36/05/05


تحمیل
الموضوع:-اصالة الاشتغال - الأصول العملية.
توضيح مبنى الآخوند:-
المرحوم الآخوند (قدس سره) لديه في مراحل الحكم التكليفي ــ غير المراحل الإنشائية ــ في المرحلة الفعلية مرحلتين:-
المرحلة الفعلية الاولى:- ان فعلية الحكم بتحقق موضوعه وبالتالي يكون الحكم جزئياً مُنحلاً من الحكم الكلي الإنشائي بتحقق موضوعه الجزئي وهذا المقدار من فعلية الحكم وتحقق موضوعه يعبر عنه بـ (فعلية الحكم من قبل المولى) يعني تتحقق إرادة إقتضائية جزئية منحلة من الارادة الانشائية الكلية بمجرد تحقق الموضوع أي ان الارادة وحالة الدفع من قبل المولى مكتملة.
المرحلة الفعلية الثانية:- قابلية المكلف هل هو قادر هل هو بالغ فاذا تحقق له القدرة فان الآخوند يتبنى ان مرحلة من الفعلية زائدة تتحقق للتكليف غير المرحلة الاولى ويعبر عنها بفعلية التكليف من قبل العبد.
ويعبر عن مرحلة الاولى بمرحلة (الفعلية الناقصة) ويعبر عنها ايضا بـ(الحكم الاقتضائي) وبقية الاعلام تقريباً جاروه على هذا الاصطلاح وان كان اصطلاح الحكم الاقتضائي ــــ قليلاً ما ــــ يطلق على المرحلة الانشائية وإلا فغالباً يطلق الحكم الاقتضائي على الحكم الفعلي الناقص، وبعد ذلك تأتي مرحلة الفعلية التامة بحيث تكون قابلة المكلف للانفعال عن حكم المولى تامة فحينئذ ارادة المولى تتكامل وتكون فعلية ومؤثرة وتشتد الارادة التشريعية وهذه يعبر عنها المرحوم الآخوند (قدس سره) بـ(الفعلي التام).
ثم بعد ذلك تأتي مرحلة آثار هذه الفعلية التامة وآثار الارادة التشريعية وهي مرحلة الفاعلية أو سميها بالزاجرية او الباعثية او المحركية للحكم (التي هي اطوار تكوينية للحكم) والتي يعبر عنها المرحوم العراقي (قدس سره) بمرحلة فاعلية الحكم وهذه الفاعلية ايضا على مرحلتين:-
الاولى:- مرحلة فاعلية الحكم الناقصة:- وهي ما اذا كان المكلف ملتفت بنحو الاحتمال، والحكم ليس ذو خطورة شديدة بالغة فهنا محركية الحكم تكون بنحو الفاعلية الناقصة بمعنى ان دافعية الحكم ومحركية الحكم بنحو ناقص.
الثانية:- مرحلة فاعلية الحكم التامة:- اذا علم المكلف بالحكم فان علمه بالحكم يزيد من محركية وباعثية الحكم.
ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التنجيز وتوجد مراحل بعده مثل الامتثال واحراز الامتثال، وكما مر بنا في بداية بحث العلم الاجمالي ان منطقة بحث منجزية العلم الاجمالي هي مرتبطة بمرحلة التنجيز والامتثال واحراز الامتثال.
المرحوم الآخوند (قدس سره) يقول ــــ وهو صحيح الى حد ما ــــ ان كلَ الوجوه التي قيلت في الجمع بين الحكم الظاهري والواقعي من اهمية المحتمل او اهمية الاحتمال او مصلحة التسهيل وغيرها من الوجوه هي تعالجُ زاوية من الاشكال ولكن زاوية أخرى من اشكالية الجمع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري لم تعالجها هذه الحلول والنظريات المختلفة وهي محذور إصطكاك الارادة الفعلية التامة في الحكم الواقعي والارادة الفعلية التامة في الحكم الظاهري فمثلا الشارع يرخص ظاهراً ـــ بنحو فعلي تام ـــ في الفعل بينما الحكم الواقعي يلزم ــــ بنحو فعلي تام ــــ بالترك فكيف يجتمع الالزام مع الترخيص؟
فالإلزام الفعلي التام مع الترخيص الفعلي التام تناقض. فالإرادة التشريعية في الالزام إما ان تكون بالغة مبلغها الكامل ومن جانب اخر ارادة تشريعية ولو على منصة الظاهر ايضا تامة وفعلية وبالغة مبلغها التام في الترخيص فهذا تناقض.
لذا المرحوم الآخوند (قدس سره) في بحث الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي قال ان كل الحلول والنظريات لم تعالج هذا الاشكال وهو اصطكاك الارادات التشريعية التامة المتناقضة.
وهذا الكلام عند المرحوم الآخوند (قدس سره) ليس فقط في الجمع بين الحكم الظاهري والحكم الواقعي بل كل مورد يوجد فيه اصطكاك وحينئذ لحل هذا التناقض لابد ان نقول ان احدى الارادتين فعليتها فعلية ناقصة والاخرى فعليتها فعلية تامة ولا مانع من اجتماع الارادات الفعلية الناقصة فالإنسان مثلا تتولد عنده مقتضيات ورغبات اكيده متناقضة بنحو الاقتضاء ولكن الفعلي التام الذي يحرك ويبعث الانسان لابد ان يكون احدُها هو الغالب، أما ان تكون كُلاً من الارادات المتدافعة والمتضادة تحرك الانسان بنحو الفعل فهو محال.
فالمرحوم الآخوند (قدس سره) يقول ان اجتماع الاحكام المتضادة او المتناقضة بنحو الفعلية الناقصة لا مانع منه وهذا تكويناً موجود، ولكن اجتماعها بنحو الفعلية التامة غير ممكن، لذا في الحكم الظاهري والواقعي يقول لابد ان تكون الفعلية التامة على وفق الحكم الظاهري واما الواقعي الغير معلوم يجمد[1] في مرتبة الفعلية الناقصة.
لذا نفس المطلب يصوغه المرحوم الآخوند (قدس سره) في مبحث اجتماع الامر والنهي في بحث الضدين او المتزاحمين سواء كانا متساويين في الاهمية او احدهما أهم والاخر مهم فانه يقول لا يعقل ان تكون الارادة فعلية تامة في كلا الحكمين سواء كانا متساويين اوحدهما اهم والاخر مهم فلابد إما ان يكون كلاهما بنحو الاقتضاء بنحو التخيير فاحدهما يفعل للفعلية التامة او الاهم فعلي تام والمهم فعلي ناقص ويجتمع حينئذ الفعلي التام مع مضاده الفعلي الناقص هذا في بحث الضدين ارتكبه الآخوند.
وفي بحث اجتماع الامر والنهي فانه حرمة مع وجوب لأنه ليس قائلٌ بالتعارض عند امتناع اجتماع الامر والنهي بل يقول بالتزاحم الملاكي وهو الصحيح، وتفسير التزاحم الملاكي يعني ان كلاً من الحكمين في مرحلة الفعلية الناقصة متزاحمة فاحدهما لابد ان يكون فعلي.
اذن هذا المبنى الذي يذهب اليه الآخوند (قدس سره) في ابواب عديدة وهو ان الاحكام المتخالفة سواء كانت كلها واقعية او ظاهرية وواقعية لا يمكن ان يكون كل منهما ــــ اذا كانت متخالفة ومتضادة فضلا عن المتناقض ــــ فعلي تام، نعم ان يكون أحدُهما فعلي ناقص والاخر فعلي تام ممكن او ان يكون كلاهما فعلي ناقص ممكن ايضا.
إذا إتضح هذا المبنى فان الآخوند (قدس سره) يقول ان الحكم الشرعي المعلوم بالإجمال الذي يكون العلم منجز له هو الحكم الذي بلغ مرحلة الفعلية التامة فهذا الحكم الذي وصل الى مرحلة الفعلية التامة اذا تعلق به العلم الاجمالي لا فرق فيه بين وجوب الموافقة القطعية وحرمة المخالفة القطعية، فالعلم الاجمالي علة تامة لكليهما، فالمدار على الحكم أي على الحكم المعلوم بالإجمال،أما اذا كان هذا الحكم بنحو الاقتضاء والفعلية الناقصة فيقول المرحوم الآخوند (قدس سره) انه اذا تعلق به العلم الاجمالي فان العلم الاجمالي يكون مقتضي لحرمة المخالفة القطعية ولوجوب الموافقة القطعية لأنه ما دام الحكم بنحو الاقتضاء وفعلي ناقص فيمكن ان يرخص الشارع في الظاهر على خلافه فيكون حينئذ ترخيص الشارع الظاهري هو الفعلي التام والتكليف المعلوم بالإجمال فعلي ناقص.
ويقول الآخوند (قدس سره) أيضا لا فرق بين العلم التفصيلي والعلم الاجمالي لأنه في الحقيقة ان العلم التفصيلي لا يختلف عن العلم الاجمالي من حيث العلم والمنجزية والكاشفية، وان المدار على المعلوم نفسه أي المدار على ذات الحكم المعلوم فهل هو فعلي تام او فعلي ناقص؟ فمن هذه الجهة لا فرق بين العلمين.
وانما الفرق بين العلم الاجمالي والعلم التفصيلي ــــ والكلام لا زال للآخوند ــــ هو ان العلم التفصيلي لا يدع مجالاً للترخيص الظاهري لان موضوع الترخيص الظاهري لا يتحقق لا اقل في حرمة المخالفة القطعية لا ان العلم التفصيلي أشدُ تنجيزاً من العلم الاجمالي، هذا محصل كلام الآخوند(قدس سره).


[1] ليس المراد من انه يجمد بمعنى انه ينسخ أي يرتفع ويزول بل المراد انه يجمد في مرتبة الفعلية الناقصة.