35/03/09


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الخامس ( الاستصحاب في الموضوعات المركبة ) / تنبيهات / الاستصحاب / الأصول العملية.
الرأي الثالث:- النجاسة مطلقاً، وهو للشيخ النائيني(قده) حيث قال نحن نحكم بالنجاسة مطلقاً ولكن لنكاتٍ مختلفة في كل صورة.
وتوضيح ما أفاده(قده) على ما جاء في أجود التقريرات[1] [2] هو:-
أما بالنسبة إلى الصورة الأولى:- أعني ما إذا كانا مجهولي التاريخ - فقد ذكر أنه نحكم بالنجاسة والوجه في ذلك هو أن استصحاب عدم الكريّة إلى زمن الملاقاة بما أن التاريخ مجهول فيجري ونتيجته هي النجاسة ولا يعارض باستصحاب عدم الملاقاة في أزمنة عدم الكريّة أو إلى نهاية زمن عدم الكريّة لأنه مثبتٌ ونكتة ذلك - أي نكتة المثبتية - هو أن المستفاد من حديث ( إذا بلغ الماء قدر كرّ فلا ينجّسه شيء ) هو أن الكريّة متى ما كانت سابقة فلا ينجّسه شيءٌ يعني أن النجاسة بعد الكريّة السابقة لا تؤثر بل يبقى طاهراً . إذن المستفاد من هذا الحديث هو أن موضوع الطهارة هو تقدم الكريّة وسبقها على الملاقاة فهو (قده) بنى هذه النكتة على هذه الاسطوانة وهي أن المستفاد من الحديث هو أن موضوع الطهارة هو سبق الكريّة، ومن هنا لا نقول إن تتميم الماء المتنجّس كرّاً لا يكون مطهّراً خلافاً للسيد المرتضى حيث يقول بكفايته، كلا لا يكفي، ولماذا ؟ قال:- إنه لأجل أن الطهارة تتوقف على أن تكون الكريّة مفروضة بشكلٍ سابقٍ أما أنها تحصل بعد ذلك أو أنها مقارنة للملاقاة فلا بل يلزم أن تكون الكريّة سابقة، وبناءً على هذا لا يمكن آنذاك الحكم بطهارة الماء المذكور - الذي هو محلّ كلامنا - يعني أنه باستصحاب عدم الملاقاة في أزمنة عدم الكريّة لا يثبت بذلك الطهارة لأن موضوعها هو تقدّم وسبق الكريّة وباستصحاب عدم الملاقاة في أزمنة عدم الكريّة لا يثبت أن الكريّة إذن هي سابقة ومتحقّقة قبل الملاقاة، وعلى هذا الأساس لا تثبت بذلك الطهارة فلا يكون لهذا الاستصحاب المعارض أثرٌ ويكون الأثر هو للاستصحاب الأول - أي استصحاب عدم الكريّة إلى زمن الملاقاة - فيثبت النجاسة . إذن نحكم في الصورة الأولى بالنجاسة لأن مقتضى الاستصحاب الأوّل هو النجاسة ولا يعارض ذلك بالاستصحاب الثاني لأنه لا تثبت به الطهارة إلا بناءً على حجيّة الأصل المثبت وهو ليس بمثبت.
وأما الصورة الثانية :- يعني إذا كان تاريخ الملاقاة معلوماً بخلاف تاريخ الكريّة فإنه مجهولٌ - فإنه في مثل هذه الحالة نحكم بالنجاسة أيضاً إذ الفرض أن تاريخ الكريّة مجهولٌ فيجري استصحاب عدم الكريّة إلى زمن الملاقاة ونتيجته النجاسة ولا يعارض بالاستصحاب الآخر - أي استصحاب عدم الملاقاة في أزمنة عدم الكريّة - لأنه لا يجري من جهتين الأولى إنه معلوم التاريخ حسب الفرض لأن الملاقاة معلومة حسب الفرض ونحن نبني على أن ما كان معلوم التاريخ لا يجري فيه الاستصحاب - مثل الشيخ الانصاري(قده) -، والثانية هي أن هذا أصلٌ مثبتٌ إذ استصحاب عدم الملاقاة في أزمنة عدم الكريّة لا يثبت أن الكريّة إذن هي سابقةٌ فلا تثبت بذلك الطهارة . إذن هذا الاستصحاب الثاني لا يجريمن ناحيتين
وأما الصورة الثالثة:- وهي أن يكون تاريخ الكريّة معلوماً وتاريخ الملاقاة مجهولاً - فهنا نحكم بالنجاسة فإن استصحاب عدم الكريّة إلى زمان الملاقاة لا يجري فلا تثبت النجاسة بسببه لأنه لا يجري والاستصحاب الآخر - يعني عدم الملاقاة في أزمنة عدم الكريّة - لا يجري رغم أنه مجهولٌ التاريخ لأنه مثبتٌ فالأوّل لا يجري لأنه معلوم التاريخ والثاني لا يجري لأنه مثبت.
وقد تقول:- إذا لم يجريا معاً فالمناسب هو الأخذ بأصل الطهارة مثلاً، ولكن لا نقول بجريان أصل الطهارة ولكن للقاعدة الميرزائية النائينية وهي ( أنه متى ما كان لدينا حكم لزومي أعم من كونه تكليفي أو وضعي ثم استثني منه حكم ترخيصي وكان الترخيص منصباً على عنوان وجودي فالعرف يفعهم أن ثبوت الرخصة منوط بإحراز ذلك العنوان الوجودي ) فإذا لم يجر العنوان الوجودي فالعرف يرى أنه يتعيّن أن يثبت ذلك الحكم اللزومي ومثّل هو(قده) لذلك بما إذا قال المولى لعبده ( لا تدخل عليَّ أحداً إلا أصدقائي أو إلا العلماء ) وفرض أنه جاء شخصٌ وشك الخادم في أنه من الاصدقاء أو ليس منهم فهنا يحكم العرف عليه ويقول إنك مادمت لا تعلم أنه من الاصدقاء فلا يجوز لك إدخاله، ونطبّق ذلك على مقامنا فإنه يوجد حكم لزومي غايته أنه وضعيّ وهو أن كلّ ماء يتنجّس بملاقاة النجاسة وقد دلّت عليه بعض الروايات ثم استثني منه عنوان وجودي وهو الكرّ بسبب هذه الرواية والنجاسة كما نعرف هي حكمٌ لزوميّ غايته هو لزومي وضعي وليس لزومي تكليفي واستثني منه الترخيص المنصبّ على عنوان الكرّ فلا يجوز إذن الحكم بطهارته بعد فرض أنّا لا نحرز كونه كرّاً وبالتالي لا يمكن المتمسك بأصالة الطهارة بعد وجود هذا الظهور.
وأنا أكمل وأقول:- إنك قد تقول:- سلّمنا بهذه القاعدة وبهذا الظهور ولكن لماذا نطرح أصل الطهارة ونقدّم هذه القاعدة وهذا الظهور فما هي النكتة الفنيّة لذلك ؟
والجواب:- إن النكتة هي أن قاعدة الطهارة أصلٌ من الأصول وذاك الذي ندّعيه هو ظهورٌ عرفيّ - فهو إما أن يكون ظهوراً حالياً أو لفظياً أو غير ذلك - والظهور دليلٌ اجتهاديّ فيقدّم على الأصل العملي.
والخلاصة:- إنه لأجل هذه القاعدة نحكم بالنجاسة وإن كان لولاها يكون المناسب هو الرجوع إلى أصل الطهارة، وهذه القاعدة كما أشار إليها في مقامنا هذا ذكرها أيضاً في موردٍ آخر[3] [4] وقد استفاد(قده) منها في موارد متعدّدة، ولكن قبل أن أذكر الموارد المتعدّدة أشير إلى أنه اختلفت تعبيراته(قده) في القاعدة فمرّة بيّنها بذلك التعبير الطويل هو ( إنه إذا كان هناك حكم لزومي ثم استثني منه حكم ترخيصي ..... )، وهناك صياغة ثانية لهذه القاعدة ذكرها أيضاً وذلك بأن نستغني عن المقطع الأوّل ونقول:- ( متى ما كان عندنا ترخيص ثابت لعنوان وجودي فلا يثبت ذلك الترخيص إلا بإحراز العنوان الوجودي ) يعني لو قال ( اشرب الماء أو كل الجبن ) فهذه رخصة ثابتة لعنوان وجوديّ فلا يجوز لك أن تأكل ما هو مشكوكٌ أنّه جبنٌ بل الرخصة لا تكون ثابتة إلا ّإذا أحرزت أنه جبن، وهذه الصياغة الثانية ذكرها(قده) في حاشيته على العروة في كتاب النكاح في مسألة (50 ) من مسائل العروة فهناك تعرّض السيد اليزدي(قده) إلى هذه مسألة أنه لو رأى الانسان امرأة من بعيدٍ ولا يدري أنها من محارمه أو لا فهل يجوز له أن ينظر إليها أو يلمسها أو أنه لا يجوز ذلك لاحتمال كونها أجنبية ؟ وكما لو دخل البيت ورأى امرأة وشكّ أنها زوجته أو لا فهل يجوز له آنذاك ما يجوز للزوج مع زوجته أو لا ؟ هنا قال السيد اليزدي(قده) إنه لا يجوز لقاعدة المقتضي المانع يعني كون الجنس مخالفٌ هو مقتضيٍ للحرمة فهو رجلٌ وهي امرأة فمادام الجنس مخالفٌ فهو مقتضيٍ لحرمة النظر وقد خرج منه عنوان أنها من المحارم فعلى هذا الأساس المقتضي محرز - وهو أنه جنس مخالف - والمانع مشكوكٌ - وهو أنها من المحارم - فنبني على تحقق المقتضى وهو الحرمة.
وعلّق الشيخ النائيني(قده) هنا وقال:- من أين لك هذه القاعدة ؟! بل نحكم بذلك لأجل قاعدتنا ونص عبارته:- ( ويدلّ نفس هذا التعليق على اناطة الرخصة والجواز بإحراز ذلك الأمر وعدم جواز الاقتحام عند الشكّ فيه ويكون من المداليل الالتزاميّة العرفيّة وهذا هو الوجه ... )، وذكر أيضاً في جملة كلامه أن المعروف بين الفقهاء - وذكر الشيخ الأنصاري في الرسائل ذلك أيضاً - أن الأصل في الأموال والنفوس الأعراض هو الاحتياط، وما هو المدرك لذلك ؟ إنه لم يعرف تخريجٌ واضح لذلك، وقال الشيخ النائيني(قده) إنه بناءً على ما ذكرناه من أن الرخصة المعلقة على عنوان وجوديّ لا تثبت إلا بإحراز ذلك العنوان الوجودي يحصل عندنا مدركٌ لهذا الأصل فنقول ( يجوز قتل المجرم ) مثلاً وهذه رخصة عُلّقت على عنوان وجوديّ وهو ( المجرم ) ونحن نشكّ الآن هل هذا مجرمٌ أو ليس بمجرم فالرخصة لا تكون ثابتة، وأما بالنسبة إلى الأموال فإنه يجوز لك أن تتصرف وتأكل من أموالك ورأيت أموالاً وشككت هل هي لي أو لا فبناءً على هذا الظهور لا يجوز التصرف، وإذا فرض أنه رأيت امرأة وشككت هل يجوز النظر إليها أو لا فإنه توجد رخصة في جواز النظر إلى المحارم فمع عدم الاحراز يصير الأصل عدم الجواز.
إذن بناءً على تمامية هذه القاعدة وهذا الظهور يكون نفس هذا الظهور ونفس هذه القاعدة مدركاً لهذا الأصل - أي أن الأصل في الاموال والنفوس والأعراض هو لزوم الاحتياط - وعلى أي حال ادعى الشيخ النائيني(قده) هذا الظهور وهذه القاعدة وفرّع عليها جملة من تلك الفروع وأحدها ما أشرنا إليه وهو مسألة النظر إلى المرأة فلا يجوز النظر إلى المرأة المشكوكة أنها من المحارم أو ليست من المحارم.