36/03/29


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الثاني ــــ تنبيهات البراءة ــــ الأصول العملية.
وصل بنا الكلام الى هذه النقطة وهي جريان قاعدة من بلغ في العام المخصَص بخبر معتبر، فهل يمكن جريان قاعدة من بلغ في منطقة الخاص في هذا العام ام لا؟
دليل القائلين بالجريان:-
العمدة في الاستدلال على الجريان في جميع الصورة المتقدمة هو عموم البلوغ في هذه الصور باعتبار ان المخصِص منفصل او الدليل المعارض منفصل وحينئذ يتحقق البلوغ بمجرد الظهور الواصل بسبب العام.
إن قلت:- اذا كان العام مخصَص فمن أي له الظهور حتى يصدق البلوغ؟
قلت:- الدليل المنفصل المخصِص لا يثلم الظهور وان كان قد يثلم الحجية غاية الامر يجعل الحجية غير معتبرة ولكنه لا يعدم اصل الظهور وهذا هو الفرق بين القرينة المنفصلة والمتصلة فمادام هناك ظهورٌ موجود في البين فيصدق عليه انه بلوغ.
استدلال المحقق العراقي + على البلوغ :-
كلام المرحوم العراقي + ان الدليل المعتبر سواء افترضناه عام ـــ مثل الذي مر بنا وهو عموم النهي عن الجماعة في النافلة فلو قدر وجود رواية ضعيفة تدل على مشروعية الجماعة في صلاة نافلة يوم الغدير كما افتى بها بعض القدماء ـــ او مباين او خاص اذا كان نافياً لهذا الدليل الاخر الضعيف غير المعتبر سواء كان غير معتبر في نفسه او غير معتبر بسبب أقوائية هذا الدليل المعتبر الاخر فان هذا الدليل غير المعتبر تكوينا ووجدانا يحقق البلوغ، ويبقى الدليل الاقوى فان غاية مفاده هو نفي الاستحباب او نفي الوجوب هذه هي الموازنة بين الدليلين ويقول المحقق العراقي & ان هذه الموازنة بين الدليلين لا تعدم موضوع قاعدة من بلغ لان الفرض ان البلوغ تكوينا موجود لان الفرض ان الدليلين منفصلين وليس متصلين، ومن جانب آخر ان محمول من بلغ مفاده استحباب الشيء بعنوان ثانوي موضوعا وليس استحباب الشيء بالعنوان الاولي الذاتي فلا منافاة حينئذ بين قاعدة من بلغ والدليل الاقوى المعتبر الذي ينفي الاستحباب وينفي المشروعية وينفي الوجوب فانه ينفي المشروعية والاستحباب بالعنوان الذاتي الاولي موضعا اما قاعدة من بلغ فإنها تثبت الاستحباب بالعنوان الثانوي موضعا هذا هو التقريب الصناعي الذي يذكره المحقق العراقي &.
الاشكالات التي ذكرت على القول بجريان القاعدة :-
الاشكال الاول:- ما ذكره صاحب الجواهر & وغيره وهو انه مع وجود الدليل الاقوى على نفي مشروعية الشيء او استحبابه فان أدلة من بلغ حينئذ منصرفة عنه، ومنشاء الانصراف في الحقيقة ان مورد قاعدة من بلغ هي موارد حسن الانقياد اما مع وجود دليل اقوى مفاده الزامي على خلاف الدليل الضعيف فان حسن الانقياد غير متقرر ومتحقق مع الدليل الضعيف، لذا في الحقيقة ان منشاء الانصراف هو ان الانقياد غير موجود في البين وحسن الاحتياط ايضا غير موجود في البين ومورد قاعدة من بلغ هو في موارد حسن الانقياد وحسن الاحتياط، اذن من الواضح انه هنا ليس مجرى لموضوع قاعدة من بلغ.
ويرد على صاحب الجواهر & :-
ان هذا الجواب متين وقد اعتمدناه في بحث صلاة نافلة يوم الغدير ولكن هذا الوجه متين فيما اذا كان الدليل الاقوى مفاده التحريم او نفي المشروعية بحيث لا يحسن الاحتياط حينئذ ولا يحسن الانقياد، واما اذا كان الدليل الاقوى ليس مفاده التحريم ولا العزيمة ولا الالزام ولا نفي المشروعية ولكن مفاده نفي العزيمة ونفي الالزام أي مفاده الرخصة فالاحتياط على خلافه يحسن وكذا الانقياد على خلافه يحسن فاذا حسن الاحتياط والانقياد على خلافه جرت قاعدة من بلغ ففي هذه الصورة لا يبعد جريان قاعدة من بلغ.
الاشكال الثاني:- وجواب اخر ذكر وهو ان قاعدة من بلغ غاية مفادها جعل الدليل الضعيف دليل معتبر وحينئذ كلا الدليلين معتبر فيكون في البين تعارض فيتساقط الدليلان فبالتالي ان قاعدة من بلغ لا تعطي للدليل الضعيف صفة الأقوائية بل تعطيه صفة الاعتبار فان اصل الاعتبار شيء والأقوائية شيء آخر.
رد هذا الاشكال:- وهذا الجواب ايضا متين ولكن كما نلاحظ انه مبنائي لأنه مبني على ان قاعدة من بلغ مفادها جبر السند للدليل الضعيف.
الاشكال الثالث:- وجواب آخر عما ذكره المحقق العراقي + وهو ان الدليل الاقوى كاشف تعبدي وعلم تعبدي وطريق لنفي الاحتمال الذي على وفق الدليل الضعيف (أي مفاد الدليل الضعيف) سواء كان ضعيف لذاته او بسبب الدليل الاقوى فانه يكشف عن عدم وجود الاحتمال ولو تعبدا ومع هذا الكشف فلا يبقى موضوع لقاعدة من بلغ فلا يصدق البلوغ، وأصلاً حتى بلوغ احتمالي لا يوجد.
مناقشة هذا الاشكال:- وهذا الجواب متين اذا فرّقنا بين موضوع قاعدة من بلغ وبين عموم موضوع الانقياد والاحتياط والتفرقة لا بنحو التباين بل عموم وخصوص مطلق، اما مع عدم التفريق فلا يصح.
بيان ذلك :-
ان موضوع الاحتياط والانقياد موضوع عام يكفي فيه وجود الاحتمال تكوينا لإصابة الواقع ودرك الواقع فاذا انتفى موضوع الاحتياط والانقياد كما مر ينتفي موضوع قاعدة من بلغ لنكة الانصراف التي مرت بنا وهذا صحيح لان نفي الاعم يقتضي نفي الاخص اذا كان موضوع الاحتياط والانقياد اعم من موضع القاعدة واما نفي المساوي يقتضي نفي المساوي ايضاً اذا كان موضوع الاحتياط والانقياد مساوي لموضوع القاعدة هذا بالنسبة الى موضوع حسن الاحتياط او حسن الانقياد.
واما موضوع قاعدة من بلغ فهو ليس صرف الاحتمال التكويني بحسب الواقع بل موضوعها علاوة على الاحتمال الذي هو موضوع حسن الاحتياط والانقياد هو وصول هذا الواقع ولو وصولاً ضعيفا ولكن بحسب الاصول العقلائية، اذن موضوع الاحتياط العقلي والانقياد العقلي هو صرف الاحتمال والذي يحصل كما مر فيما اذ كان الدليل الاقوى مفاده الرخصة وليس مفاده الالزام ولا التحريم ولا نفي المشروعية ولا العزيمة بل مفاده الرخصة فهنا يحسن عقلا الاحتياط والانقياد وهذا هو موضوع الاحتياط ومن ثم فان هذا لا يجري في موارد الدليل الاقوى الذي يدل على الالزام او العزيمة او التحريم كما مر في الوجه الاول الذي يقتضي التفصيل واما موضوع من بلغ فليس صرف الاحتمال العقلي التكويني للواقع فلو فرضنا انه ليس لدينا خبر واصل فهنا موضوع الاحتياط والانقياد موجود ولكن موضوع قاعدة من بلغ غير موجود لأنه لا يصدق البلوغ فانه وان كان البلوغ العقلي موجود ولكن المراد في قاعدة من بلغ ليس البلوغ العقلي والوصول العقلي والاحتمال العقلي بل المراد في قاعدة من بلغ البلوغ بحسب القنوات الأمارية العقلائية ولو كان ضعيفا اذن موضوع قاعدة من بلغ اخص من موضوع قاعدة الاحتياط والانقياد فاذا كان الامر كذلك ففي موارد اذا كان هناك دليل اقوى منفصل معتبر عند العقلاء فلا يصدق ان الدليل الضعيف هو بلوغ لان العقلاء بالنسبة الى مقام الحجية وسيما اذا كان المتكلم واحداً فانهم يعتبرون كل هذا المجموع بمنزلة الكلام الواحد المتصل فلا يجوز في مقام الاعتبار والحجية ان تأخذ كل مقطع على حده وتجعله بلوغ عقلائي منفصل عن ذلك البلوغ العقلائي الآخر، والا لكان الدليل الواحد حتى المتصل من جهة التكوين يصدق عليه ان كل فقرة من فقراته يوجد فيها بلوغ تكويني ولكنه ليس بلوغ عقلائي فالصحيح انه مع وجود الدليل الاقوى لا يصدق على الدليل الضعيف انه بلوغ عقلائي وان كان الكثير من الاصحاب ذهبوا الى جريان قاعدة من بلغ في هذا المورد أي كون الدليل الاقوى مفاده الرخصة واما في مورد كون الدليل الاقوى مفاده التحريم او الالزام فقد ذهب جماعة نادرة الى جريان القاعدة للعمل في الدليل الضعيف ولكن الاكثر لا يقولون بجريان القاعدة وهو الاوفق سيما على ما ذكرنا من ان قاعدة من بلغ ليست مؤسسة لأصل المشروعية بل بعد وجود المشروعية بنحو العموم والقواعد الاولية فان قاعدة من بلغ تؤسس مشروعية الخصوصية وبهذا يتضح عدم جريان قاعدة من بلغ مع وجود دليلٍ اقوى سواء كان الدليل الاقوى الزامي او تحريمي او كان الدليل الاقوى ترخيصي
وتبقى صورة واحد وهي صورة الدليلين الضعيفين المتعارضين.
ويوجد تفصيل وحاصله:- اذا كان الدوران بين الوجوب والتحريم او الاستحباب والتحريم فحسن الانقياد هنا ليس بارتكاب الاستحباب بل حسن الاحتياط والانقياد يكون بمراعات الحرمة فان احتمال الحرمة اولى بالمراعات من احتمال الاستحباب فلا تجري قاعدة من بلغ لان موضوعها كما مر هو حسن الانقياد والاحتياط واما اذا كان الدليل المعارض مفاده النفي فقط أي نفي التشريع وليس نفي المشروعية او التحريم او العزيمة فالصحيح هنا انه لا باس بجريان قاعدة من بلغ ولو مع وجود رواية معارضة.
بقيت صورة واحدة وهي فيما لو كانت هناك رواية ضعيفة اما للسند وجهة الصدور او لجهة الصدور فقط. يأتي الكلام عنها ان شاء الله تعالى.