36/07/07


تحمیل
الموضوع:- قاعدة دوران الحكم مدار العلة دون الحكمة - قواعد وفوائد.
وهنا أمور ثلاثة:-
الأمر الأوّل:- إذا شككنا في أنّ هذا الذي ذكر كنكتةٍ في النصّ هل هو علّة هو حكمة فماذا نصنع ؟ وبكلمة أخرى:- إنّ أمكن من خلال الظهور تشخيص أنه علّة أو أنه حكمة فلا إشكال، وأمّا إذا كان هناك تردّدٌ ولا نعرف أنّه علّة أو حكمة فما هو المناسب ؟
والجواب:- إنّ النتيجة هي في صالح الحكمة، يعني لا يثبت دوران الحكم مدار هذه النكتة، والوجه في ذلك هو أنّه إذا فرض وجود إطلاقٍ لدليل الحكم وكان مقروناً بهذه النكتة التي هي مردّدة بين العلّة حتى تقيّد الحكم أو حكمة حتى لا تقيده فإنّه في مثل هذه الحالة يعود التمسّك بالاطلاق بلا مانعٍ، فتلك النكتة حيث إنّها مردّدة لا تصلح أن تكون مقيّدة للإطلاق فيبقى الإطلاق على حاله ونأخذ به، وهذا نتيجته نتيجة الحكمة فإنه في باب الحكمة نأخذ بإطلاق الحكم ولا نعير أهميةً إلى النكتة المذكورة.
إن قلت:- هذا وجيهٌ إذا فرض وجود إطلاق في دليل الحكم فنأخذ به، ولكن لو فض أنّه لا يوجد إطلاقٌ في البين فماذا نصنع ؟
قلت:- إذا لم يكن هناك إطلاق لدليل الحكم فلا معنى لطرح هذا التساؤل، وإنما يكون له معنى إذا فرض وجود إطلاقٍ حتى بناءً على العلّية يتقيّد الاطلاق وبناءً على الحكمة لا يتقيّد الإطلاق.
إذن الثمرة لا تظهر إلّا إذا فرض وجود إطلاق، أمّا عند عدم وجود الإطلاق فلا ثمرة للبحث عن أنّ هذه النكتة علّة أو حكمة.
ومثال ذلك:- العدّة، فالمرأة إذا طلّقت فعليها العدّة، فلو فرض أنّه لم تختلط المياه كما إذا جامعها الأوّل من دون إنزالٍ فلا اختلاط للمياه، فقد يقول قائل إنّه مادام لا يوجد اختلاطٌ للمياه فهل هناك حاجة إلى العدّة أو لا ؟ وهكذا لو كانت المرأة عاقراً فإنّه لا معنى لاختلاط المياه، أو فرض أنّه قُلِعَ رحمها.
وألفت النظر إلى أنّ مسالة اختلاط المياه لم تأِت في الروايات ولكن هذه أشبه بالنكتة المستنبطة من قبلنا، ولكن لأجل أنّ يتمّ هذا المثال نفترض الآن أنا شككنا أنّ مسألة اختلاط المياه هل هو علّة أو حكمة فالمناسب ما هو ؟
المناسب هو أننا نأخذ بإطلاق ما دلّ على أنّ المرأة المطلقة يلزم أن تعتدّ إذ لا مقيّد له، وهذا بخلاف ما لو فرض أنّ اختلاط المياه كان علّةً فإنه سوف يقيد الإطلاق بحالة ما إذا لزم اختلاط المياه، فإذا فرض أنّه لم يُنزِل وإنما يوجد إدخالٌ بلا إنزال فلا اختلاط للمياه، فلا حاجة إلى العدّة، فيصير تقييدٌ حينئذٍ.
الأمر الثاني:- قد يسأل سائل ويقول:- ما الفرق بين هذه القاعدة وبين قاعدة تنقيح المناط - أو ما يعبّر عنه بإلغاء الخصوصّية أو مناسبات الحكم والموضوع - بعد الالتفات إلى أنّ مناسبات الحكم والموضوع قد توسّع وقد تضيّق كما هو الحال في باب العلّة والحكمة فإنّ العلّة توسّع من ناحيةٍ وتضيّق من ناحيةٍ أخرى، فما هو الفرق بين قاعدتنا وبين تلك القاعدة ؟
والجواب:- إنّ الاشتراك في النتيجة لا يكفي وحده لإثبات الوحدة مادام الطريق مختلفاً، ومقامنا من هذا القبيل فإنّه في مسألة تنقيح المناط ننظر إلى كلمة الثوب مثلاًفي:- ( اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه ) ونقول إنَّ الثوب لا خصوصيّة له عرفاً بل من المناسب أن يعمّ هذا الحكم كلّ ملبوسٍ فإنّ هذا هو المرتكز في أذهان العقلاء أو ما يعبّر عنه بإلغاء الخصوصيّة، فالعموم نثبته من خلال ضمّ الفهم العرفي لمورد الحكم من دون النظر إلى نكتةٍ ذكرت في النصّ، فالعموم والخصوص لا نستفيده من النكتة بل نستفيده بقطع النظر عنها، يعني نبقى نحن وما ذكر في النصّ وهو عنوان الثوب فنقول نستفيد العموم لكلّ ملبوسٍ بعد إدخال فكرة مناسبات الحكم والموضوع وما شاكل ذلك، أمّا النصّ فلم يذكر نكتةً.
وهذا بخلافه في قاعدتنا فإنه ننظر في إثبات التعميم أو التخصيص إلى النكتة التي ذكرها النصّ وأنّ تلك النكتة هل يستفاد منها العلّيّة أو الحكمة بحسب الظهور والفهم العرفي.
إذن الطريق لإثبات التعميم والتخصيص مختلفٌ وليس واحداً، ووحدة النتيجة لا يعني وحدة القاعدة، بل المهمّ في وحدة القاعدة هو وحدة النتيجة ووحدة الطريق، أمّا إذا اختلف الطريق فلا محذور في التعدّد آنذاك.
الأمر الثالث:- إنّ النصّ أحياناً لا يذكر النكتة بعنوان العلّيّة - أي من دن لامٍ فلا يقول ( لأنّك ) - ولكن رغم ذلك قد نفهم العلّية من دون وجود اللام:-
من قبيل:- موثقة بكير بن أعين:- ( قلت له:- الرجل يشك بعدما يتوضأ، قال:- هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك )[1]، يعني أنّ الإمام عليه السلام ذكر الجواب والنكتة في عبارةٍ واحدةٍ - يعني ( لا يعتني لشكّه فإنه حين يتوضأ أذكر منه حين يشك ) - إنّه هنا لم يذكر فقرة ( هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك ) بلسان التعليل ولكن رغم ذلك قد يستفاد منها العلّيّة وأن علّة الحكم هو هذا.
وإذا كان علّةً - وهذا من باب الكلام يجرّ الكلام - تترتّب هذه النتيجة وهي أنّه في الموارد التي لا توجد فيها أذكرية - يعني حين يتوضأ لم يكن أذكر منه حين يشك - فلازمه أنه لا يجوز تطبيق هذه القاعدة، كما لو فرض أني قد لبست خاتماً وحينما شرعت في الوضوء كان ذهني شارداً وبعد أن أنهيت الوضوء شككت هل أوصلت الماء تحت الخاتم أو لا ؟ فهنا إذا قلنا بأنَّ هذا علّة فلازمه أنّه لابد وأن يعتني لشكّه لأنّه قبل الصلاة لا يصدق أنه أذكر إذ يجزم بالغفلة التامّة، وإنما لا يعتني لشكة فيما لو فرض أنّه لم يكن ذهنه شارداً وإنما كان ذهنه عند الوضوء جزماً أو احتمالاً، أمّا إذا كان جازماً بأنّ ذهنه كان خارج الوضوء فلا تجري هذه القاعدة.
ومن هنا بنى السيد الخوئي والسيد الشهيد على أنّ شرط جريان قاعدة الفراغ وشرط تطبيقها احتمال الالتفات حين العمل إمّا إذا كان جازماً بالغفلة فحينئذٍ لا يجري هذا التعليل، فهذا التعليل يجري في موارد الالتفات.
أقول:- لماذا اكتفيا باحتمال الالتفات ولم يشترطا الجزم بالالتفات ؟
الجواب:- إنّه إذا كان الجزم بالالتفات موجوداً فلا شكّ بعد ذلك فإنّه لا يتصوّر الشك إلّا إذا كان هناك احتمال الالتفات لا الجزم بالالتفات.
والخلاصة:- إنّ العلمان بنيا على أنّ هذا علّة وبالتالي تختصّ هذه القاعدة بمورد احتمال الالتفات.
في المقابل يمكن لقائل أن يقول:- إنّه لم يثبت أنّ هذا علّة بل من القريب أنّه حكمة التشريع وأنّ الإنسان عادةً يكون أذكر، وبناءً على هذا يمكن أن نستفيد التعميم دون التخصيص، يعني مادام الإنسان يكون أذكر عادةً فإذن لا يقيّد الجواب، فالجواب يبقى مطلقاً من هذه الناحية، وهذا منشأ من قال بأنّ قاعدة الفراغ عامّة فإنه يحمل هذا على الحكمة فحينئذٍ لا موجب للتقييد.
وهناك مثال ثانٍ:- وهو صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام :- ( إنّ شك الرجل بعدما صلّى فلم يدر أثلاثاً صلّى أم أربعاً وكان يقينه حين انصرف أنه كان قد أتمّ لم يُعِد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك )[2]، إنّ مورد هذه الرواية هو إن شك الرجل بعدما صلّى أنه صلّى ثلاثاً أو أربعاً والمفروض أنّه حينما انتهى كان يتصوّر أنّه أتى بالصلاة كاملة ثم بعد أن أتمّ التسليم شكّ هل صلى ثلاثاً أو أربعاً فالإمام قال في هذا المورد لم يُعِد الصلاة وكان حين انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك، فالإمام هنا ذكر النكتة ولكن لم يذكرها بلسان العلّية، ولكن رغم ذلك يمكن أن نستفيد من ذلك نكتة الحكم وعلّته.
إذن العلّية لا تنحصر بإشارة النصّ إليها بكلمة اللام أو بكلمة ( لأنّك ) أو ( من أجل ) أو ما شاكل ذلك بل قد يستفيد الفقيه النكتة من غير ذلك .
وبناءً على هذا سوف نتعدّى إلى باب الطواف، فإذا فرض إني انتهيت من الطواف ثم شككت فيه فبناءً على أنّ هذا تعليل فسوف نعمّمه إلى باب الطواف وهكذا في باب السعي ونقول إنّه حينما انصرف أقرب إلى الحقّ منه بعد ذلك، بينما لو حملناه على الحكمة فنقتصر بذلك على مورده ولا نتعدّى إلى الأبواب الأخرى.