36/01/16


تحمیل
الموضوع:- الأخبار العلاجية - أخبار الإرجاء.
وفيه:-
أوّلاً:- إن هذا يتمّ لو فرض أن ابن إدريس حينما نقل فهو نقل عن تلك الأصول التي وصلته بواسطة الشيخ الطوسي ولكنّا لا نجزم بذلك بل نحتمل إن هذه الأصول أو على الأقل بعضها كانت له نسختان نسخة وصلت بطريق الشيخ الطوسي والنسخة الثانية وصلت بطريقٍ آخر نحن لا نعرفه وحينما سجلّ ابن إدريس الحديث في كتابه لم ينقله من تلك النسخة التي وصلته من الشيخ الطوسي بأن كانت تلك النسخة قد أعارها إلى شخص مثلاً ليسجلّ منها أحاديث أو غير ذلك وإنما اعتمد على النسخة الأخرى التي نجهل طريقها، إنّ هذا الاحتمال موجودٌ وبناء عليه فلا ينفعنا وجود طريقٍ معتبرٍ لابن إدريس إلى هذه الأصول إذ لا نجزم بأنه حينما نقل الحديث نقله من تلك النسخة التي وصلته بالطريق المعتبر.
إن قلت:- إنه بناءً على هذا الاحتمال سوف لا يمكن أن نعتمد على روايات الشيخ الطوسي أيضاً فإنه وإن ذكر طرقه إلى الأصول التي نقل عنها لكن بالتالي نحتمل أن لبعض الأصول التي وصلته توجد نسختان ويأتي نفس هذا الكلام الذي ذكرناه في حقّ ابن إدريس ؟
والجواب:- إنه لا يأتي في حقّ الشيخ الطوسي باعتبار أنّه ذكر في المشيخة ( أني ابتدئ السند بصاحب الأصل وأن طريقي إليه ما أذكره في المشيخة ) . إذن من خلال هذا التعبير يزول هذا الاحتمال فاستمع إلى عبارته في المشيخة حيث يقول:- ( ... واقتصرنا من إيراد الخبر على الابتداء بذكر المصنف الذي أخذنا الخبر من كتابه أو صاحب الأصل الذي أخذنا الحديث من أصله ..... والآن فحيث وفق الله تعالى للفراغ من هذا الكتاب نحن نذكر الطرق التي يتوصّل بها إلى رواية هذه الأصول المصنفات ... )[1] . إذن من خلال هذه العبارة سوف يزول هذا الاحتمال الذي أشرنا إليه.
بل أقول اكثر:- وهو إنه حتى لو فرض أنّ هذه العبارة لم تكن موجودة فنفس ذكر الشيخ الطوسي للمشيخة هو قرينة عرفية على أنّ ما ينقله في كتابه قد وصل إليه بهذه الطرق وإلا فما فائدة ذكر هذه الطرق والمشيخة ؟!!
وهذا البيان نطبّقه في حقّ ابن بابوية في كتاب من لا يحضره الفقيه فإنه لا توجد في مشيخته مثل هذه العبارة التي نقلناه عن الشيخ الطوسي فهو لم يقل ( أني ابتدئ السند بالمصنف أو بالأصل الذي أخذت منه الحديث وطرقي إليه هي هذه ) ولكن نفس تأليفه لكتابٍ في الأخبار ثم ذكر المشيخة هو قرينة عرفيّة على أنّ ما ينقله هو ينقله بهذه الطرق، وهذا بخلافه في ابن إدريس فإنه لا توجد عنده مشيخة فلو كان قد وضع مشيخة مع المستطرفات جاءت هذه القرينة لكنه لم يؤلّف مشيخةً ولكن اتفاقاً له إجازات ذكرها ولا ندري أين ذكرها ونحن من خلال تلك الاجازات نريد أن نحصّل طُرُقاً.
فإذن لا يمكن تطبيق ما يذكر في حقّ الشيخ الطوسي والصدوق في حق ابن إدريس فإن ابن إدريس استطرف بعض الأحاديث من بعض الأصول ولم يقل عندي مشيخة ولم يذكرها وإنما عنده إجازات اتفاقيّة ونحن نريد أن نحصّل على شيءٍ من هذه الإجازات.
ثانياً:- نسلّم أنه لا توجد نسخة ثانية بل النسخة الموجودة هي واحدة لا أكثر - فكلّ أصلٍ له نسخة واحدة - ولكن من قال إن طرق صاحب السرائر هي طرق عن النسخة المعيّنة وليست طرقاً تبركيّة بأن يكون الهدف منها هو اتصال السند إلى الإمام عليه السلام كالإجازات التي ذكرنا أنها صدرت مؤخّراً من الشيخ أغا بزرك الطهراني أو من السيد شهاب الدين المرعشي النجفي أو ممن قبلهم من علمائنا كصاحب الكفاية والشيخ النائيني وغيرهم فهؤلاء كانوا يمنحون إجازات روائيّة ولكن هل هي إجازات على نسخة معينة ؟ كلّا بل هي إجازات تبركية الهدف منها هو اتصال السند إلى الإمام عليه السلام ونحن نحتمل أنّ إجازات ابن إدريس من هذا القبيل، ونفس هذا الاحتمال هو يكفينا وهو موجودٌ لا يمكن ردّه، فعلى هذا الأساس لا تنفعنا مثل هذه الطرق لأنّ المهمّ هو إثبات صحة النسخة وصحة النسخة لا تثبت بمجرّد وجود طريقٍ تبرّكي ينتهي إلى الإمام عليه السلام.
إن قلت:- إنه بناءً على هذا سوف يسري الإشكال إلى الشيخ الطوسي(قده) أيضاً فإنه من قال أن طرقه هي طرقٌ إلى النسخة وبلحاظ النسخة المعيّنة فلعلّها طرق تبركيّة أيضاً فالاحتمال الذي أبديناه في حقّ ابن إدريس يأتي نفسه في حقّ الشيخ الطوسي وبالتالي يلزم ننسف كلّ روايات الشيخ الطوسي لأنها ليست لها طرقاً معتبرة فإن الطرق التي ذكرها بالتالي نحتمل أنها طرق تبركيّة وليست طرقاً على النسخة المعينة . إذن إذا فتحنا باب هذا الاحتمال سوف يلزم سقوط كلّ أو معظم الروايات عن الاعتبار.
قلت:- إنه توجد مؤشرات في حقّ الشيخ الطوسي على أن طرقه لم تكن تبركيّة وإنما كانت بلحاظ النسخة المعيّنة وهذه المؤشرات لعلّ كلّ واحد منها لا يوجب الاطمئنان ولكن بمجموعها يوجب ذلك.
من قبيل:- إنه ذكر في بداية المشيخة:- ( أني أذكر هذه الطرق لتخرج الأحاديث بذلك من الإرسال إلى الاسناد )، وهذه العبارة واضحة في أنّ هذه الطرق منصبّة على النسخة إذ لو كانت طرقاً تبركية فالإرسال بَعدُ باقياً ولا يزول، إلا أن تقول إنّ الشيخ الطوسي ليس ملتفتاً إلى أن الطرق التبركيّة لا تخرج الرواية من الإرسال إلى الإسناد وهذا بعيدٌ جداً فكيف أنّ الشيخ الطوسي لا يلتفت إلى مثل هذا ؟!!، فهذه إذن قرينة على أن طرقه لم تكن تبركية.
ومن قبيل:- ما ذكر في ترجمة العلاء بن رزين:- ( أن لكتابه أربع نسخ وأروي كلّ نسخة بطريقٍ خاصّ بها )، ثم ذكر الطريق إلى كلّ نخسة وهذا يعطي أنّ المسألة ليست مبنيّة على التبرك وإنما هي مبنيّة على ملاحظة النسخة.
ومن قبيل:- ما قاله عند ذكره للشيخ المفيد:- ( سمعنا منه هذه الكتب كلها بعضها قراءة عليه وبعضها تقرأ عليه غير مرة وهو يسمع ).
ومن قبيل:- ما ذكره في ترجمة ابن مهزيار طرقه إلى كتب ابن مهزيار، ثم قال:- ( إلا كتاب المثالب فإن العباس روى نصفه عن علي بن مهزيار )، إن هذا التعبير يدلّ على أنّ هذه الطرق ليست طرقاً إلى الأشخاص وإنّما هي طرق إلى النسخة إذ لو كانت طرقاً الأشخاص فلا معنى لهذا الاستثناء.
ومن قبيل:- ما ذكره في ترجمة محمد بن الحسن الصفار حيث قال:- ( إن الصدوق روى كتبة كلّها إلا كتاب بصائر الدرجات )، وهذا الاستثناء أيضاً يدلّ على أن القضيّة ليست مبنيّة على التبرك.
ومن قبيل:- ما ذكره في ترجمة الشلمغاني حيث قال:- ( أخبرنا جماعة بكتاب التكليف إلّا حديثاً واحداً في باب الشهادات ) فإنّ هذا الاستثناء أيضاً يدلّ على أن الطرق ليست تبركيّة.


[1] تهذيب الاحكام، الطوسي، ج10، المشيخة، ص4، 5.