36/05/26


تحمیل
الموضوع:- قاعدة لو كان لبان - قواعد وفوائد.
النقطة الثانية:- مدرك القاعدة.
إنّ مدرك القاعدة المذكورة هو القطع أو الاطمئنان، فإذا لاحظ الفقيه مسألة الاستعاذة قبل قراءة القرآن وقال إنّ هذه مسألة مشهورة وابتلائيّة فلو كان يجب الاستعاذة لاشتهر هذا الحكم والحال أنَّ المشهور بين الفقهاء هو عدم الوجوب، إنّه آنذاك يتولّد لديه اطمئنانٌ أو قطعٌ بعدم الوجوب وبالتالي يفتي بعدم الوجوب - أي بالاستحباب - لأجل هذا الاطمئنان أو القطع، فالحجية تعود بالتالي إلى هذا الاطمئنان أو القطع وإلا فهذه القاعدة لا قيمة لها لولا حصول الاطمئنان أو اليقين للفقيه.
النقطة الثالثة:- الفرق بين هذه القاعدة وقاعدة ( عدم الدليل دليل العدم ).
هناك قاعدة قد تكون متداوله على السنة بعض القدماء تقول إنَّ عدم الدليل على الوجوب أو الحرمة هو دليلٌ العدم - أي هو دليل على عدم الوجوب أو الحرمة -، والفارق بين قاعدتنا وبين هذه القاعدة واضحٌ فإنّ هذه القاعدة تعبيرٌ آخر عن أصل البراءة ولكن بلسانٍ آخر فيراد أن يقال تجري البراءة عن الوجوب إذ لا دليل عليه ونفس عدم الدليل يكشف عن عدم الوجوب إذ لو كان الوجوب ثابتاً حقّاً لورد وثبت بدليلٍ وحيث لا دليل عليه فيكشف عن عدم الوجوب.
وأين هذا من قاعدتنا التي قد نثبت بها الوجوب واللزوم، فمثلاً نثبت وجوب المباشرة في الرمي ولا تجوز النيابة لأنّ هذه مسألة ابتلائية فيلزم أن يكون حكمها واضحاً فلو كان تجوز النيابة حتى للقادر لأشتهر والحال أنّ المعروف بين الفقهاء العكس إلا في حال الضرورة . فقاعدتنا قد تكون مثبتة للوجوب لا للبراءة.
إذن لا ربط لإحدى القاعدتين بالثانية، نعم قد تتّفق النتائج أحياناً ولكنّ هذا لا يعني أنّهما قاعدة واحدة.
النقطة الرابعة:- الفرق بين هذه القاعدة الارتكاز المتوارث.
هناك قاعدة ثانية قد يستعان بها في بعض الموارد، فمثلاً في باب الوضوء والصلاة والغسل والصوم الاعتكاف وغير ذلك ما الدليل على أنّ هذه الأمور عبادة ؟ فكيف نثبت أنّ الوضوء مثلاً يلزم فيه قصد القربة فإنه من الصعب المجيء برواية تدلّ على ذلك، ولكن تستطيع أن نقول بأنه لا يلزم قصد القربة ؟! أنك لا تستطيع ذلك، فإذن كيف نصنع ؟ إنَّ إحدى الطرق لإثبات لزوم قصد القربة هي التمسّك بفكرة الارتكاز المتوارث فنقول إنَّ المرتكز في أذهان المتشرّعة أعني الفقهاء - بقطع النظر مراجعة الروايات أو غير ذلك - أنّ الوضوء قربيّ، ومن أين جاء هذا الارتكاز ؟ إنّه جاء من الجيل السابق ثم من الأسبق منه ... إلى أن نصل إلى زمن المعصوم فلابد وأنهم تلقّوا هذا الوضوح في اعتبار العباديّة في الوضوء من معدن العصمة والطهارة وبذلك نثبت أنّه عبادة ويلزم قصد القربة فيه وفيما شاكله.
فهذا الارتكاز المتوارث يثبت لنا اعتبار قصد القربة في مثل الوضوء وما شاكله، وهو شيء آخر يباين قاعدة ( لو كان ثابتاً لاشتهر وبان ).
نعم قد تتّفق النتيجة إلّا أن الطريق مختلفٌ فإذا أريد تطبيق قاعدتنا في الوضوء مثلاً فيقال:- إنّ مسألة الوضوء ابتلائية فيلزم أن يكون حكمها من حيث القربة واضحاً فلو كان ذلك الحكم الواضح هو عدم الوجوب لكان هو المشهور والحال أنّ المشهور هو العكس، إنّه يمكن أن نطبق هذه القاعدة في مسألة نيّة الوضوء ولكن إمكان تطبيقها لا يعني أنها عين ذلك الطريق فإنّ ذلك الطريق لا يأخذ عنصر كون المسألة ابتلائية ولا عنصر كون المسألة الابتلائية فيلزم أن يكون حكمها واضحاً بل هو في صدد مطلبٍ آخر فهو يقول يوجد ارتكازٌ ثابتٌ جزماً في أذهان المتشرعة - أعني الفقهاء - فمن أين نشأ هذا الارتكاز فإنّه لا يمكن أن يوجد المعلول بلا علّة ؟!! إنّه ينطلق من شيءٍ آخر . فإذن الفرق بين القاعدتين واضح.
وينبغي التفرقة بين الارتكاز المتشرعي والارتكاز العقلائي:- فالارتكاز المتشرّعي ناظرٌ إلى المتشرعة فقط بما هم متشرّعة فنقول إنّ المرتكز في أذهانهم اعتبار النيّة في الوضوء، ولا يصحّ أن نقول في أذهان العقلاء فإنّ العقلاء بما هم عقلاء - لا بما هم متشرعة - لا ربط لهم بالوضوء ونيّته، فارتكاز المتشرّعة يكون في القضايا الشرعيّة، بينما ارتكاز العقلاء يكون في القضايا العقلائيّة من قبيل ( من حاز ملك ) فإنّ هذه قضيّة مرتكزة في أذهان العقلاء، ونقول إنّ هذا الارتكاز ليس جديداً بل هو موجودٌ مع خلقة العاقل والعقلاء، وحيث قد سكت الشارع عن هذا الارتكاز الذي يحتمل أنّ العقلاء يطبقونه في يوم من الأيام في المجال الشرعي ويستفيدوا منه حكماً فلابد وأن يردع عنه وعدم الردع يدلّ على الإمضاء.