35/01/27


تحمیل
الموضوع:- تنبيهات / التنبيه الرابع ( الأصل المثبت ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
الأمر التاسع:- خفاء الواسطة وجلاؤها.
ذكر الشيخ الأعظم(قده) في الرسائل في نهاية التنبيه السادس الذي يرتبط بالأصل المثبت[1] أنه يمكن أن نستثني من عدم حجيّة الأصل المثبت صورة خفاء الواسطة بمعنى أن العرف يرى أن الأثر الشرعي - الذي هو ثابتٌ حقيقةً وواقعاً للواسطة – هو أثرٌ لنفس المستصحب - أي لذي الواسطة - ففي هذه الحالة يمكن الحكم بالحجيّة ومثّل لذلك بمثالين:-
المثال الأوّل:- ما إذا فرض أن ذبابةً كانت واقفة على نجاسةٍ وبعد ذلك طارت وأصابت الماء أو الشاي الموجود في القدح فلو فرض أن رطوبة النجاسة باقية في رجلها فسوف يتنجّس القدح وأما إذا شككنا في أن الرطوبة باقية أو ليست باقية فهنا هل يمكن أن نجري استصحاب بقاء الرطوبة لإثبات تنجّس ما في القدح ؟ ذكر(قد) في هذا المجال إن التنجّس أثرٌ وحكمٌ واقعاً للسراية بمعنى أنه بالسراية يحصل التنجّس فلو سرت الرطوبة من عين النجاسة أو من المتنجّس إلى ماء القدح يحصل تنجّس وإلا فلا وليس هو أثراً وحكماً للرطوبة وبقائها وإنما هو أثرٌ للسراية من تلك الرطوبة أو سراية تلك الرطوبة لا نفس الرطوبة وعليه فاستصحاب بقاء الرطوبة لإثبات التنجّس يكون أصلاً مثبتاً إذ باستصحاب الرطوبة نريد أن نثبت اللازم وهو السراية ومن ثم يثبت التنجّس لأنا قلنا إن التنجّس أثرٌ وحكمٌ للسراية بيد أن هذه الواسطة خفيّة في أنظار العرف بمعنى أن العرف يلغي هذه الواسطة من الحساب - وأقصد من هذه الواسطة هي السراية - وينسب التنجّس لبقاء الرطوبة ولملاقاة الرطوبة وعليه فإذا استصحبنا بقاء الرطوبة في رجل الذبابة فحينئذٍ يثبت التنجّس وإن لم تثبت السراية باعتبار أن العرف يلغي السراية من الحساب ويرى التنجّس أثراً لرطوبة النجاسة وليس أثراً للسراية فحينئذٍ يخرج المورد عن كونه أصلاً مثبتاً ويكون حجّة.
المثال الثاني:- ما لو شكّ في اليوم الثلاثين من شهر رمضان مثلاً في أنه من شوّال أو من شهر رمضان فهنا يستصحب بقاء شهر رمضان إلى هذا اليوم المشكوك - إلى اليوم الثلاثين - ويترتّب على ذلك أن غداً هو الأوّل من شهر شوّال فيحرم صومه ويستحب فيه صلاة أوّل الشهر والغسل وغير ذلك من آثار أوّل الشهر الجديد ومن هنا يمكن أن نقول إنه توجد واسطة فإن عنوان اليوم الأوّل من الشهر الجديد هو العنوان الذي لا يكون مسبوقاً بمثله وعلى هذا الأساس نقول إن استصحاب بقاء شهر رمضان إلى اليوم الثلاثين يستلزم أن غذاً ليس مسبوقاً بمثله بل هو مسبوقٌ بشهر رمضان فيكون أوّلاً فالمورد يكون من الأصل المثبت بيد أن العرف يلغي هذه الواسطة - أيّ أخذ الاوّلية بمعنى عدم السبق بالمثل - ويرى أن الآثار الأوّلية من حرمة الصوم وصلاة أوّل الشهر وغير ذلك ثابتةٌ لبقاء شهر رمضان إلى يوم الشك فإذا كان شهر رمضان باقياً إلى يوم الشك فإنهم يرتّبون آثار الأوّليّة على الغد رغم أن هذه الآثار ليست آثاراً لبقاء شهر رمضان إلى يوم الشك بل هي آثار للأوّليّة بالمعنى الذي أشرنا إليه - أي بمعنى عدم المسبوقيّة لمثله - وهذا لازم غير شرعيّ لبقاء شهر رمضان إلى يوم الشك ولكن ذكر أن العرف حيث إنّه يلغي هذه الواسطة ويرى أن الآثار هي أثرٌ لبقاء شهر رمضان إلى يوم الشك فيخرج الأصل عن كونه مثبتاً بعد خفاء هذه الواسطة في أنظار العرف.
وقبل صاحب الكفاية(قده) هذا المعنى من الشيخ الاعظم(قده) ولكنّه أضاف مورداً آخر للاستثناء فحصل إذن موردان للاستثناء موردٌ ذكره الشيخ الأعظم وموردٌ ذكر الشيخ الخراساني(قده)[2] حيث ذكر أن الأصل المثبت حجّة فيما إذا فرض عدم إمكان التفكيك بين المتلازمين في نظر العرف بحيث يكون التعبّد بأحدهما ملازماً للتعبّد بالآخر ولا يمكن في نظر العرف التعبّد بالأوّل من دون العبد بالثاني ومثّل لذلك في حاشيته على الرسائل بمثالين بالأبوّة والبنوّة وبالعليّة والمعلول فإذا عبّدنا الشارع من خلال الاستصحاب ببقاء الأبوّة فلا يمكن أن لا يعبّدنا بالبنوّة رغم أنها لازم غير شرعي إنه رغم هذا لا يمكن التفكيك في مقام التعّبد فلو جرى الاستصحاب في بقاء الأبوّة يلزم أن يعبّدنا ببقاء البنوّة والعكس بالعكس فلو عبّدنا ببقاء البنوّة يلزم أن يعبّدنا بقباء الأبوّة ، وهكذا في العليّة والمعلول فإذا عبّدنا ببقاء العليّة يلزم أن يعبّدنا ببقاء المعلول والعكس بالعكس ، هكذا ذكر(قده) وإن كانت عبارته في الكفاية مردّدة فمرّة يستند في الاستثناء الثاني إلى عدم إمكان التفكيك في مقام التعبّد ومرّة أخرى قد يظهر منه الاستناد إلى شدّة وضوح الملازمة كما يعبّر هو(قده) بذلك - أي بين الأبوّة والبنوّة - والأمر سهلٌ.
هذا ما ذكره العلمان.
وذكر الشيخ النائيني(قده)[3]وهكذا السيد الخوئي[4]تعليقاً على مأ افاده الشيخ الأعظم(قده):- بأن المقصود من الاستثناء الأوّل إن كان هو أن العرف ولو بسبب مناسبات الحكم والموضوع يرى أن الأثر الشرعي أثرٌ لذي الواسطة - أعني المستصحب - وليس للواسطة يعني في مثال الذبابة يرى أن الأثر - أي التنجس والذي هو الأثر الشرعي - أثرٌ لبقاء الرطوبة التي هي المستصحب ولا يراه أثراً للواسطة لتي هي السراية فبحسب مناسبات الحكم والموضوع أو لغيرها يرى ذلك فإذا فرض أن هذا هو المقصود للشيخ الأعظم(قده) فهذا نوافقه عليه لأن الأثر بالتالي في نظر العرف سوف يصير أثراً للمستصحب وليس أثراً للواسطة في نظر العرف بعد تحكيم مناسبات الحكم الموضوع مثلاً فما أفاده الشيخ الأعظم(قده) يكون صحيحاً ولكن هذا لا يمكن عدّه استثناءً من حجيّة الأصل المثبت إذ بالتالي لا توجد واسطة في البين لأن الواسطة ملغيّة في نظر العرف والعرف يرى أن الأثر الشرعي ثابتٌ لذي الواسطة - أي للمستصحب - وليس للواسطة ، إذن الواسطة ملغيّة من الحساب فلا يكون المورد من الأصل المثبت رأساً حتى يحتاج إلى استثناءٍ ، وإن كان مقصوده هو أن العرف ينسب التنجّز - الذي هو الأثر الشرعي - لبقاء الرطوبة تسامحاً وعنايةً رغم وجود الواسطة في البين وهي السراية فهو رغم اعتقاده بأن السراية هي التي من ثبت لها الأثر وهي التي سبّب للتنجّز ولكن تسامحاً ينسب التنجّز لبقاء الرطوبة لا للسراية فإذا كان مقصوده هو هذا فالأصل المثبت صادقٌ لوجود الواسطة ولكن لا نسلّم حجيّته فإن العرف حجّة في تحديد المفاهيم وليس حجّة في تسامحاته وتطبيقاته فهو حجّة في تحديد المفهوم دون تطبيق المفهوم.
وفيه:- إن بإمكان الشيخ الأعظم(قده) الدفاع وذلك بأن يقال:- إنه يوجد لدينا مفهومٌ قد أُخِذ في روايات الاستصحاب وذلك المفهوم هو مفهوم النقض ( لا تنقض اليقين بالشك ) فإن هذا مفهومٌ من المفاهيم وأنا أدّعي - أي الشيخ الأعظم - أن هذا المفهوم يرى العرف صدقه فيما إذا لم تُرتَّب آثار الواسطة - يعني التنجّس الذي هو أثر للسراية - فإذا لم يُرتَّب عند استصحاب بقاء الرطوبة يرى العرف أن النقض ومفهوم النقض صادقٌ ويقال هذا نقضٌ لليقين بالشك بينما إذا رتَّب هذا الأثر فلا يصدق آنذاك عنوان النقض ، إنه إذا كان مقصود الشيخ الأعظم(قده) هذا المعنى فهو كلامٌ وجيهٌ والترديد الذي ذكره العلمان بين الاحتمالين لا معنى له إذ المفروض أنه يلزم أن نلاحظ المفهوم وهما لم يبرزا مفهوماً ليكون النزاع بلحاظه أما الشيخ الأعظم(قده) فيمكنه أن يبرز مفهوماً وهو مفهوم النقض ويقول أنا أدّعي أن النقض يصدق متى ما لم تُرتَّب آثار الواسطة في حالة خفائها وأنا أدّعي أن النقض صادقٌ فيلزم أن تُرتَّب آثار الواسطة آنذاك من دون إشكال ، وهذا نزاعٌ في تحديد المفهوم وليس نزاعاً في تطبيقه . نعم من حقّ العلمين آنذاك أن يقولا للشيخ الأعظم نحن لا نوافقك على هذا المعنى - يعني أن مفهوم النقض صادقٌ في مورد عدم ترتيب آثار الواسطة الخفيّة - بيد أن هذا نزاعٌ صغرويٌّ فأصل الكبرى التي ذكرها الشيخ الأعظم(قده) تكون تامّة وحاصل الكبرى التي يذكرها الشيخ هي ( أنه كلّما كانت الواسطة خفيّة بحيث يرى العرف أن مفهوم النقض يصدق في حالة عدم ترتيب أثرها - أي أثر الواسطة الخفيّة - وأن مفهوم النقض وسيعٌ يشمل هذه الحالة فيلزم ترتيب آثار الواسطة آنذاك ) إن هذه الكبرى لا أظن أنه يختلف فيها اثنان والعلمان أيضاً يوافقان الشيخ الأعظم في ذلك لأن هذا بالتالي خلافٌ في المفهوم . نعم من حق العلمين أن يقولا نحن لا نوافقك على تفسير النقض بهذا الشكل الوسيع ولكن هذا بالتالي يصير اختلافاً صغروياًّ وليس إنكاراً لأصل الكبرى التي أفادها الشيخ الأعظم(قده) فهي إذن كبرى صحيحة ، ولعل الشيخ الخراساني(قده) في الكفاية يلمّح لهذ المعنى حيث قال:- ( فإن عدم ترتيب مثل هذا الأثر عليه[5] يكون نقضاً ليقينه بالشك أيضاً بحسب ما يفهم من لنهي عن نقضه عرفاً ) فالمفهوم عرفاً من النقض هذا المعنى بحيث يشمل هذه الحالة فيكون الاستثناء استثناءً صحيحاً فما أفاده الشيخ الأعظم(قده) من حيث الكبرى يكون شيئاً وجيهاً ، نعم من حقنا أن نختلف معه وننكر هذه السعة في مفهوم النقض.