34/11/08


تحمیل
 الموضوع:- تنبيهات ( التنبيه الثالث:- الاستصحاب التعليقي ) / الاستصحـاب / الأصول العملية.
 ولكن يرد عليه:- إن إبراز الإرادة يكون بنحوين فتارةً يبرز المولى الإرادة بصيغة الإنشاء بأن يقول ( أريد منك كذا ) وأخرى يبرزها بصيغة الإخبار ويقول ( توجد في قلبي إرادة نحو الشيء الفلاني ) فإذا فرضنا أن الإبراز كان بالنحو الأول - أي بنحو الجملة الانشائية - فنسلّم أنه آنذاك يُنتزع الوجوب ، ولكن نقول إن نفس هذا التعبير - أي ( أريد منك كذا ) - هو بنفسه يدلّ على وجود اعتبارٍ قد تحقق من قِبَلِه فهذا لا يصلح أن يكون شاهداً للشيخ العراقي(قده) فإنه من الوجيه أن نقول إن نفس هذه الصياغة وهذا التعبير يدلّ على تحقق الاعتبار من قبل المولى ، والمهم هو النحو الثاني.
 وأما النحو الثاني - الذي لا يوجد فيه إبراز بنحو الإنشاء بل يوجد إبراز بنحو الإخبار - فلا نسلّم آنذاك انتزاع الوجوب ، وهذا يكون ردّاً عليه فلو كانت الإرادة وحدها هي عبارة عن الحكم غايته بشرط الإبراز فيلزم في هذه الحالة - أي حالة الإبراز بالجملة الخبرية - أن يتحقق الوجوب والحال أنّا لا نسلّم في مثل هذه الحالة بانتزاع الوجوب ولزوم الامتثال حيث نقول للمولى ( صحيح أنا نعلم أنه توجد عندك إرادة ولكن نسألك هل تلزمنا بالامتثال أو لا ؟ ) وهذا معناه أنه لا يكتفى بمجرد وجود إرادةٍ ووجود إبراز لها وإنما المهم هو الإلزام الذي هو عبارة أخرى عن الاعتبار ، وعلى هذا الأساس ما ذكره(قده) لا يصلح أن يكون شاهداً له.
 وإن شئت قلت:- كما أنه في الأحكام الوضعية مثل الزوجية والملكية والحرية والرقية نقول بأنها اعتبارات ولا توجد إرادة كذلك الحال يمكن أن نقوله بالنسبة الى الأحكام التكليفية فنقول هي اعتبارات وليست مجرد إرادة فإن العقل لا يكتفي بالإرادة وحدها في لزوم الامتثال ، ومن هنا قيل بأن مصالح الأحكام الشرعية - مثل مصلحة الصلاة وهي الانتهاء عن الفحشاء والمنكر مثلاً - ليست واجبة التحصيل علينا رغم أن المولى يريدها وكيف لا يريدها ولأجلها أوجب الصلاة ! وهذا يدلّ على أن مجرد وجود الارادة لا يكفي . نعم نستثني ما لو فرض أن المولى كان يوجد له مانع من إبراز الإلزام ففي مثل هذه الحالة نكتفي بوجود الإرادة عنده إذا عرفنا وجودها أما إذا عرفنا وجودها وبإمكانه الإلزام ولكنه لا يُلزِم بها فنقول له هل تلزمنا ؟ فيقول إني لا ألزمكم ولا أوجب عليكم فهنا لا نسلّم بأنه يحكم بلزوم الامتثال . وعلى هذا الأساس يتضح أن الحكم هو عبارة عن اعتبارٍ وليس مجرد إرادة والإرادة وحدها لا تكفي للزوم الامتثال إلا إذا كان هناك مانع من إبراز الإلزام.
 ثم أقول:- ولو تنزلنا عن ضرورة الاعتبار في تحقق الحكم الشرعي وقلنا إن حقيقة الحكم الشرعي هي بالإرادة ولكن الاعتبار قضيّة اعتادها المشرعون والعقلاء ومن خلالها يتمكنون أن يبرزوا أن ما اشتغلت به الذمة هل هو نفس المراد - كما هو الغالب - أو مقدمات المراد - كما قد يكون ذلك أحياناً - ؟ ففي باب الصلاة مثلاً هناك إرادة متعلقة بالانتهاء عن الفحشاء والمنكر الذي هو الهدف من إيجاب الصلاة والصلاة مقدّمة لتحقيق هذا المراد ولكن المولى يُدخِل مقدمة المراد في الذمة - وهي الصلاة - دون نفس الانتهاء عن الفحشاء والمكر . إذن الاعتبار حتى لو سلّمنا أنه ليس هو حقيقة الحكم ولكنه عنصر يستعين به المشرعون والعقلاء والمفروض أن الشارع في هذا المجال يكون كأحد العقلاء.
 بل يمكن أن أصعد اللهجة وأقول:- إذا لم يكن الحكم عبارة عن الاعتبار وكان هو الارادة فتترتب على ذلك بعض المحاذير:-
 من قبيل:- إنه يلزم عدم إمكان نسخ الأحكام وهكذا حديث الرفع - ( رفع عن أمتي ... ) - لا يكون ممكناً باعتبار أن حقيقة الحكم هي الارادة والارادة لا معنى لأن ترفع أو تنسخ فإن القابل لذلك هو الحكم بمعنى الاعتبار أما بمعنى الارادة فلا معنى لنسخ الإرادة ورفعها والحال أن عملية النسخ عمليّة مألوفة شرعاً وعلى مستوى الحياة العقلائية وهذا خير شاهدٍ على أن الحكم هو الاعتبار ويقبل بالتالي النسخ والرفع .
 ومن قبيل:- إنه يلزم أن لا يجري استصحاب الأحكام الكليّة أو الجزئية والحال أن نفس الشيخ العراقي(قده) يسلّم بأنها تجري فمثلاً المرأة الحائض أذا انقطع دمها وبعدُ لم تغتسل فهل يجري استصحاب حرمة وطئها أو لا ؟ نعم يجري ، فقابلية الجريان موجودة ولم ينكر ذلك حتى الشيخ العراقي(قده) ، نعم هناك كلام بأنه هل يعارض هذا الاستصحاب بأصالة عدم الجعل الزائد أو لا ؟ ولكن هذا كلام ثانٍ أما نفس استصحاب الحرمة الفعليّة السابقة فهو لا اشكال في أنه قابل للجريان فنقول هكذا:- ( هذه المرأة كان يحرم وطؤها قبل الاغتسال والآن يشك بأنه هل يجوز وطؤها أو بَعدُ يحرم فنستصحب بقاء حرمة الوطء ) ، بينما على التفسير بالإرادة لا يمكن الاستصحاب إذ تستصب ماذا ؟ هل تستصب الارادة - يعني أن الارادة لم ترتفع - فهذا معناه أنّا نشك في النسخ فالشك في بقاء الارادة لا يكون إلا في موارد الشك في النسخ والمفروض أن شكنا ليس في النسخ وإنما نشك في سعة المراد وأنه هل هو وسيع أو هو مضيّق وهذا لا يتصوّر إلا أن نفسّر الحكم بالاعتبار فإنه لو فسرناه بالاعتبار فهو له حدوث وبقاء عرفاً - بالنظرة العرفية - فيقال هذه الحرمة كانت ثابتة والآن يشك في ثبوتها فهي بما أنها اعتبار فالاعتبار يُرى له امتداد عرفيّ فيكون قابلاً للاستصحاب أما إذا فسّرنا الحرمة بنفس الارادة فالارادة ليس لها امتداد عرفيّ كما ذكرنا فاستصحاب الحرمة إذن لا معنى له ، وهذا من المنبهات الواضحة والظريفة على أن الحكم ليس هو إرادة وانما هو اعتبار.
 ومن المنبهات على ذلك:- ما أشرنا إليه من أن لازم ما ذهب إليه(قده) هو أن مصالح الأحكام يلزم أن تكون واجبة على العباد كمصلحة وجوب الصوم ومصلحة وجوب الصلاة ومصلحة أي حكم من الأحكام لأنها مرادة والارادة وحدها تكفي لتحقق الوجوب والإبراز موجودٌ أيضاً من خلال بيان طلب المقدمة كالصلاة فإنها مقدمة لتحقق ذلك الهدف ولتلك المصلحة فيلزم على رأيه أن تكون تلك المصالح واجبة أيضاً والحال أنه لم يقل أحد أن تلك المصالح لازمة وإنما اللازم هو ما أمرنا به كنفس الصلاة ونفس الصوم والحج أما تلك المصالح فلا تنشغل بها ذمتنا ولا يجب علينا تحقيقها.
 ولعله بالتأمل يمكن تحصيل منبهات أخرى من هذا القبيل . هذا كله بحسب المبنى - أي تفسير الحكم بأنه إرادة -.
 وأما من حيث البناء فنقول له:- سلّمنا أن الحكم عبارة عن إرادة ولكن أنت بنيت على ذلك أمرين
 الأمر الأول:- إن الشرط سوف يكون هو اللحاظ وبالتالي سوف يكون الحكم فعليّاً.
 الأمر الثاني:- جريان الاستصحاب التعليقي ، فإن الحكم إذا كان فعليّاً فيمكن استصحاب ذلك الحكم الفعلي .
 ونحن نقول:- إن كلا هذين الأمرين قابلان للمناقشة:-