد . إذن في توارد الحالتين يلزم توفّر كلا الركنين وأما في استصحاب الموضوعات المركّبة لا يلزم ذلك فربما لا يكون بينهما تضادّ مثلاً أو لا يكون الموضوع واحداً وربما يكون الموضوع ليس بواحدٍ ولا تضادّ أيضاً كما في هذا المثال الذي ذكرناه.